هولندا تنتخب الوسط المعتدل.. اليمين المتطرف يخسر معركة القضايا الحياتية؟
أفضت الانتخابات البرلمانية التي شهدتها هولندا نهاية أكتوبر 2025، إلى خروج اليمين المتطرف من الحكم لصالح حزب الوسط المعتدل "الديمقراطيون 66"؛ مما ينذر بتحولٍ مهم في المشهد السياسي، إذ تمثل النتائج نقطة فاصلة في تاريخ السياسة الهولندية، بتراجع شعبية التيارات الشعبوية بعد سنوات من الزخم النسبي.
ويواجه الفائز روب جيتن زعيم حزب الديمقراطيون ورئيس وزراء هولندا تحديات صعبة تتمثل في تشكيل ائتلاف حكومي، إذ لم يحقق حزبه أغلبية مطلقة، كما أن العلاقات المتوترة بين الأحزاب تجعل الخيارات المتاحة أمامه معقدة. وأوضح أن أولويات حكومته ستكون التركيز على الطاقة الخضراء، ومعالجة أزمة السكن، وتخفيف الضغط على نظام الرعاية الصحية.
فيما يلي تحليل لأسباب تراجع حزب الحرية اليميني المتطرف، وعقبات تشكيل حكومة وسطية، وانعكاس الانتخابات الهولندية على أحزاب اليمين في فرنسا وإيطاليا.

أولًا: تهميش القضايا الحياتية
ساعدت الأزمات الاقتصادية التي تمر بها الدول الأوروبية على تراجع شعبية خطاب الكراهية، المتمحور في الأساس حول قضايا الهجرة واللجوء وإغلاق الحدود، في مقابل تهميش القضايا الحياتية اليومية كقانون الرعاية الصحية وارتفاع أسعار السكن وقضايا الحريات، وهي الأمور التي ركز عليها خطاب الفائز يتن، إذ تعهد بتوسيع برامج الاندماج ومكافحة الهجرة غير الشرعية، مع السماح بتقديم طلبات اللجوء من خارج الاتحاد الأوروبي بشكل منظم.
ورغم أن هولندا خامس أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، فإن المواطنين يعانون من أزمات اقتصادية، ونجح الوسط المعتدل في استهداف قضايا يومية تهم أغلب الفئات، مثل أزمة السكن، والاقتصاد، والتغير المناخي، والخدمات العامة، ما جذب ناخبين تقليديين لليمين الشعبوي.
ويسعى يتن لتشكيل ائتلاف سياسي واسع يضم أحزاب اليسار والوسط والمحافظين، ويمكن الإشارة إلى أن نجاحه في هذه المهمة سيزيد من عزلة حزب "الحرية" اليميني، الذي استبعدت معظم الأحزاب التعاون معه في أي حكومة مستقبلية؛ بسبب صراعات اليمين داخل الحكومة السابقة، والتي أضعفت صورة حزب الحرية كقوة قادرة على الحكم بثبات.

ولا يعني فوز الوسط انتهاء وجود اليمين المتطرف نهائيًا، لكن ما حدث هو نجاح للناخبين الهولنديين في تحويل دعمهم إلى أحزاب أصغر ضمن الطيف اليميني، ما يعكس استمرار التيار الشعبوي لكنه بشكل موزع وغير قادر على تحقيق غالبية مستقرة؛ لذلك ينعكس هذا التشتت على تشكيل الحكومة المقبلة، ويجعله معقدًا ويحتاج إلى تحالفات واسعة بين الوسط والأحزاب المعتدلة لضمان استقرار الحكم.
ثانيًا: انعكاسات سقوط اليمين في هولندا على أوروبا
تبرز الانتخابات الهولندية الأخيرة مرحلة انتقالية في أوروبا الغربية، حيث يتصارع الوسط المعتدل مع الشعبوية على شرعية الحكم والقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، مع بقاء التيارات الشعبوية كعنصر مؤثر في المشهد السياسي دون سيطرة مطلقة.
الانعكاسات الأوروبية لهذه الانتخابات كبيرة، فهي توضح أن المجتمعات الغربية قادرة على تصحيح مسارها السياسي عندما تركز الأحزاب المعتدلة على القضايا الاقتصادية والاجتماعية الحيوية، بينما يبقى التيار الشعبوي حاضرًا كقوة ضغط محتملة. وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى هولندا كنموذج أولي لتجربة تصحيح مسار اليمين المتطرف، مع بقاء احتمال صعوده مجددًا في الانتخابات المقبلة إذا لم يتمكن الوسط من تقديم نتائج ملموسة للناخبين.
كما يشهد اليمين الفرنسي مرحلة حساسة بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة، حيث برزت الانقسامات بين الجمهوريين التقليديين وحزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان. رغم الشعبية المستمرة للشعبويين، يُظهر المشهد الحالي أن اليمين التقليدي يحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياته، خصوصًا فيما يتعلق بالهجرة، والاقتصاد، والأمن، إذا أراد استعادة النفوذ المؤسسي في البرلمان.
ويواجه حزب لوبان تحديًا مزدوجًا: توسيع قاعدة ناخبيه دون فقدان الأصوات الوسطية المعتدلة، ومواجهة الضغوط الداخلية من القيادات الشابة الطامحة لتقديم خطاب أكثر توازنًا بين الوطنية والواقعية الاقتصادية. وفي حال فشل ذلك، قد يشهد المستقبل استمرار تشتت الأصوات اليمينية لصالح الوسط واليسار المعتدل.
في إيطاليا، لا يزال اليمين بقيادة جورجيا ميلوني وحزب "إخوة إيطاليا" يشكل قوة رئيسية، مستفيدًا من ضعف الوسط التقليدي والانقسامات الداخلية في الأحزاب الديمقراطية، الشعبوية هنا متجذرة في خطاب قومي محافظ مع التركيز على الأمن والهجرة والاقتصاد المحلي.
لكن المستقبل السياسي للتيار اليميني الإيطالي يظل مرهونًا بقدرة ميلوني على الحفاظ على تحالفاتها مع أحزاب اليمين الأخرى مثل "الرابطة" و"فورزا إيطاليا". أي شرخ في هذه التحالفات قد يؤدي إلى تراجع مؤقت في النفوذ، مع احتمال انتعاش الوسط أو حتى ظهور أحزاب جديدة تمثل اليمين المعتدل.

ثالثًا: تصاعد الشعبوية مع محدودية التحالفات
على المستوى الأوروبي، تشير هذه التحولات إلى مرحلة انتقالية لليمين المتطرف والشعبوي، حيث ينجح في بعض الدول ويواجه قيودًا في أخرى بحسب استراتيجياته الداخلية وقدرته على التعامل مع قضايا الحكم الواقعية. وتمثل هذه النتائج انحسارًا جزئيًا للشعبوية في دولة أوروبية كبرى، لكنها لا تعني نهاية اليمين المتطرف، الذي ما زال حاضرًا كقوة مؤثرة في البرلمان وأداة ضغط على السياسات الحكومية.
من المنظور الأوروبي، تعكس هولندا تحديات مشتركة أمام أحزاب اليمين المتطرف، إذ تتراجع شعبيتها حين تركز الأحزاب الوسطية على الملفات اليومية مثل السكن، والاقتصاد، والصحة، والطاقة الخضراء. وهو ما يوضح أن الشعبوية قد تستمر في النمو إذا فشلت الأحزاب المعتدلة في تقديم حلول ملموسة لمخاوف المواطنين.
كما أن التجربة الهولندية تبرز أهمية التحالفات المعقدة لتشكيل حكومة مستقرة، وهو عامل مشترك في دول مثل فرنسا وإيطاليا، حيث يسعى اليمين المتطرف للشراكة مع أحزاب أخرى، لكنه غالبًا يواجه صعوبات بسبب الانقسامات الداخلية والرفض السياسي من الوسط واليسار المعتدل. ويظل مستقبله في أوروبا مرتبطًا بقدرته على التكيف مع تحديات الحكم الواقعية وصورته أمام الناخبين المعتدلين.

رابعًا: عودة مشروطة.. ليست مستحيلة
تعتمد عودة اليمين المتطرف مستقبلًا على التحالفات السياسية والقدرة على استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وهي ظروف غالبًا ما توفر له فرصة لاستعادة الدعم الشعبي. بذلك، يبقى المشهد السياسي الهولندي في حالة ترقب، مع احتمال عودة الشعبوية إلى البرلمان في الانتخابات المقبلة عام 2028.
وتساعد بعض العوامل في مسألة العودة، أولها إعادة توحيد الصفوف الداخلية للحزب بعد سنوات من الانقسامات والخلافات التي أضعفت صورته أمام الناخبين، كما يحتاج الحزب إلى تقديم خطاب أكثر واقعية وجاذبية للطبقات الوسطى والحضرية، بعيدًا عن الخطاب الشعبوي الصرف الذي ركز على الهجرة والأمن فقط.
أما العامل الثالث فيتعلق بالأداء الحكومي للوسط المعتدل؛ فإذا فشلت الحكومة الجديدة في تحقيق نتائج ملموسة في مجالات مثل الاقتصاد، والسكن، والطاقة الخضراء، فمن المرجح أن يبحث الناخبون عن بديل شعبي، ما يعيد قوة اليمين المتطرف تدريجيًا.
وأخيرًا، نحن أمام مرحلة انتقالية في السياسة الأوروبية، حيث يبقى اليمين المتطرف قوة مؤثرة لكنها لم تعد قادرة على الهيمنة المطلقة على المشهد السياسي. بالإضافة إلى ذلك، تشير بعض المتغيرات إلى أن قدرة هذه التيارات على العودة مستقبلًا مرتبطة بأدائها في الحكومات المحلية ونجاحها في استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وهو اختبار مستمر على صعيد القارة.



