رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

انتخابات العراق.. بين صناديق الاقتراع وسلطة الميليشيات

الانتخابات العراقية
الانتخابات العراقية

تعكس الانتخابات النيابية في العراق توازنات القوى الداخلية وتشابك المصالح الإقليمية والدولية في بلد يعيش منذ عام 2003 حالة من السيولة والفوضى بين قوات الاحتلال الأمريكي وميليشيات موالية لإيران، فضلًا عن الدمار الذي ارتبط بفترة انتشار تنظيم داعش الإرهابي، مما ترك آثارًا لم يتعافَ منها العراق حتى اليوم.

فمنذ سقوط نظام صدام حسين وتأسيس النظام السياسي الجديد على قاعدة المحاصصة الطائفية والإثنية، تحولت العملية الانتخابية إلى أداة لإعادة إنتاج النخبة نفسها أكثر مما كانت وسيلة لتغييرها، ومع ذلك تبقى الانتخابات النيابية مهمة ومؤثرة لأنها تأتي بالحكومة وتمنح السلطة للفائزين.

الانتخابات العراقية - أرشيفية
الانتخابات العراقية - أرشيفية

خلال العقدين الماضيين، خاض العراق سلسلة من الانتخابات التشريعية شهدت تذبذبًا واضحًا في نسب المشاركة، وانقسامًا متكررًا في خريطة التحالفات، وغالبًا ما اتسمت بالتنافس بين القوى الطائفية التي ورثت السلطة ما بعد عام 2003، وفي كل دورة انتخابية تقريبًا، تتغير التحالفات، لكن البنية المعروفة للنظام السياسي تبقى على حالها، وتشمل محاصصة في المناصب، واعتمادًا على الريع النفطي لشراء الولاءات، وتدخل الميليشيات في الانتخابات. 

الحراك الشعبي الموءود

شهد العراق صعود قوى خرجت من رحم الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في أكتوبر 2019 لتغيير المشهد السياسي والمطالبة بوقف التدخلات الإيرانية، وبالفعل شهدت انتخابات عام 2021 بوادر تحوّل نسبي تمثّل في تقدّم التيار الصدري على حساب الكتل الموالية لإيران، مما كشف عن وجود رغبة شعبية في التغيير وترجمتها بشكل سياسي، لكنها أظهرت محدودية قدرة الحركة الاحتجاجية على التحول إلى قوى سياسية منظمة، لأنها بقيت الشوارع صاخبة، لكن الصناديق لم تعبّر عن حجم الغضب المتراكم.

وفي هذا السياق، تكتسب الانتخابات المقبلة أهمية خاصة، لأن الحكومة الحالية تحاول تقديم نفسها بوصفها تكنوقراطية قادرة على تحسين الخدمات وجلب الاستقرار، بينما يعاني الشعب من تبعات الفساد وسوء الإدارة وفقدان الثقة في وعود الإصلاح، وهذا الجمهور قد يساهم في قلب العملية السياسية، إذ يمكن لموقفه من المشاركة أو المقاطعة أن يرسم ملامح المرحلة المقبلة، وهناك بالفعل نية مقاطعة لدى كثير من المواطنين بسبب شكهم في جدوى المشاركة.

الانتخابات العراقية - أرشيفية
الانتخابات العراقية - أرشيفية

البيئة الانتخابية العراقية معقدة بطبيعتها، فالقانون الانتخابي شهد تعديلات متكررة تعكس رغبة الأحزاب في إعادة تشكيل قواعد اللعبة بما يخدم مصالحها. كما أن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، رغم تحسّن أدائها الفني، ما زالت تواجه أزمة ثقة حقيقية في الشارع بسبب الاتهامات السابقة بالتزوير والتدخل الحزبي. يُضاف إلى ذلك عامل الأمن، إذ لا تزال بعض الفصائل المسلحة قادرة على التأثير في المشهد السياسي، سواء عبر الضغط على المرشحين أو التأثير في الناخبين، ما يجعل مبدأ تكافؤ الفرص هشًّا في مناطق معينة.   

البعد الإقليمي في الانتخابات العراقية

تراقب إيران والولايات المتحدة الأمريكية السباق السياسي، ولكلٍّ منهما أدواته؛ فنظام الملالي سعى إلى الحفاظ على نفوذه من خلال الميليشيات الشيعية، بينما تحتفظ واشنطن بوجود عسكري داخل العراق، وبين هذين القطبين تحاول الحكومة العراقية انتهاج سياسة التوازن والانفتاح على محيطها العربي دون إغضاب إيران التي تمتلك نفوذًا هائلًا داخل الساحة السياسية العراقية.

وهناك عوامل داخلية مؤثرة أيضًا في الانتخابات، فلم يعد الخطاب الطائفي الشيعي يجذب الناخبين كما في السابق، كما أن فئة الشباب التي تشكل غالبية السكان تبحث عن بدائل تتجاوز الانقسامات التقليدية، ويظل غياب الأحزاب البرامجية عائقًا أمام ترجمة هذا الوعي إلى نتائج ملموسة.

الفصائل المسلحة في العراق
الفصائل المسلحة في العراق

الانتخابات القادمة قد تشهد تنافسًا بين سردية إصلاحية ترفع شعار بناء الدولة ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات، وسردية ثانية تسعى إلى الإبقاء على التوازنات الراهنة التي تضمن استمرار مصالح النخب الطائفية. ونجاح السردية الأولى يتوقف على قدرة القوى الجديدة على تشكيل جبهات انتخابية متماسكة، فيما تعتمد الثانية على قوة المال السياسي والشبكات الدينية وعناصرها المتغلغلة في مفاصل الدولة.

التحديات الكبرى

من أبرز التحديات أمام أي حكومة غياب العدالة في توزيع الثروة وتغوّل الفساد الإداري، وإذا لم ترافق العملية الانتخابية إصلاحات حقيقية في البنية الإدارية والاقتصادية، فستتحول النتائج إلى مجرد إعادة إنتاج للمأزق ذاته.

كما تظل مسألة السلاح المنفلت للميليشيات التحدي الأخطر، لأنه يهدد وجود الدولة ذاتها ويفرغ السلطة من معناها، فوجود ميليشيات مسلحة تمتلك نفوذًا عسكريًا يجعل من الصعب تحقيق تنافس انتخابي متكافئ بدون حصر السلاح بيد الدولة واستعادة احتكارها الشرعي للقوة، لذا ستظل العملية السياسية ناقصة السيادة ما بقي السلاح الميليشياوي، ويتوقف نجاح أي حكومة على قدرتها في تحقيق هذا الهدف دون الانزلاق إلى صراع داخلي.

الفصائل المسلحة في العراق
الفصائل المسلحة في العراق

تتيح الانتخابات للمجتمع العراقي طرح أسئلته حول شكل الدولة التي يريد، فالعراق يقف أمام مفترق طرق؛ إما أن يواصل الدوران في حلقة المحاصصة والفساد، أو أن يبدأ انتقالًا تدريجيًا نحو نظام أكثر كفاءة، وهذا التحول لا يأتي بقرار فوقي أو عبر نتائج صناديق الاقتراع، بل بوعي اجتماعي متراكم يفرض نفسه على القوى السياسية ويجبرها على التغيير.

ختامًا:

فإن الانتخابات العراقية مقياس لحيوية المجتمع وقدرته على تجاوز جراحه، فإذا نجحت القوى السياسية في تحويلها إلى أداة للمساءلة والرقابة والمنافسة الشفافة، فقد تكون مدخلًا لإصلاح عميق يعيد للدولة هيبتها، أما إذا أُفرغت من مضمونها، فستبقى مجرد طقس ديمقراطي شكلي يعيد تدوير الأزمة ذاتها، وهو الأمر المرجح نظرًا لبقاء كافة مسببات الأزمة وغياب عوامل يمكن الارتكان إليها للتغيير.

إسلام جمال*

 باحث دكتوراه متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء