رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الوساطة القطرية التركية.. بين الدبلوماسية الإسلامية والمصالح الاستراتيجية

المحادثات بين باكستان
المحادثات بين باكستان وأفغانستان فى مدينة اسطنبول التركية

تستأنف الجولة الثانية من المحادثات بين باكستان وأفغانستان في مدينة إسطنبول التركية، في محاولة جديدة لترميم الثقة بين الجانبين بعد أشهر من التوتر الحدودي، إذ يشارك في المحادثات وفود رفيعة المستوى تبحث ملفات حساسة تشمل أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، وآليات تثبيت وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مؤخرًا في الدوحة.

وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الشرق الأوسط المشتعل، تتشكل في آسيا الوسطى خريطة نفوذ جديدة، هادئة في ظاهرها، لكنها تعيد رسم موازين القوى بين الدول الإسلامية والفاعلين الإقليميين، وتلعب قطر وتركيا دور الوسيط في هذه الجولة، بيد أن مشاركتهما تُعتبر حيادية ومحدودة بتيسير الحوار بين كابول وإسلام آباد دون فرض أجندات مسبقة.

الوسطاء وملء فراغ واشنطن

بعد مرور أشهر من التوترات الأمنية بين الجارتين، برز الدور التركي–القطري كوسيطين لاستضافة المحادثات بهدف إنهاء النزاع، وكان أحدث فصول التحولات في صعود الدوحة وإسطنبول كوسيطين قادرين على جمع الطرفين المتنازعين حول طاولة واحدة، عقب فترة من الصراع على الحدود المشتركة.

الجيش الباكستاني -أرشيفية 
الجيش الباكستاني -أرشيفية 

مباحثات باكستان وأفغانستان التي استضافتها الدوحة ثم إسطنبول تمثل إشارة إلى صعود الوسطاء الجدد في آسيا الوسطى، الذين يحاولون أن يملؤوا الفراغ الذي خلّفه تراجع الحضور الأمريكي والغربي عن ملفات المنطقة، ما يُبيّن أن الوساطة ليست حدثًا طارئًا.

منذ انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021، فقدت واشنطن قدرتها على ضبط الإيقاع الأمني والسياسي في الإقليم، ما أفسح المجال لصعود قوى أخرى، أبرزها قطر التي وجدت نفسها تمتلك رصيدًا دبلوماسيًا استثنائيًا؛ فهي العاصمة التي استضافت مفاوضات طالبان مع الأمريكيين.

أما تركيا، فلم تكن بعيدة عن المسرح، إذ حافظت أنقرة على وجود رمزي في كابول بعد انسحاب القوات الأجنبية، وظلت تربطها علاقات وثيقة بإسلام آباد، ومع التقارب القطري–التركي في ملفات إقليمية عديدة، بدا طبيعيًا أن يتشكل محور وساطة جديد بين العاصمتين.

البعد الرمزي للوساطة الإسلامية

تُقدّم كل من الدوحة وأنقرة وساطتهما في إطار إسلامي ودبلوماسي وإنساني، ما يمنحها قبولاً جماهيريًا في البلدين، ويعطي بعدًا هوياتيًا للمفاوضات، لا يقتصر على السياسة، بل يتصل بشرعية سردية جديدة في العالم الإسلامي.

في هذا الإطار، تتميز الوساطة القطرية–التركية بأنها لا تُقدَّم كتحرك سياسي فقط، بل كجزء من مشروع دبلوماسي أوسع يقوم على فكرة أن العالم الإسلامي قادر على حل أزماته بنفسه، فبينما تميل القوى الكبرى إلى مقاربة الملفات من زاوية أمنية أو اقتصادية بحتة، تحاول الدوحة وأنقرة المزج بين الخطاب الهوياتي والممارسة البراجماتية.

يتعامل الوسيطان مع أفغانستان وباكستان ليس بوصفهما ملفين أمنيين، بل كبلدين شقيقين يحتاجان إلى بناء الثقة قبل أي شيء آخر، وساعدت هذه اللغة الهادئة الخالية من التهديد في جعل الوساطة مقبولة للطرفين، في وقتٍ لم تكن فيه أي عاصمة غربية قادرة على جمعهما من دون شروط مسبقة.

قيادات طالبان باكستان - أرشيفية
قيادات طالبان باكستان - أرشيفية

لا يعني هذا أنها وساطة خالية من المصالح والحسابات السياسية، فقطر تسعى لتكريس صورتها كقوة ناعمة فاعلة في النزاعات الإسلامية، وهو الدور الذي منحها ثقلًا يتجاوز حجمها الجغرافي، أما تركيا، فتبحث من خلال البوابة الباكستانية عن تعزيز نفوذها في آسيا الوسطى وربطه بشبكة مشاريعها الاقتصادية والعسكرية الممتدة من القوقاز إلى البحر العربي.

في المقابل، ترى باكستان في هذا الغطاء الدبلوماسي فرصة لتخفيف الضغط الدولي المتزايد عليها بسبب نشاطات "تحريك طالبان باكستان"، بينما تحاول حكومة طالبان في كابول استثمار المحادثات لتكريس شكل من الاعتراف غير المعلن بسلطتها.

اللاعبون الآخرون: بين القبول والتحفّظ

رغم الترحيب العام بالاتفاق المبدئي الذي أُعلن في الدوحة وتلاه استكمال المحادثات في إسطنبول، فإن القوى الإقليمية تتابع الموقف بحذر، لا سيما الصين التي تمتلك مشاريع استراتيجية كبرى في باكستان ضمن ممر الصين–باكستان الاقتصادي، وتخشى من أي دور جديد قد يُعقّد حساباتها الأمنية.

أما السعودية، فترى في الوساطة القطرية–التركية عودة لتنسيق ثنائي قد يُضعف المبادرات الخليجية المشتركة، بينما إيران، القلقة من تمدد النفوذ التركي في غرب آسيا، تخشى أن تؤدي هذه التهدئة إلى تقليص نفوذها في مناطقها الحدودية مع أفغانستان.

ومن التحديات التي تواجه الوسطاء – خاصة في ظل النجاح المعلن للمحادثات حتى الآن، والذي يتمثل في وقف إطلاق النار وإعادة فتح معبر تورخم الحيوي، وهو إنجاز ملموس بعد أسابيع من الإغلاق – مدى استطاعة الدوحة وأنقرة تحويل هذا النجاح التكتيكي إلى استقرار طويل الأمد، وهل تمتلكان أدوات تنفيذ حقيقية، لا مجرد نفوذ معنوي.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن قطر وتركيا أعادتا تعريف مفهوم الوساطة في المنطقة من أداة ضغط إلى مساحة حوار ثقافي ودبلوماسي.

دبلوماسية المستقبل: من السلاح إلى السردية

تشهد الوساطة القطرية–التركية بين باكستان وأفغانستان توازنًا دقيقًا بين الترحيب الإقليمي بالدور الجديد لكل من الدوحة وأنقرة، وبين التحفّظ من اتساع نفوذهما في ملفات الأمن الإقليمي، لكن يظل نجاح هذه الوساطة مرتبطًا بقدرتهما على تأسيس آليات واضحة للرقابة والتمويل وضمان التنفيذ، في ظل غياب مظلة دولية داعمة، الأمر الذي يجعلها في الوقت الراهن رهينة للنوايا الحسنة بين الأطراف المعنية.

ورغم التحديات، تشير التحليلات إلى أن أهمية هذا المسار لا تكمن فقط في التوصل إلى اتفاق مكتوب، بل في إرساء نموذج جديد للعلاقات الإقليمية يقوم على فكرة أن الدول الإسلامية قادرة على معالجة أزماتها داخليًا من دون انتظار تدخلات خارجية.

ومن الممكن أن يمهد استمرار الدوحة وأنقرة في هذا النهج لمرحلة جديدة من الدبلوماسية الإسلامية البراجماتية، التي تستند إلى الثقة المتبادلة لا إلى توازنات القوة؛ ففي عالم تتسارع فيه التحولات، تبدو الوساطة القطرية–التركية واحدة من أبرز محاولات إعادة تعريف مفهوم السلام الإقليمي — فهي لم تُنهِ الصراع بعد، لكنها أسهمت في تغيير قواعد اللعبة وإعادة رسم ملامح "السلام الممكن" في منطقة لم تعرف الاستقرار منذ عقود.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء