بين التقشف والاستراتيجية: الوجه الخفي لقرار واشنطن العسكري في أوروبا
أثار القرار الأمريكي بتقليص الوجود العسكري على الجبهة الشرقية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا، وتحديدًا في دولة رومانيا، نقاشًا واسعًا حول احتمالية التراجع التدريجي لواشنطن في أوروبا بالتزامن مع تغيّرات جيوسياسية لا تزال تشهدها المنطقة؛ ورغم نفي الولايات المتحدة أن يكون الأمر انسحابًا وأنه فقط مجرد تعديل، أقرّ مسؤولون في الناتو أنهم على علمٍ مسبقٍ بالخطوة.
ومن المتوقع أن يشهد الانتشار الأمريكي في أوروبا تحوّلًا من الوجود الدائم إلى الحضور المرن عبر قواعد صغيرة ومناورات دورية وانتشار سريع عند الحاجة؛ ما يسهم في تقليل التكاليف المباشرة دون أن يعني انسحابًا من القارة العجوز، إذ يتراوح عدد القوات الأمريكية في أوروبا بين 75 ألفًا و105 آلاف جندي بعد نشر 20 ألف جندي إضافي إثر الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، وفق وزارة الدفاع الأمريكية.

ومع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا وتصاعد التوتر شرق القارة، يبقى السؤال مطروحًا: هل يستطيع الأوروبيون سدّ الفراغ الأمني إذا قررت واشنطن تقليص وجودها أكثر؟
فاتورة الانتشار العسكري في أوروبا
لا يمكن حصر تكلفة الوجود العسكري الأمريكي في الدول الأوروبية في نفقات القوات المنتشرة فقط، إذ تتوزع الأعباء الدفاعية التي تتحملها واشنطن خارج أراضيها على تجهيز البنى التحتية لتتماشى مع التواجد العسكري، وصيانة المعدات، والخدمات اللوجستية، كل ذلك تقدّره مراكز أبحاث أمريكية بأنه يصل إلى قرابة 35 مليار دولار سنويًا في الفترات التي لا تشهد حروبًا أو نفقات تشغيلية جراء الأزمات.
وتُعتبر رومانيا واحدة من القواعد الكبرى التي تُنفق عليها التكاليف الأكثر، ومعها ألمانيا وإيطاليا وبولندا، حيث تتطلب الصيانة السنوية للقواعد والمرافق العسكرية مبالغ تتراوح بين 100 و200 مليون دولار لكل قاعدة، تبعًا لحجمها ووظائفها. كما أن نشر ألوية قتالية بشكل دوري وليس دائم يرفع التكلفة التشغيلية بنحو 70 مليون دولار سنويًا مقارنة بالتمركز الثابت، وفقًا لتقارير من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون).
كما تتحمل واشنطن كلفة نقل العتاد والمعدات العسكرية إلى أوروبا، فضلًا عن برامج التدريب المشتركة مع قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى جانب النفقات المباشرة؛ لذلك أصبح الانتشار الأمريكي هناك أحد أكثر عناصر ميزانية الدفاع تكلفة بعد الوجود في آسيا.
في هذا الإطار، تسعى الولايات المتحدة إلى إلزام الدول الأوروبية بتحمل نسبة أكبر من عبء الدفاع الجماعي، وهو ما يظهر في دعوات متكررة من الإدارات الأمريكية المتعاقبة لزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي بما يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي.

مخاوف من فراغ أمني في الجناح الشرقي للناتو
تتخوف عواصم أوروبية من أن يؤدي أي تقليص كبير في القوات الأمريكية إلى فراغٍ أمنيٍّ في الجناح الشرقي لحلف الناتو، خصوصًا مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا وتنامي التوترات مع موسكو، بالإضافة إلى تصاعد التحدي الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ؛ ما دفع واشنطن لنقل جزءٍ من تركيزها العسكري والمالي شرقًا.
تقول وزارة الدفاع الرومانية إن الخطوة الأمريكية تتعلق بتعديلٍ في تموضع القوات وليس انسحابًا كاملًا، وترتّب على ذلك حالةٌ من الجدل حول هذا التعديل الذي يمثل مؤشرًا على تراجعٍ تدريجيٍّ في الالتزام الأمريكي بأمن القارة الأوروبية في الجناح الشرقي للحلف الممتد من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، لا سيما مع تركيز واشنطن المتزايد على منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين.
يشكّل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا عمودًا أساسيًا في منظومة الردع ضد روسيا منذ نهاية الحرب الباردة، وإن أي تقليصٍ فيه يرفع من مستوى المخاطر بالنسبة لدول أوروبا الشرقية التي تعتمد بشكلٍ كبيرٍ على الحماية الأمريكية، وقد يدفع التراجع الأمريكي دولًا مثل بولندا ورومانيا ودول البلطيق إلى زيادة إنفاقها الدفاعي وتسريع خطط التسلح، وربما إلى تعزيز التعاون العسكري داخل الاتحاد الأوروبي بعيدًا عن المظلة الأمريكية.

وفي المقابل، تؤكد واشنطن أن التراجع في عدد القوات لا يعني تقليص الالتزام الأمني، بل هو إعادة تموضعٍ استراتيجيٍّ يهدف إلى تعزيز المرونة والاستجابة السريعة في مناطق الأزمات، مع الإبقاء على القدرات اللوجستية والبنية التحتية العسكرية في أوروبا.
إعادة تشكيل الخريطة الاستراتيجية للناتو
من المحتمل أن ينتج عن قرار الولايات المتحدة بسحب جزءٍ من قواتها من رومانيا ودول الجناح الشرقي للناتو سلسلةٌ من التداعيات التي قد تتجاوز حدود البعد العسكري المباشر إلى أبعادٍ سياسيةٍ واستراتيجيةٍ أوسع، فقد يؤدي إلى إضعاف منظومة الردع الأطلسية في مواجهة روسيا، خصوصًا في ظل استمرار الحرب الأوكرانية والتوترات على حدود الناتو الشرقية.
وتتزايد التحذيرات من أن تفسر موسكو هذا التراجع كإشارةٍ إلى فتور الالتزام الأمريكي، ما قد يشجعها على زيادة الضغط السياسي والعسكري في البحر الأسود أو في مناطق أخرى مثل مولدوفا ودول البلطيق، وسط مخاوف من أن يتسبب هذا التحول في خلافات داخل الحلف بين دول أوروبا الغربية التي تميل إلى الحوار مع موسكو، ودول أوروبا الشرقية التي ترى في أمريكا الضامن الوحيد لأمنها.
في المقابل، سيجبر غياب أو تقليص الوجود الأمريكي الدول الأوروبية على زيادة ميزانيات الدفاع بمليارات الدولارات لتعويض القدرات اللوجستية والاستخباراتية الأمريكية، بالإضافة إلى توسيع الاستثمار في البنية التحتية العسكرية وقواعد التدريب.
في المدى المتوسط، قد يتطور الحضور الأمريكي من قواعد دائمة إلى انتشارٍ مرنٍ وسريع الاستجابة، ما يغيّر طبيعة العلاقة العسكرية بين واشنطن وبقية الحلفاء، وهذا التحول قد يعيد رسم حدود المسؤوليات داخل الناتو ويؤسس لمرحلةٍ جديدةٍ من التوازن الدفاعي المشترك بين الولايات المتحدة وأوروبا.



