رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سقوط الفاشر.. بداية لتقسيم السودان أم مرحلة لإعادة التموضع العسكري؟

البرهان وحمديدتي
البرهان وحمديدتي

أعلن قائد الجيش السوداني "عبد الفتاح البرهان"، الاثنين 27 أكتوبر، انسحاب قواته من آخر معقل لهم في الغرب السوداني "دارفور"، في المقابل سيطرت قوات الدعم السريع على مقر الفرقة 16 التي كانت تضم الحامية العسكرية الأخيرة للقوات التابعة للجيش والقوات المساندة لها. وتعدّ واقعة الفاشر خطوة يمكن أن تغيّر المشهد السوداني برمّته، بل إن البعض يعدّها بداية لتقسيم السودان، خاصة وأن "حميدتي" قد سيطر على المدن الرئيسية في إقليم دارفور، وأعلن عن حكومة موازية بدعم من تحالف "تأسيس". يناقش هذا التحليل الأبعاد العسكرية واللوجستية لسقوط الفاشر، وذلك على النحو الآتي: 

أولاً: الأهمية الاستراتيجية لمدينة "الفاشر"

بعد حصار حوالي 600 يوم وارتكاب فظائع بحق المدنيين من قتل واغتصاب وتجويع وجرائم إبادة جماعية قائمة على النوع الإثني والاجتماعي، وفرار الآلاف من سكان مدينة "الفاشر"، تقع عاصمة ولاية "دارفور" بيد الدعم السريع. يرتبط إقليم "دارفور" بحدود مع تشاد وليبيا وجنوب السودان، غير أن المنطقة تزخر بالعديد من الموارد الطبيعية والمعادن النادرة، وتتوزع الثروة المعدنية في إقليم دارفور بين الحديد والرصاص والغرانيت والكروم والنحاس والرخام ومواد البناء، وتقدّر كمياتها بملايين الأطنان. وتؤكد بعض الدراسات أن دارفور تحتوي على حوالي 20 نوعًا من المعادن النادرة.

قوات الدعم السريع-أرشيفية
قوات الدعم السريع-أرشيفية

المنطقة تزخر بثروات أخرى غير المعادن، أهمها أن أراضي الإقليم تختزن بداخلها 6 بحيرات من المياه الجوفية. وبحسب بعض الخبراء، فإن المنطقة غنية بالنفط، والجزء الجنوبي من دارفور يطفو على بحيرة من الخام، هذا فضلًا عن وجود مناجم الذهب في جبل عامر، والصمغ العربي.

واستراتيجيًا، توفر السيطرة على إقليم دارفور إمدادًا لوجستيًا من الداعمين في ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان، كما أنها ميزة استراتيجية لتعزيز الموقف التفاوضي لقوات الدعم السريع، وقد تستخدم الدعم السريع مواقعها لشن مزيد من الهجمات على مواقع الحكومة الشرعية في مناطق سيطرة الجيش، كما يعزز سعيها للسيطرة على ولاية كردفان.

وبالمقابل، يؤثر ذلك على الروح المعنوية لقوات الجيش والقوات المشتركة، على أن هذه الأحداث يمكن أن تعمل على تليين موقف الجيش، والذي طالب قوات الدعم السريع بإلقاء السلاح وتصميمه على النصر الحاسم. كما أن السيطرة على الإقليم مع وجود حكومة موازية "حكومة تأسيس" تفرض واقعًا جديدًا تتحول فيه الدولة الواحدة إلى دولتين، وحكومتين، وداعمين إقليميين ودوليين، وصراعات داخلية وتنافس على الموارد، في مشهد لا يبدو غريبًا على منطقتنا ويكاد يطبق نفس السيناريو الليبي.

ثانيًا: كيف سيطرت الدعم السريع على الفاشر

في الواقع، رصدت بعض التقارير الإعلامية وصول شحنات أسلحة ثقيلة ومتطورة عبر الشحن الجوي من قبل دولة إقليمية – الإمارات – استخدمت فيها مطارات في "تشاد" و"ليبيا" و"بونتلاند" و"جنوب السودان" كممرات للشحن ودعم وصول شحنات الأسلحة للدعم السريع. كما أن القوات المسلحة السودانية قد أعلنت أنها قذفت طائرات شحن كانت مخصصة للهبوط في الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

قوات الدعم السريع-أرشيفية
قوات الدعم السريع-أرشيفية

غير أن الأخيرة أيضًا قد شرعت منذ يوليو 2024 في حفر سواتر ترابية بعمق ثلاثة أمتار، وقد امتدت السواتر الترابية (berms) المحيطة بالفاشر اعتبارًا من 26 سبتمبر الماضي إلى أكثر من 68 كيلومترًا، وقد وضعت نقاط تفتيش ومراقبة عند نقطتي خروج من السواتر الترابية الشماليتين، وبالتالي استطاعت من خلالها إحكام السيطرة على مداخل ومخارج المدينة بشكل كامل، وعزلت الطرق المؤدية إلى "نيالا" و"مليط" و"طويلة"، وهو ما نتج عنه إفراغ المدينة من سكانها بجانب السيطرة عليها.

ومنذ 26 سبتمبر الماضي، زاد الضغط على "الفاشر" عبر تكثيف الهجمات بالأسلحة الثقيلة، بما في ذلك على الأرجح المدفعية والطائرات بدون طيار، وتم استهداف مقر الفرقة السادسة الرسمي للقوات المسلحة السودانية. وقد سُجّلت أكثر من 50 حالة سقوط ذخائر ثقيلة قرب مقر الفرقة السادسة للقوات المسلحة السودانية، ومقر قيادة المدرعات، وسلاح المهندسين، والهيئة الطبية، ومدرسة الفاشر الثانوية النموذجية للبنين. هذا فضلًا عن استهداف آخر تجمع بشري في المدينة في جنوب مخيم "أبو شوك"، ووفقًا لبعض المصادر فإن قوات الدعم السريع شنت هجمات واسعة النطاق وموجّهة بطائرات بدون طيار على سوق ومسجد "الصافية"، مما أسفر عن مقتل 27 شخصًا.

الجيش السوداني -أرشيفية
الجيش السوداني -أرشيفية

وقد رصدت تحليلات أخرى زيادة في عدد المقابر الجماعية التي يتم حفرها. وكانت المنظمات الحقوقية قد كشفت عن ارتكاب قوات الدعم السريع عمليات احتجاز خارج نطاق القضاء ونهب وقتل وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بحق المدنيين الذين يحاولون الفرار عبر هذه النقاط. وعلى أي حال، استفادت الدعم السريع من إحكام الحصار ونصب السواتر الترابية ووضع نقاط تفتيش ومراقبة، مما مكنها من الانقضاض على تواجد بشري موالٍ للجيش السوداني سواء من المدنيين أو العسكريين. وقد وثّقت كاميرات قوات الدعم السريع نفسها ارتكابها جرائم الإبادة الجماعية وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.

الجيش السوداني -أرشيفية
الجيش السوداني -أرشيفية

وإجمالًا، فإن أسوأ سيناريو كان يمكن أن يتحقق هو سقوط "الفاشر"، آخر معاقل القوات المسلحة في الغرب. فالمدينة التي شكّلت لسنوات بوابة الغرب ومركز التقاء لمختلف المكونات أصبحت اليوم مرآة تعكس حجم الانهيار الذي يعيشه البلد. سقوط الفاشر كشف عمق الأزمة في البنية الأمنية والاقتصادية، وأظهر كيف يمكن للحصار والجوع أن يتحوّلا إلى أدوات حرب. وعلى أي حال، يمكن أن يستعيد الجيش سيطرته إذا توافر الدعم الإقليمي والضغط الدولي على الدعم السريع، وتكثيف الهجمات العسكرية واقتحام المدينة عبر قوات برية. وتظل المعركة بين الطرفين في إطار معارك الكر والفر، ويظل الدعم الإقليمي هو المحرك لأطراف الصراع، ويظل الانقسام يضرب السودان وأهله طالما غاب الإجماع الوطني والتوافق السياسي بين نخب سياسية تعلي من ولائها القبلي على الوطني، وتستفيد من حالة الصراع، ولا يزال الشعب السوداني هو من يدفع الثمن.

ختامًا:

سقوط الفاشر لا يمثل مجرد انتكاسة عسكرية للجيش السوداني، بل تحوّلًا جوهريًا في معادلة الصراع داخل السودان. فالمعركة التي حسمتها قوات الدعم السريع لم تكن فقط نتيجة تفوق ميداني، بل ثمرة شبكة دعم إقليمي معقّدة وواقع سياسي مضطرب سمح بتمدد الميليشيات على حساب مؤسسات الدولة.

تكشف أحداث الفاشر عن هشاشة البنية الوطنية، وعمق الانقسام بين القوى العسكرية والقبلية، كما تؤكد أن الحصار والتجويع والإبادة الجماعية باتت أدوات سياسية في حرب بلا أفق، بينما يغيب أي مسار وطني جامع يضع حدًا لنزيف الدم السوداني.

وإذا لم يتوافر توافق داخلي حقيقي ودعم دولي متوازن يعيد للدولة سيادتها ووحدتها، فإن الفاشر قد لا تكون نهاية المعارك، بل بدايتها نحو مرحلة أكثر فوضوية، تُهدد بتحويل السودان إلى رقعة صراع دائمة بين قوى السلاح ومصالح الخارج.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء