رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تغييرات القيادة العليا للجيش النيجيري: توازن إثني أم تحوّل في موازين القوة؟

الجيش النيجيري -
الجيش النيجيري - أرشيفية

أعلن المتحدث باسم الرئيس النيجيري "بولا تينوبو" في 24 أكتوبر، تغييرًا في الهيكل القيادي والاستراتيجي للمؤسسة العسكرية، وجاءت الخطوة في أعقاب الإعلان عن محاولة انقلابية اعتُقل على إثرها 16 ضابطًا، كما أن التغييرات أعقبت تدهورًا في الحالة الأمنية في نيجيريا وتصاعد خطر التهديدات غير التقليدية مثل خطر عصابات اللصوصية في الشمال الغربي، واستمرار حالة الإرهاب في الشمال الشرقي، وتمرد المجموعات الانفصالية في "دلتا النيجر"، والتوترات بين المزارعين والرعاة في الحزام الأوسط، فضلًا عن انتشار الجرائم التكنولوجية وما نتج عنها من مئات حالات الاحتيال والنصب. في هذا التقرير نقدم بعدًا تفسيريًا يعتمد على مدخل التنافس الإثني في الاتحاد الفيدرالي وعلاقاته بتغيير القيادات العسكرية الأخيرة، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: مضمون تغييرات الهيكل القيادي والاستراتيجي للمؤسسة العسكرية

في خطوة اعتبرتها الرئاسة النيجيرية "روتينية"، تم استبدال رؤساء الأفرع الرئيسية للمؤسسة العسكرية النيجيرية (الجيش، البحرية، الجوية) ورئيس أركان الدفاع، حيث تم استبدال رئيس الأركان "كريستوفر موسى Christopher Musa" بالجنرال "أوبافيمي أوليدو"، ورئيس أركان الجيش "Taoreed Lagbaja" بالجنرال "وايدي شايبو W. Shaibu"، ورئيس أركان البحرية "إيمانويل أوجالا" بالأدميرال "إيدي عباس I. Abbas"، ورئيس أركان القوات الجوية "حسن أبو بكر" بالمارشال "س. ك. أنيكي S.K. Aneke". 

وعلى عكس خلفه الرئيس السابق "محمد بخاري" الذي مدّد خدمة رؤساء الأركان للمؤسسة العسكرية لحوالي ست سنوات، ولم يقدم على التغيير إلا بعد تجدّد هجوم مقاتلي "بوكو حرام" وفصائلها، وذلك بهدف ضخ دماء جديدة في الهيكل القيادي، وإرسال رسالة سياسية بأن الجيش مؤسسة وطنية لا تعكس تحيزات إثنية للشماليين، وهي المزاعم التي لا يمكن أن تخلو منها أي فترة رئاسية، خاصة إذا كان الحاكم ينحدر من الإقليم الشمالي.

الجيش النيجيري
الجيش النيجيري

ومنذ وصول "تينوبو" إلى السلطة في مايو 2023، والأخير منحدر من الإقليم الجنوبي، فقد سارع في يونيو إلى تعديل الهيكل القيادي، وهي خطوة يمكن فهمها في إطار تنظيم السلطة والهيكل القيادي والعسكري ليناسب النظام الجديد، لكن المثير للتساؤل هو: لماذا يقوم "تينوبو" بتغيير القيادات التي عيّنها من قبل؟

ثانيًا: نظام التجنيد والترقي والمحاولة الانقلابية

في الواقع، لا يمكن تفسير استبدال القيادات العليا في المؤسسة العسكرية النيجيرية بعيدًا عن الادعاءات بأن هناك محاولة انقلابية، وعلى إثرها تم القبض على 16 ضابطًا – وتذهب بعض التقديرات إلى 20 ضابطًا – والواقع أن "تينوبو" قد مدّد منصب رئيس الاستخبارات الدفاعية "إيمانويل أديني"، كما أن هناك بعض التسريبات التي ظهرت في وسائل الإعلام وتُبشّر بإجراء تغييرات جديدة في الفترة المقبلة. وهنا يمكن الإشارة إلى بعض التقارير التي ذكرت، وعلى لسان بعض المصادر العسكرية التي رفضت ذكر اسمها، أن الضباط المعتقلين ينحدرون من منطقة واحدة، وربما كانوا يمهّدون لشخصية واحدة قد تظهر في الأيام المقبلة.  

ويمكن القول إن فكرة المحاولة الانقلابية تعتبر بمثابة "تمرد المناطق الجيوسياسية" على واقع تقسيم المناصب السياسية والعسكرية، ففي السابق كان نظام التجنيد يتم احتسابه بنظام "الحصص" المحددة لكل ولاية، وبما أن الإقليم الشمالي كان يتمتع بعدد ولايات أكبر، فقد تم اتهام هذا النظام بالتحيز للأقاليم الشمالية، وبالتالي تم استبداله بنظام "الشخصية الفيدرالية" لكي يعكس التمثيل الجيوسياسي لمختلف مناطق الاتحاد الفيدرالي، ولضمان عدم استئثار الإقليم الشمالي بالمناصب المركزية. كما أن أساس عملية الترقي في المؤسسة العسكرية، المتوارث منذ الحقبة الاستعمارية، لا يزال ساريًا، إذ يعتمد على اختيار قيادات من إقليم محدد لتكون في القيادة (الجنوب الشرقي أو الغربي)، بينما يستأثر إقليم "شمال الوسط" بالقيادات الوسطى، فيما يتم تجنيد الجنود من الإقليم الشمالي، وبالتحديد من إثنية (الهاوسا الفولاني).

الجيش النيجيري
الجيش النيجيري

والواقع أن النخب السياسية والعسكرية من الإقليم الشمالي دائمًا ما كانت تسعى للسيطرة على المناصب القيادية، وإذا أحست هذه النخب بفقدانها السيطرة على السلطة وتحولها إلى أبناء أقاليم أخرى، فإنها تتحرك لإنقاذ نفسها، وقد يكون هذا التحرك عبر الانقلابات أو عبر دعم التمرد والعصابات الإجرامية. ويتضح هذا من خلال استعراض تاريخ الانقلابات العسكرية في نيجيريا – بعد الحصول على الاستقلال – التي غلب على تنفيذها ضباط من الشماليين. وبعد الانتقال إلى الحكم الديمقراطي وإعلان الجمهورية الرابعة، تجدد هذا التمرد ليأخذ شكل مجموعات إرهابية أو عصابات إجرامية. وهناك العديد من الدراسات التي أثبتت دعم بعض النخب السياسية لإرهابيي "بوكو حرام"، والممارسة العملية تفصح عن ذلك.

ما يعزز هذا الاتجاه هو أن معتقلي المحاولة الانقلابية الأخيرة من الشمال. فلا يمكن أن نغفل أن "بوكو حرام" ظهرت خلال فترة حكم "أوباسانجو" المسيحي المنحدر من الجنوب الشرقي، وتعاظم خطر "بوكو حرام" خلال فترة "جوناثان" أيضًا المسيحي المنحدر من "دلتا النيجر" وهي أيضًا من الإقليم الجنوبي الغربي، وربما خفّ خطر "بوكو حرام" خلال فترة "بخاري" المنحدر من الشمال. ومع استعادة الإقليم الجنوبي السلطة بوصول "بولا تينوبو"، تعاظمت بشكل كبير مختلف التهديدات الأمنية من إرهاب وعصابات جريمة وتمرد في الأقاليم الأخرى.

ثالثًا: التعيينات الأخيرة والموقف الأمني

وعلى الرغم من محاولة "تينوبو" الموازنة في تعيينات يونيو 2023 للتقليد المتبع في التجنيد واختيار القيادات، إلا أن الاستياء داخل قيادات الجيش قد تفاقم مع تردي الحالة الاقتصادية والأمنية في البلاد، إذ يمكن رصد المطالبات للجيش بضرورة التدخل لوقف الحالة المتدهورة في نيجيريا العام الماضي، وما عزز هذا الافتراض هو انتشار فرضية "عدوى الانقلابات" التي أصابت منطقة غرب إفريقيا وامتدت مؤخرًا إلى جنوبها "مدغشقر"، إذ وصل عدد الانقلابات التي حدثت منذ 2020 إلى حوالي تسعة انقلابات ناجحة.

لكن الاستبدالات الأخيرة لا تفصح عن احترام التقليد المتبع، بل تعكس انحيازًا للإقليم الجنوبي وولاياته المختلفة، خاصة ولاية "الجنوب الشرقي". إذ بمراجعة تاريخ القيادات التي اختارها "تينوبو"، نجد أن أغلبهم ينحدرون من الإقليم الجنوبي الشرقي (الجيش والجوية) (ولاية بينوي وكوجي)، بينما رئيس أركان البحرية من الشمال، ولاية "كانو"، ورئيس الاستخبارات الدفاعية من ولاية "دلتا النيجر" جنوب شرقي، في حين ينحدر رئيس أركان الدفاع من ولاية "إيكيتي" في الجنوب الغربي.

الرئيس النيجيري تينوبو
الرئيس النيجيري تينوبو

وعلى أي حال، حاول "تينوبو" أن يضخ دماء جديدة في هيكل القيادة العليا، ويرفع الروح المعنوية للجنود، خاصة وأن التاريخ العسكري لرئيسي أركان الدفاع والجيش مليء بالإنجازات التي حققت نتائج مرضية – ليست بالحاسمة – خلال العمليات المختلفة لمكافحة الإرهاب في الشمال الشرقي. كما أن اختيار رئيس أركان القوات الجوية من ولاية "كانو" في الشمال الغربي يعكس الحاجة إلى وجود قيادة على علم بطبيعة الديموغرافيا والجغرافيا في المنطقة التي تشهد تصاعد عصابات الجريمة المنظمة واللصوصية، والتي وضعتها نيجيريا مؤخرًا على قوائم المنظمات الإرهابية، وبالتالي مواجهتها عبر تنفيذ عمليات عسكرية ضدها.

ختاما:

وفي المجمل، فرغم أن الخطاب الرسمي يقدم التغييرات الأخيرة في قيادات الجيش النيجيري على أنها إجراءات إدارية أو إصلاحية، ورغم عدم الاعتراف بالمحاولة الانقلابية، فإن البعد السياسي والعسكري لهذه التعيينات لا يمكن تجاهله. فالتوزيع الجديد للمناصب العليا يعكس ميلًا واضحًا نحو موازين نفوذ إثنية وجيوسياسية داخل الاتحاد الفيدرالي. ومع تفاقم هشاشة الوضع الأمني وتزايد نشاط التنظيمات الإرهابية والعصابات المسلحة، تظل احتمالات التمرد أو حتى الانقلابات العسكرية واردة خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا وأن نيجيريا تقع في قلب إقليم يعاني اضطرابات مزمنة في غرب إفريقيا.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء