سباق التسلح النووي يعود إلى الواجهة: مخاوف من التصعيد في آسيا والمحيط الهادئ
تتوالى ردود الفعل العالمية حول تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استئناف بلاده للتجارب النووية بعد 33 عامًا من التوقف، إذ أفاد دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، أن روسيا لم تُجرِ أي اختبارات، لكنها ستتخذ مثل هذه الخطوة إذا أقدمت واشنطن على ذلك، وحذرت الأمم المتحدة من أي خطوات قد تؤدي إلى عواقب كارثية تتعلق بالملف النووي.
وعبّر الأمين العام أنطونيو جوتيريش عن قلق بالغ إزاء ارتفاع مستوى المخاطر النووية في العالم، واصفًا الوضع الحالي بأنه مثير للقلق وغير مسبوق منذ عقود، مشددًا على ضرورة التزام جميع الدول بالمعاهدات الدولية ذات الصلة.
نرصد احتمالات أن يدفع هذا التطور الدول إلى تبرير الحاجة إلى امتلاك قدرات نووية دفاعية خاصة بها، ما يعيد العالم إلى مرحلة جديدة من الاستقطاب النووي والتوازنات الحساسة.

سباق تسلح نووي
استئناف الولايات المتحدة لتجاربها النووية قد يفتح الباب أمام حراك دولي متسارع من جانب الدول التي تمتلك برامج نووية أو تسعى إلى تطويرها، ولا سيما في أوروبا التي تواجه تهديدات عسكرية متزايدة من روسيا، فيما يترقب الحلفاء في آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، هذا التحول بقلق، إذ قد يرونه مؤشرًا على عودة سباق التسلح النووي الإقليمي أو تمهيدًا لنية واشنطن إعادة نشر أسلحة نووية أو قدرات ردع متقدمة في المنطقة.
كما أعربت بكين عن رفضها القاطع للقرار الأمريكي، مؤكدة أن هذه الخطوة قد تزعزع الاستقرار الدولي وتشجع بعض الدول على تطوير برامج نووية جديدة. ويمكن تفسير إصرار الرئيس الصيني شي جين بينغ الواضح على سد الفجوة مع الأطراف النووية العملاقة في حقبة الحرب الباردة، وعلاقاته الوثيقة بشكل متزايد مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأن سباق التسلح القادم قد يكون أشد حدة من السباق النووي في العصر السوفييتي.
فيما بررت أستراليا وعدد من الحلفاء في منطقة المحيط الهادئ اعتقادهم أن استئناف الولايات المتحدة للتجارب النووية يشكل رسالة ردع تهدف إلى تعزيز موقف واشنطن في مواجهة الصين، محذرين في الوقت نفسه من احتمال أن يؤدي القرار إلى تصعيد متبادل في المنطقة.

من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى القرار كرمزية سياسية أكثر من كونه تطورًا عمليًا ملموسًا، يهدف إلى إبراز قوة الردع الأمريكية أمام خصومها، أو اعتباره خطوة استفزازية؛ فأي تجربة نووية، حتى وإن كانت محدودة، قد تدفع دولًا مثل إيران وكوريا الشمالية إلى تسريع برامجها النووية بحجة الدفاع عن نفسها.
نيفادا.. مسرح التجارب النووية
حذرت عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية نيفادا، جاكي روزن، من أن استئناف الولايات المتحدة لتجارب الأسلحة النووية يهدد بكارثة بيئية تشمل عموم البلاد، مضيفة أنها ستكافح بنشاط ضد استئناف التجارب النووية في الولايات المتحدة، وأنها لن تسمح بحدوث هذا أثناء وجودها في منصبها، وستبذل قصارى جهدها كسيناتور ومواطنة أمريكية لوقف هذا الأمر وحماية عائلات ولاية نيفادا.
وكانت الولايات المتحدة قد اختارت ولاية نيفادا لإجراء تجاربها النووية منذ الخمسينيات، لما توفره من عزلة جغرافية ومساحات صحراوية واسعة، بعيدة عن المراكز السكانية الكبرى، ما قلّل من المخاطر على المدنيين وسهّل السيطرة الأمنية على الموقع.
كما ساعد قرب نيفادا من مختبرات أبحاث نووية رئيسية مثل لوس ألاموس ولورنس ليفرمور على تيسير نقل المعدات والقنابل، إضافة إلى الظروف المناخية الملائمة من جفاف وهدوء الرياح، التي خفّضت من احتمالية انتشار الغبار النووي المشع. ومع ذلك، تأثر سكان المناطق المجاورة الذين تعرضوا للإشعاع، ما أدى لاحقًا إلى دعاوى قضائية وتعويضات حكومية.
في الوقت الحالي، يُعد موقع نيفادا الوطني للأمن النووي مؤهلًا فنيًا لاستئناف التجارب النووية تحت الأرض إذا قررت السلطات الأمريكية ذلك، حيث تظل البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك الأنفاق والمرافق الأمنية، محفوظة وجاهزة للاستخدام. ويُستخدم الموقع حاليًا لإجراء تجارب لا تنتج انفجارًا نوويًا كاملًا، مما يتيح للولايات المتحدة متابعة برامجها النووية البحثية والتطويرية.

ومع ذلك، تواجه أي خطوة لإجراء تفجيرات نووية كاملة في نيفادا عقبات قانونية وسياسية كبيرة، إذ تلتزم الولايات المتحدة بوقف ذاتي للتجارب منذ عام 1992، إضافة إلى التزامات دولية مثل معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.
كما تمثل المعارضة المحلية والمخاوف البيئية والجوانب القانونية تحديات كبيرة أمام أي قرار بتنفيذ تجارب نووية جديدة، ما يجعل الأمر محفوفًا بالجدل رغم الجاهزية التقنية للموقع.
تجاوز الشرعية الدولية
على الصعيد الدولي، وفيما يتعلق بالتزامات واشنطن تجاه معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، التي وقّعت عليها أمريكا عام 1996 لكنها لم تُصادق عليها رسميًا، فقد أعربت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بنزع السلاح عن قلقها من أن أي تجربة نووية قد تضعف جهود الحد من التسلح النووي وتعكر الاستقرار الدولي.
القرار الأمريكي يشكل اختبارًا للشرعية السياسية أكثر من القانونية، إذ سيواجه تدقيقًا شديدًا من قبل المجتمع الدولي والدول الحليفة التي تسعى للحفاظ على التوازن بين الردع النووي واحترام القوانين والمعاهدات الدولية.
ولا تزال تصريحات ترامب سببًا في وضع واشنطن تحت ضغط دولي للحفاظ على مصداقية التزاماتها، خاصة في حال سارعت بعض الدول، مثل إيران وكوريا الشمالية، إلى تسريع برامجها النووية بحجة الدفاع عن نفسها.



