رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جورجيا على مفترق الطرق: بين ديمقراطية الغرب وضغوط الشرق

 رئيس جورجيا ميخائيل
رئيس جورجيا ميخائيل كافيلاشفيلي

كتبت جورجيا فصلًا جديدًا في تعليق أو تعطيل عضويتها في الاتحاد الأوروبي، بسبب التراجع الديمقراطي والانتقادات الأوروبية لتشريعات معينة مثل قانون العملاء الأجانب وغيره من الممارسات القمعية، إذ أعلن حزب "الحلم الجورجي" الحاكم أنه طلب من المحكمة الدستورية حظر قوى المعارضة الرئيسية الثلاث في البلاد؛ ما أدى إلى موجة من الاحتجاجات باعتباره قرارًا يشرعن للحكم الاستبدادي ويقوض فرص الدولة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

تفاقمت التوترات التي تشهدها الدولة المطلة على البحر الأسود بسبب القرار الحكومي بتعليق المحادثات مع بروكسل، وحظر "الحركة الوطنية المتحدة" التي يتزعمها الرئيس السابق المسجون ميخائيل ساكاشفيلي، وتحالف "من أجل التغيير"، و"جورجيا القوية-ليلو"؛ ما أثار احتجاجات في الشوارع استمرت شهورًا وسط حملة قمع استهدفت سياسيين معارضين وصحافيين ناقدين وناشطين، بتهمة تقويض شرعية الحكومة والعمل ضد النظام الدستوري للدولة.  

<span style=رئيس الوزراء الجورجي إيراكلي كوباخيدزه">
رئيس الوزراء الجورجي إيراكلي كوباخيدزه

الحلم الجورجي واختبار الديمقراطية

تشهد تبليسي أزمة سياسية منذ الانتخابات البرلمانية التي أُجريت منذ عام، ورفضتها المعارضة بحجة أنها مزورة، كما رفضت البرلمان والحكومة الجديدة، وهو ما اعتبره الحزب محاولات ممنهجة للإطاحة بالنظام الدستوري الجورجي أو تغييره بالقوة، متهمًا قوى أجنبية بدعم المحتجين بهدف تقويض استقلال البلاد.

وفي مطلع أكتوبر 2025، أعلنت السلطات الانتخابية في جورجيا فوز الحزب الحاكم بالانتخابات المحلية، بالتزامن مع ممارسات قوات الشرطة تجاه العناصر الرافضة للحزب، حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين المناهضين للحكومة الذين حاولوا اقتحام القصر الرئاسي.

وتُعدّ المحليات أول اختبار انتخابي لـ"الحلم الجورجي" منذ الانتخابات البرلمانية المشكوك في نتائجها، والتي أدت إلى اضطرابات في الدولة ودفعت بروكسل إلى تجميد عملية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وتوالت ردود أفعال غاضبة، منها الرئيسة الجورجية السابقة سالومي زورابيشفيلي، التي وصفت الطلب من المحكمة حظر قوى المعارضة الرئيسية بأنه الخطوة الأكبر في عهد الإرهاب الجورجي، قائلة إنه يهدف إلى تحويل البلاد إلى نظام استبدادي على الطريقة الروسية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

ويُنظر إلى المحكمة الدستورية على أنها خاضعة لسيطرة الحزب الحاكم، وتحتاج إلى تسعة أشهر للبت في الطلب المقدم من الحزب بحظر ثلاث كيانات معارضة، بالإضافة إلى جماعات أصغر أخرى وثيقة الصلة بالجماعات الثلاث، قد تواجه إجراءات قانونية أيضًا.

في هذا الإطار، يواجه "الحلم الجورجي" الذي يتولى السلطة منذ عام 2012، اتهامات بتقويض الديمقراطية في البلاد، والتوجه نحو روسيا، وعرقلة انضمام جورجيا إلى الاتحاد الأوروبي، ويرفض الحزب هذه الاتهامات، قائلًا إنه يهدف إلى حماية الاستقرار بينما تسعى الدولة العميقة الغربية إلى جر جورجيا إلى حرب أوكرانيا بمساعدة أحزاب المعارضة.

جورجيا بين تجاذبات موسكو وكييف

تدور العلاقة بين جورجيا وروسيا والاتحاد الأوروبي في فلك معقد من التجاذبات الجيوسياسية والتاريخية، حيث يمثل طموح جورجيا نحو الغرب تحديًا مباشرًا للنفوذ الروسي التقليدي في المنطقة، إذ ظهرت هذه التوترات بشكل حاسم في حرب 2008، عندما تدخلت روسيا لدعم منطقتي "أبخازيا" و"أوسيتيا الجنوبية" الانفصاليتين، واعترفت بهما لاحقًا كدولتين مستقلتين.

واتسم الموقف الجورجي من الحرب الروسية الأوكرانية بالدعم الدبلوماسي والسياسي لأوكرانيا، مع اتخاذ موقف حذر للحفاظ على السلام وتجنب الصراع المباشر مع روسيا، فقد أدانت جورجيا العدوان الروسي، وانضمت إلى قرارات دولية تدين روسيا، كما دعمت أوكرانيا في المحكمة الجنائية الدولية، لكنها في المقابل تمسكت بسياسة التهدئة لتجنب خطر الحرب مرة أخرى على أراضيها.

وكانت الحرب محل خلاف داخلي، حيث تدعم المعارضة الجورجية أوكرانيا، بينما تتبع الحكومة مسارًا حذرًا لتجنب الصراع المباشر مع روسيا، إذ دعت الحكومة الجورجية إلى التهدئة وشددت على أن موقفها ينبع من رغبتها في الحفاظ على السلام، حيث تخشى من امتداد الصراع إلى جورجيا، وصرحت الحكومة أنه لولا سعيها لتجنب تعرض البلاد لخطر الحرب مرة أخرى لكانت تحولت إلى منطقة قتال مثل أوكرانيا.

 الرئيس الجورجي السابق ساكاشفيلي
 الرئيس الجورجي السابق ساكاشفيلي

بين الطموح الغربي والواقع الجيوسياسي

لطالما سعت جورجيا بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي إلى الاندماج في المؤسسات الغربية، وفي طليعتها الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتمت ترجمة هذا التوجه في البداية عبر توقيع اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي عام 2016، ومن ثم تقديم طلب العضوية رسميًا في عام 2022، وحصولها على وضع المرشح في ديسمبر 2023.

واعتُبر المسار الأوروبي التزامًا دستوريًا وشعبيًا في جورجيا، لكنه أثار غضب روسيا التي تعتبر توسع الناتو والاتحاد الأوروبي نحو القوقاز تهديدًا لمصالحها، ومع ذلك توقفت فعليًا إجراءات الانضمام إلى بروكسل عام 2024 بسبب إقرار حزب "الحلم الجورجي" الحاكم لقانون "العملاء الأجانب" المثير للجدل.

رفض الاتحاد الأوروبي هذا القانون بشدة، مشيرًا إلى أنه يشبه التشريع الروسي المستخدم لقمع المجتمع المدني، ويعتبره تراجعًا عن القيم الديمقراطية وشروط الحصول على عضوية الاتحاد. هذا القانون أثار احتجاجات واسعة في جورجيا وأدى إلى تعليق بروكسل عملية انضمام البلاد، ما خلق انطباعًا بأن الحكومة الجورجية تبتعد عن الغرب وتقترب من سياسة أكثر "واقعية" أو موالية لموسكو.

وقد أدى قرار الحكومة بتعليق محادثات الانضمام حتى عام 2028 إلى تعميق المخاوف الغربية من أن "العملاء الأجانب" ليس مجرد قانون محلي، بل جزء من استراتيجية أوسع لإبطاء أو إجهاض الاندماج الأوروبي لصالح علاقات أكثر براغماتية مع موسكو.

يُظهر هذا التجاذب أن جورجيا تجد نفسها في مفترق طرق بين طموحها الغربي والواقع الجيوسياسي الذي تفرضه روسيا؛ في حين يمثل الاتحاد الأوروبي تطلعات الشعب الجورجي نحو الديمقراطية والرخاء الاقتصادي، فإن العلاقة مع روسيا هي حقيقة جغرافية وأمنية لا يمكن تجاهلها.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء