بين مؤشرات الثقة وبوادر الخلاف.. هل تنجح أذربيجان وأرمينيا في تجنّب تصعيد جديد؟
دخلت العلاقات بين أذربيجان وأرمينيا مرحلة جديدة من الهدوء النسبي، تجلت أحدث ملامحها في رفع القيود الأذربيجانية عن عبور البضائع نحو أرمينيا، وذلك بعد عامين من إنهاء القتال في إقليم ناغورنو كاراباخ بالسيطرة الكاملة لأذربيجان على الإقليم في سبتمبر 2023، حيث نجحت العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأذربيجانية في ذلك الحين في إنهاء ثلاثة عقود من النزاع المسلح والإدارة المحلية في الإقليم، وأعقبتها موجة نزوح واسعة للأرمن من كاراباخ إلى أرمينيا تجاوزت مائة ألف شخص.
وبعد السيطرة من جانب أذربيجان على الإقليم، ظلت هناك بعض الملفات العالقة التي قد تشعل توترات بين الجانبين، حيث برز ممر زانجيزور سريعًا كنقطة محورية، إذ تعتبره "باكو" جزءًا مهمًا من ترتيبات ما بعد الحرب لما يمثله الممر من رؤية استراتيجية أوسع للتواصل والتكامل الاقتصادي وتطبيع العلاقات بعد انتهاء الصراع، مما يؤكد أهميته الجيوسياسية والجيواقتصادية المتنامية، فيما تعتبر بعض الدوائر الأرمينية أن المشروع تهديد لسيادتها.
خلفية الصراع على إقليم ناغورنو كاراباخ
مرت فترة الصراع بين أرمينيا وأذربيجان بعدة مراحل؛ بدأت حين أصدر المجلس التشريعي الإقليمي لناغورنو كاراباخ قرارًا في عام 1988 يعلن نيته الانضمام إلى جمهورية أرمينيا، على الرغم من موقعه الرسمي داخل أذربيجان، وهو القرار الذي كان بمثابة شرارة البدء للقتال المسلح بين الجمهوريتين اللتين لهما تاريخ طويل من التوتر العرقي.
واستمر الصراع خلال فترة تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991، وبعدما حققت أرمينيا وأذربيجان قيام الدولتين، أعلن إقليم ناغورنو كاراباخ استقلاله بشكل رسمي، واندلعت بعدها حرب كاراباخ الأولى من عام 1988 إلى عام 1994، وسيطرت أرمينيا على ناغورنو كاراباخ واحتلت 20 في المائة من المساحة الجغرافية لأذربيجان.

وفي ظل التدخلات الدولية لاحتواء الأوضاع، توسطت روسيا في عام 1994 في اتفاق وقف إطلاق النار المعروف باسم "بروتوكول بيشكيك"، وبعدها ظل إقليم ناغورنو كاراباخ مستقلاً بحكم الأمر الواقع، مع حكومة معلنة ذاتيًا.
وشهدت فترة ما بعد وقف إطلاق النار الذي بدأ في 1994 واستمر رسميًا حتى عام 2020 اشتباكات متقطعة استُخدم فيها الطائرات المسيّرة الهجومية والقصف، وتنفيذ عمليات من قِبل القوات الأرمينية والأذربيجانية. وازدادت حدة التوتر في أبريل 2016، حيث شهدت هذه الفترة أعنف قتال منذ عام 1994.
وتجددت التوترات مرة أخرى في عام 2020، حيث شنت أذربيجان هجومًا واسعًا واستعادت أجزاء كبيرة من الإقليم خلال 44 يومًا، ما أثار موجة نزوح جماعي للأرمن من ناغورنو كاراباخ. وقالت الحكومة الأرمينية حينها إن نزوح الأرمن العرقيين أدى إلى إخلاء إقليم ناغورنو كاراباخ من سكانه تقريبًا منذ أن هاجمت أذربيجان المنطقة الانفصالية وأمرت مسلحيها بنزع سلاحهم.

أذربيجان.. بداية حسم الصراع
في عملية عسكرية خاطفة شنتها أذربيجان، بدأت ملامح حسم الصراع لصالحها. ففي 20 سبتمبر 2023، استعادت "باكو" السيطرة الكاملة على إقليم ناغورنو كاراباخ، وجاءت العملية بعد أشهر من قيام باكو بتشديد القيود على حركة الأفراد والبضائع عبر ممر لاتشين، وهي الإجراءات التي وُصفت بـ"حصار الإقليم". وفي أعقاب الهجوم، وافقت السلطات المحلية في كاراباخ على وقف إطلاق النار وتسليم أسلحتها، والقبول بإعادة دمج الإقليم ضمن السيادة الأذربيجانية.
وبعد هذه السيطرة من جانب أذربيجان، بدأت مفاوضات الجانبين لترسيم الحدود، حيث توصلت لجنة ترسيم الحدود وفقًا للاتفاق إلى ضمان عودة عدد من القرى الأذربيجانية التي كانت تحت سيطرة أرمينيا إلى السيادة الأذربيجانية، وترسيم ما يصل إلى 13 كيلومترًا من حدود الدولة. ومثّل هذا الاتفاق أهمية كبيرة باعتباره النتيجة الأولى لإقرار إعادة الأراضي التي احتلتها أرمينيا عبر المفاوضات الثنائية، وترسيم جزء من الحدود الدولية بين البلدين، مما يمثل بداية لتنظيم العمل المشترك.
وفي يناير 2025، اجتمع مسؤولون من أرمينيا وأذربيجان على الحدود بين البلدين للمرة الحادية عشرة لمناقشة العملية الجارية لترسيم الحدود، وترأس الاجتماع نائب رئيس الوزراء الأرميني مهير غريغوريان ونائب رئيس الوزراء الأذربيجاني شاهين مصطفاييف، بحسب وزارة الخارجية الأرمينية.
واتفق الجانبان على العمل المتواصل لترسيم الحدود الدولية من القسم الشمالي: من نقطة التقاطع التي تحد جمهورية أرمينيا وجمهورية أذربيجان وجورجيا، ثم في الاتجاه الجنوبي من الشمال إلى الجنوب، إلى حدود جمهورية أرمينيا وجمهورية أذربيجان مع جمهورية إيران، وناقش الطرفان مسودات المبادئ التوجيهية الخاصة بإجراءات تنفيذ أعمال ترسيم الحدود.
ممر زانجيزور.. والنقاط الخلافية
في ظل المحادثات بين الجانبين لترسيم الحدود وتثبيت التهدئة، تبقى بعض النقاط الخلافية، والتي يأتي على رأسها ممر زانجيزور، حيث إن الممر بالنسبة لأذربيجان يمثل ضرورة استراتيجية وحجر أساس لطموحها الأوسع في أن تصبح "باكو" مركزًا محوريًا للنقل والخدمات اللوجستية، يربط بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب.
وتستند أذربيجان إلى اتفاقية 2020 في أحقيتها لإنشاء هذا الممر، حيث ينص البند التاسع من ذلك الاتفاق على فتح جميع الروابط الاقتصادية والنقلية في المنطقة، وهو ما تفسره أذربيجان كأساس قانوني لإنشاء هذا الممر، ويربط المسار المقترح أذربيجان بجيب ناختشيفان الاستراتيجي ويمتد إلى تركيا، مما يُنشئ شريانًا تجاريًا مترابطًا بين الشرق والغرب يتمتع بثقل استراتيجي كبير، وتطالب "باكو" أيضًا بأن يكون الممر خاليًا من القيود الأرمينية.
في المقابل، تصر أرمينيا على سيادتها الكاملة على الممر بما يشمل الجمارك والأمن، وترفض أي إشراف خارجي، حيث عبّر نيكول باشينيان عن رفض أرمينيا القاطع لوجود طريق يعزل أراضيها عن سلطتها القانونية، وأنه لا يمكن قبول نموذج "ممر دولي" يذكّر بتجارب ما قبل الاستقلال، وأبدى باشينيان استعدادًا لقبول إشراف تقني أوروبي أو دولي على الممر، لكن بشرط أن تبقى الإدارة العامة والولاية القضائية للحكومة الأرمينية حصرًا.
مؤشرات للتهدئة وبناء الثقة
رغم الخلاف حول ممر زانجيزور بين أرمينيا وأذربيجان، تبدو في الوقت نفسه مؤشرات للتهدئة وبناء الثقة بين الطرفين، حيث رفعت أذربيجان جميع القيود المفروضة على نقل البضائع إلى أرمينيا منذ الاحتلال، وكانت أولى شحنات الترانزيت هذه حبوبًا كازاخستانية أُرسلت إلى أرمينيا، وقد فُسرت الخطوة باعتبارها مؤشرًا جيدًا على أن السلام بين أذربيجان وأرمينيا لم يعد حبرًا على ورق، بل واقعًا ملموسًا، حيث ثمّنت أرمينيا هذه الخطوة ووصفتها بـ"بالغة الأهمية".
وجاء الإعلان عن هذه الخطوة أثناء زيارة رئيس أذربيجان إلهام علييف لكازاخستان ولقائه رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف، حيث أعلنا عن مرحلة جديدة من التعاون، وتعهدا بمضاعفة التجارة الثنائية وتعزيز الروابط في مجال الطاقة والنقل عبر منطقة بحر قزوين. وشكر رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف على مساعدته في تأمين اتفاق لرفع القيود الأذربيجانية على عبور البضائع.
ختامًا:
يمكن القول إن مساعي السلام بين أرمينيا وأذربيجان تواجه اختبارًا حقيقيًا يتعلق بمدى القدرة على التوافق حول الخلاف الأهم القائم الآن والمتعلق بممر زانجيزور، في ظل تباين وجهات النظر بين الجانبين وتمسك "باكو" بأحقيتها في إنشاء الممر واعتباره يمثل عصب مشروعها الإقليمي في ربط آسيا بأوروبا، ومخاوف "يريفان" من مساس المشروع بسيادتها ووحدة أراضيها.
وفي الوقت نفسه، تأتي خطوة أذربيجان بالإعلان عن رفع جميع القيود المفروضة على نقل البضائع إلى أرمينيا منذ الاحتلال كمؤشر على المساعي الجادة للتهدئة وبناء الثقة، والاستعداد للتفاوض حول النقاط الخلافية وتفعيل الوساطات الدولية لتحقيق مصالح الطرفين.



