التقارب المصري الباكستاني.. شراكة دفاعية وصناعية وتعزيز للأمن الإقليمي
تشهد العلاقات المصرية الباكستانية تطورًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، وذلك على العديد من الأصعدة سواء الدبلوماسية أو الاقتصادية أو الدفاعية، في ظل الزيارات رفيعة المستوى من الجانبين، والتي تتناول سبل تعزيز العلاقات والتعاون الثنائي بينهما، خاصة في المجالات العسكرية والأمنية، وتبادل الخبرات الثنائية في مكافحة الإرهاب والتطرف.
وتؤشر هذه التحركات الثنائية إلى رغبة الطرفين في إعادة بناء العلاقات على أسس جديدة تمهد للشراكة الاستراتيجية والأمنية، وذلك في ظل التحولات المتشابكة في الإقليمين العربي والآسيوي، وهو ما يتطلب تفعيل العلاقات التي تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، وخروجها من الدوائر التي استمرت عليها لسنوات إلى دوائر أوسع تفيد الجانبين في ظل المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي.
مؤشرات التقارب وملامح التعاون
أولًا: الزيارات واللقاءات المتبادلة
شهدت الزيارات واللقاءات المتبادلة بين الطرفين حراكًا ملحوظًا خلال العامين الماضيين. ففي يناير 2024 زار القاهرة وفد باكستاني يضم مسؤولين حكوميين وكبار رجال الأعمال والصناعة من باكستان، برئاسة وزير التجارة والصناعة والإنتاج الاتحادي، لحضور مؤتمر ومعرض باكستان الدولي للتجارة والصناعة، وشارك في المؤتمر أكثر من 80 من كبار رجال الأعمال وممثلي الغرف التجارية من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتعزيز العلاقات التجارية مع رجال الأعمال من باكستان.
وفي ديسمبر من العام 2024 زار رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف مصر لترؤس وفد باكستان في القمة الحادية عشرة لمجموعة الدول الثماني النامية (D-8)، وكان في استقباله وزير قطاع الأعمال العام بجمهورية مصر العربية محمد شيمي وعدد من كبار المسؤولين المصريين وسفارة باكستان بالقاهرة، وضم الوفد الباكستاني نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية محمد إسحاق دار ووزير الإعلام والإذاعة الاتحادي عطا الله تارار.

وعلى هامش القمة العربية الطارئة المنعقدة في الدوحة في سبتمبر 2025، التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس وزراء جمهورية باكستان الإسلامية شهباز شريف، وتناول اللقاء سبل تعزيز العلاقات بين مصر وباكستان. واتفق الطرفان على أهمية تطوير التعاون المشترك في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، ويواكب التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تتطلب تضافر الجهود وتنسيق المواقف.
وفي أكتوبر 2025 التقى المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، بالقيادة الدفاعية المصرية لمناقشة الأمن الإقليمي والتعاون العسكري، مؤكدًا التزام باكستان بتعميق التعاون الدفاعي والعسكري مع مصر خلال زيارته الرسمية للقاهرة، حيث عقد لقاءات منفصلة مع وزير الدفاع والإنتاج الحربي المصري الفريق أول عبد المجيد صقر، ورئيس أركان القوات المسلحة المصرية الفريق أول أحمد خليفة فتحي، وتناولت المباحثات "المسائل ذات الاهتمام المشترك، والأمن الإقليمي، والتعاون الدفاعي الثنائي".
ثانيًا: مذكرات التفاهم والتعاون المشترك
يحرص الطرفان المصري والباكستاني على تعزيز العلاقات من خلال توقيع مذكرات التفاهم والتعاون المشترك. ففي يوليو 2025 عقدت وزيرة الأمن الغذائي الوطني والبحوث الباكستانية رانا تنوير حسين اجتماعًا مع سفير مصر لدى باكستان، الدكتور إيهاب محمد عبد الحميد حسن، لتعزيز التعاون الثنائي في الزراعة والأمن الغذائي ونظم الزراعة المقاومة لتغير المناخ، مشيدة بالتقدم الملحوظ الذي أحرزته مصر في القطاع الزراعي، ومؤكدة اهتمام باكستان الشديد بالتعلم من التجارب المصرية الناجحة. كما دعا الجانبان إلى تعزيز التعاون في مجالات تطوير البذور والعلوم الزراعية والري بالتنقيط وبناء القدرات والتقنيات الذكية مناخيًا.

كما ناقش الجانبان استراتيجيات مصر الفعالة في التعامل مع ندرة المياه، وأقرا بالتقدم الملحوظ الذي أحرزته البلاد في الري بالتنقيط والري عالي الكفاءة. واتفق البلدان على التعاون في نقل المعرفة وأفضل الممارسات في هذا المجال لدعم المناطق الباكستانية التي تعاني من نقص المياه. وكان من أهم نتائج الاجتماع الاتفاق المتبادل على إضفاء الطابع الرسمي على التعاون بين مجلس البحوث الزراعية الباكستاني (PARC) ومركز البحوث الزراعية المصري (ARC)، بالإضافة إلى المركز المصري الدولي للزراعة (EICA). ومن المتوقع توقيع مذكرة تفاهم بين المؤسسات البحثية المعنية قريبًا لتعزيز تبادل البحوث والتدريب والابتكار في مجال الزراعة.
وفي سبتمبر 2025 التقى محمد صلاح الدين مصطفى، وزير الدولة للإنتاج الحربي، مع عامر شوكت، سفير باكستان بالقاهرة، لبحث سبل تعميق التعاون الثنائي في مختلف قطاعات التصنيع الدفاعي والمدني، في ظل الإمكانات الواسعة لوزارة الإنتاج الحربي المصرية، التي تدير 15 شركة صناعية تابعة، بالإضافة إلى كيانات متخصصة في الإنشاءات، ونظم المعلومات، والبحث العلمي، وخدمات الصيانة، والتعليم الهندسي والتكنولوجي المتقدم، ووصف الوزارة بأنها ركيزة أساسية للصناعة الوطنية المصرية.
ثالثًا: تعزيز التعاون الاستثماري والاقتصادي
في إطار مساعي الطرفين لتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، التقى حسام هيبة، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر، مع عامر شوكت، سفير باكستان بالقاهرة، لبحث سبل تعزيز التعاون الاستثماري بين البلدين. وأكد السفير شوكت أهمية الاستفادة من العلاقات السياسية والتاريخية القوية بين مصر وباكستان لتعزيز التعاون الاستثماري الأعمق.
وأشار شوكت إلى الاهتمام المتزايد بين مجتمع الأعمال الباكستاني بالاستثمار في مصر، مسلطًا الضوء على الموقع الاستراتيجي لمصر كمركز إقليمي للتصنيع يتمتع بإمكانية الوصول إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية. وبناءً على ذلك، تعمل سفارة باكستان في القاهرة على تعميق شراكات الاستثمار بين مجتمعي الأعمال في كلا البلدين، مؤكدًا أن عددًا من الشركات الباكستانية تدرس أو قامت بالفعل باستثمارات جديدة في السوق المصرية.
أهداف التقارب المصري الباكستاني
تأتي مؤشرات التقارب المصري الباكستاني في ظل ظروف ضاغطة وتحولات متسارعة على المستويين الإقليمي والدولي، ما يؤشر على أهداف تعزيز العلاقات بين الجانبين، والتي تتمثل في:
أولًا: تنويع الشراكات الأمنية والدفاعية
تبدو رغبة الطرفين المصري والباكستاني في تنويع الشراكات الأمنية والدفاعية على رأس الأولويات لدى الجانبين في ظل المتغيرات الطارئة على التحالفات الدولية في مختلف المجالات، وعدم الاعتماد بشكل كامل على الشركاء التقليديين. وهو ما أبداه محمد صلاح الدين مصطفى، وزير الدولة للإنتاج الحربي، مع عامر شوكت، سفير باكستان بالقاهرة، حيث أكد انفتاح الوزارة على التعاون الدولي، والتزام الحكومة الأوسع بتوطين تقنيات التصنيع الحديثة، والاهتمام الخاص بإقامة شراكات استراتيجية بين الشركات الدفاعية والصناعية المصرية والباكستانية، مؤكدًا أن مثل هذا التعاون سيعود بمنافع اقتصادية وتكنولوجية متبادلة.
وفي المقابل، أعرب السفير الباكستاني في القاهرة، عامر شوكت، عن اهتمام الشركات الباكستانية بالتعاون مع وزارة الإنتاج الحربي المصرية، مشيدًا بالقدرات التصنيعية والتكنولوجية والبشرية التي تتمتع بها الوزارة، وبالشركات التابعة لها لما تتميز به من كفاءة ودقة وسجل حافل بالنجاحات في تنفيذ مشاريع التنمية الوطنية، مشيرًا إلى أن هذه القدرات تتيح فرصًا واعدة لمشاريع مشتركة مستقبلية، مؤكدًا عمق العلاقات المصرية الباكستانية، المبنية على الاحترام المتبادل والتقارب الثقافي والمصالح الجيوسياسية المشتركة. وأشار إلى أن مصر كانت أول دولة في الشرق الأوسط تفتتح فيها باكستان سفارة بعد استقلالها.
ثانيًا: تعزيز الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب
تمثل الرغبة في تعزيز الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب نقطة تلاقي بين الجانبين المصري والباكستاني، وهو ما بدا من خلال زيارة الجنرال عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، إلى القاهرة، ولقائه وزير الدفاع والإنتاج الحربي المصري الفريق أول عبد المجيد صقر، ورئيس أركان القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد خليفة فتحي، حيث جرى خلال اللقاء مناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك والوضع الأمني الإقليمي والتعاون الدفاعي الثنائي.
وخلال الزيارة اعتبر الجنرال منير أن التعاون بين الدولتين لن يعود بالنفع على شعبي الدولتين فحسب، بل سيساهم أيضًا في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. وخلال الزيارة التقى منير شيخ الأزهر، الشيخ أحمد الطيب، بمشيخة الأزهر الشريف، وأكد رئيس أركان الجيش الباكستاني على ضرورة القضاء على الأيديولوجيات المتطرفة والتفسيرات المشوهة للإسلام.
ثالثًا: التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات
تأتي الرغبة في التعاون الاقتصادي ضمن أهداف التقارب من الجانبين، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم بين هيئة الاستثمار الباكستانية (BOI) والهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر (GAFI)، وتهدف إلى تعزيز التعاون في تشجيع الاستثمار المتبادل.
وتهدف مذكرة التفاهم إلى تعاون الطرفين في تبادل البيانات والمعلومات حول أنشطة وخدمات الترويج للاستثمار، وفرص الاستثمار، والقوانين والسياسات الاستثمارية في البلدين، لتسهيل إقامة مشاريع مشتركة، مع تشجيع وتيسير الزيارات المتبادلة للوفود التجارية والبعثات الترويجية بين مصر وباكستان لتعزيز تدفق الاستثمارات. كما يعملان على تنظيم فعاليات ومعارض وندوات مشتركة متعلقة بالاستثمار.
وفي ظل حرص الجانبين على تعزيز التعاون في هذا الإطار، تتضمن المذكرة تبادل الدوريات والتقارير التي تعرض بيئة الاستثمار والتشريعات ذات الصلة في البلدين، والتعاون في حل العقبات التي قد تواجه المستثمرين من كلا الجانبين، ودعم تبادل الخبرات الفنية والمعرفة وبرامج التدريب والزيارات الدراسية لتعزيز خدمات المستثمرين، وتشكيل فريق عمل مشترك من الطرفين لمتابعة تنفيذ بنود المذكرة وتطوير خطة عمل مشتركة.
ختامًا
بناءً على المؤشرات والظروف الإقليمية والدولية، يمكن القول إن العلاقات بين مصر وباكستان تتجه إلى بناء شراكة استراتيجية متدرجة تعتمد على ركائز ثلاث تتمثل في الركيزة الأمنية والدفاعية، والركيزة الاقتصادية والاستثمارية، والركيزة الدبلوماسية وإدارة التوازنات، وذلك في ظل إدراك كلا الجانبين أهمية هذا التعاون لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المتزايدة، وإمكانية انعكاس هذه العلاقة بشكل إيجابي على استقرار الإقليم.



