تمويل هش وقيادة مضطربة.. مستقبل غامض للقوة الإفريقية المشتركة في بحيرة تشاد
تُعد الجهود الإقليمية والدولية من ركائز عمليات مكافحة الإرهاب الدولي والعابر للحدود، وتُعد القوة المشتركة متعددة الجنسيات إحدى الآليات التي شهدتها أنشطة مكافحة إرهاب "بوكو حرام" في منطقة حوض بحيرة تشاد، وقد قامت القوة بشن عمليات عسكرية ونفسية وإنسانية لمواجهة التحدي الإرهابي الذي طال دول بحيرة تشاد والمنبعث أساسًا من الشمال الشرقي النيجيري، وبالأخص الأراضي التي يقطنها إثنيات "الكانوري" و"البودوما" وبعض الإثنيات الأخرى، والتي لها امتدادات إقليمية للدول المتشاطئة ببحيرة "تشاد".
وعلى الرغم من نشاطها، فإن القوة تواجه خطر التشرذم وربما الفناء. فمنذ موجة الانقلابات التي عصفت بإقليم الغرب الإفريقي وتغيير أنظمة الحكم، وما تبعه من تهديدات وردت على لسان الرئيس النيجيري "بولا تينوبو" بإمكانية التدخل عسكريًا لاستعادة الحكم الدستوري المفقود، وهو ما اعتبرته أنظمة الحكم الوليدة تهديدًا لوجودها، فقد قررت الانسحاب من التحالفات الإقليمية. وتُعد دولة "النيجر"، وهي إحدى دول تحالف الساحل الجديد، قد أعلنت الانسحاب من التحالف الإقليمي "القوة المشتركة متعددة الجنسيات" في مارس 2025، ومن جانب آخر، فقد لوّحت دولة "تشاد"، وهي من الدول الرئيسية في تكوين هذه القوة، بالانسحاب منها. يناقش هذا التقرير مستقبل القوة المشتركة متعددة الجنسيات وذلك على النحو الآتي:
أولًا: القوة المشتركة متعددة الجنسيات MNJTF – التأسيس والهيكل والتمويل
تأسست القوة المشتركة متعددة الجنسيات في مطلع عام 2015، وهو العام الذي شهد التوسع الإقليمي لجماعة "بوكو حرام" المصنفة إرهابية، وذلك بعد شهور من إعلانها الخلافة في قرية "جوزا" التي تقع على الحدود النيجيرية – الكاميرونية. وقد تم تعيين ولايتها القضائية بناءً على قرارات من مجلس السلم والأمن الإفريقي التابع للاتحاد الإفريقي، وبتمويل من الشركاء الغربيين مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

ويُعتبر الرئيس التنفيذي لمفوضية Executive Secretary حوض بحيرة تشاد هو رئيس قوة المهام العسكرية متعددة الجنسيات، ويُعد المسؤول السياسي، أما القائد العسكري فيكون من نصيب القيادة النيجيرية، إذ تحتفظ نيجيريا برئاسة الأركان للقوة، بينما يكون منصب نائب رئيس الأركان بالتناوب بين رؤساء أركان البلدان الشريكة.
ثانيًا: نشاط القوة متعددة الجنسيات في مكافحة الإرهاب
أثبت نشاط القوة المشتركة متعددة الجنسيات فاعلية في عمليات مكافحة إرهاب "بوكو حرام"، وخاصة فصيل "ولاية غرب إفريقيا" خلال الفترة الزمنية (2018 – 2021)، خاصة أن تمويل القوة كان يقع على عاتق نيجيريا خلال الفترة الأولى من عمر القوة، في ظل التزام المانحين من الاتحاد الأوروبي بتأمين المبلغ المطلوب (50 مليون يورو من تمويل الاتحاد الإفريقي).
وتُعد عملية "يانسن كافاكي" وتعني "السلام بأيدينا"، والتي امتدت منذ 2019 – 2021، من أطول العمليات التي قامت بها القوة، محققة خسائر في صفوف فصيل "ولاية غرب إفريقيا". وخلال السنوات التالية تم تنفيذ عملية "بحيرة الرشد 1 – Lake Sanity" في مارس 2022، و"بحيرة الرشد 2 – Lake Sanity" خلال عامي 2023 – 2024، لتطهير جزيرة بحيرة تشاد ومعاقل الجماعة المعروفة باسم Tumbuns of Terrorists.

وعلى أي حال، لم يتم رصد إجراء أي عمليات أخرى هذا العام، وذلك على الرغم من تمديد ولايتها القضائية. وقد واجهت القوة عددًا من التحديات، أبرزها إشكاليات التمويل، والاستدامة، والعوائق العملياتية، وضعف أنظمة التسليح والمعدات. وهذا لا يمنع أنها قد ساهمت في تحقيق نجاحات أيضًا، حيث ساهمت في تطهير بعض الجزر، واستسلام وتحييد إرهابيين، وتحرير رهائن.
ثالثًا: النيجر وتشاد بين الانسحاب الفعلي والتهديد به
تُعتبر إشكالية الاستدامة والتمويل من التحديات التي يمكن أن تهدد وجود القوة، فالواقع أن دول بحيرة تشاد لم تُقدم على اتخاذ هذا الترتيب الإقليمي إلا بعد أن تهددت سياداتها وطالها نشاط "بوكو حرام"، سواء بالهجمات المسلحة أو حوادث الخطف والاغتيال. كما أن الدعم الدولي فرض على هذه الدول التوحد في مواجهة الخطر الإرهابي.

وبسبب نقص التمويل والاعتداءات المضادة من جانب "بوكو حرام"، فقد هددت دولة "تشاد" بالانسحاب من القوة، وتُعد نجامينا حجر الزاوية في عمليات مكافحة الإرهاب وتشارك بحوالي 3400 جندي، وذلك بعد نيجيريا. أما دولة "النيجر" فقد أعلنت رسميًا إنهاء مشاركتها في القوة، وذلك بعد وصول النخبة العسكرية الجديدة إلى الحكم. فمن جهة، تُعد هذه النخبة موالية بشكل كبير لروسيا، كما أنها تعتقد أن هذا الترتيب يمكن أن يضر بها بعد تهديدات التدخل العسكري من قبل رئيس دولة "نيجيريا"، أضف إلى ذلك اعتقاد النخبة الجديدة بأن هذا الترتيب الإقليمي لم يكن فاعلًا في مواجهة إرهاب "بوكو حرام" وفصائلها.
رابعًا: هجمات "بوكو حرام" تعود من جديد
في السابع من أغسطس الماضي، شن أحد فصائل "بوكو حرام" هجومًا عسكريًا على إحدى قواعد القوة متعددة الجنسيات في بلدة "كيوارا" الحدودية، حيث اقتحموا ثكنات عسكرية في السابع من أغسطس، وأحرقوا معدات عسكرية وقتلوا جنودًا وأحرقوا منازل ومركبات مدنية، واختطفوا فتاة مراهقة أثناء خروجهم من المدينة، ما أدى إلى نزوح الأهالي من القرية.
وتذكر أحد التقارير الإعلامية أن الأهالي عندما عادوا مرة أخرى وجدوا القوات الكاميرونية يلتقطون أمتعتهم ومعداتهم وينسحبون من الثكنة، لتعتمد القرية في حمايتها على المجموعات المحلية شبه العسكرية مثل الصيادين لتوفير الأمن والاستقرار. ويمثل هذا الانسحاب مؤشرًا على تراجع القوة متعددة الجنسيات.
وهنا يمكن أن يُثار التساؤل المشروع: هل لا تزال القوة فاعلة؟ في الواقع لم يكن هناك تعليق من القوة متعددة الجنسيات، ولا حتى من السلطات النيجيرية، ولكن المؤكد أن مجلس السلم والأمن الإفريقي قد جدد ولاية القوة خلال 2024 – 2025، كما أنها كترتيب أمني إقليمي لا تزال قائمة، وذلك رغم انسحاب "النيجر".
خامسًا: التقييم العام
إجمالًا، شكّل تأسيس القوة متعددة الجنسيات مستوى من التعاون الإقليمي لم يكن مفعّلًا قبل التهديد الإرهابي، على الرغم من وجودها كهيكل غير فاعل بهدف مراقبة الحدود المشتركة ومكافحة أنشطة التهريب المختلفة. لكن توسع "بوكو حرام" شكّل التحدي الحاسم لضرورة تعاون دول الجوار في مواجهته.
وعلى الرغم من تهديد بعض الدول بالانسحاب أو انسحابها الفعلي، وفي ظل تنامي نشاط فصائل "بوكو حرام"، فلا يمكن للدول التي تتشارك نفس التهديد "العابر للحدود" الاستمرار في هذا الاتجاه، خاصة وأن هناك محاولات جدية لحث "تحالف دول الساحل" على إرجاع عضويته في الاتحاد الإفريقي، وبالتبعية في الترتيب الإقليمي الخاص بالقوة المشتركة متعددة الجنسيات.



