رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

البرلمان المصري من حلم الخديوي إلى ضمير الأمة.. تاريخ من الصمود رغم الاحتلال| تقرير

البرلمان المصرى
البرلمان المصرى

 في خضم التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، يبقى الحديث عن المؤسسات الدستورية العريقة حجر الزاوية في فهم المشهد السياسي لأي دولة. 

ويقف البرلمان المصري شامخاً كأحد أعرق المجالس النيابية على مستوى العالم، ليس لمجرد قدمه التاريخي، بل لدوره المحوري الذي خلّده التاريخ كحصن منيع في أحلك الظروف وأصعب الأزمات.

 إن المتتبع لمسار هذه المؤسسة التشريعية يروي قصة كفاح وطني عظيم، بدءاً من الحلم الإصلاحي للخديوي إسماعيل وصولاً إلى أن يصبح "ضمير الأمة النابض" في مواجهة المحتل، مما يؤكد أن الإرادة الشعبية لا يمكن أن تُمحى وإن تقلصت أدوارها مؤقتاً.

 البداية التاريخية.. "شورى النواب".. ميلاد الحياة النيابية في الشرق

كانت البداية مع رؤية الخديوي إسماعيل الطموح لجعل مصر "قطعة من أوروبا"، ففي عام 1866 دشن أول مجلس نيابي منتخب في البلاد، والذي أطلق عليه "مجلس شورى النواب". هذا المجلس لم يكن مجرد هيئة شكلية، بل كان النموذج الأول للحياة النيابية على مستوى الدول العربية.

تكوّن من 75 عضواً يمثلون كافة أقاليم الدولة.

تمتع بـشخصية مستقلة بعيدة عن سيطرة الخديوي والسرايا.

شهد نقاشات جادة حول قضايا حيوية مثل التعليم، الضرائب، والري.

بلغ فصله التشريعي ثلاث سنوات، وكان مقره في سراي الأزبكية.

 "النواب المصري" بسلطات واسعة

لم يقتصر دور مجلس شورى النواب على الاستشارة، بل كان انعكاساً حقيقياً للوعي الوطني المتصاعد، خاصة عقب الثورة العرابية. حيث أظهر النواب حرصاً لا يلين على الجيش والدستور. 

وتوّج هذا الوعي بإجراء انتخابات عام 1881 لمجلس أُطلق عليه اسم "مجلس النواب المصري"، والذي

تمتع بسلطات واسعة شملت حق استجواب الوزراء.

منح سلطة التشريع الكاملة.

امتد فصله التشريعي إلى خمس سنوات.

 انتكاسة الاحتلال وعودة الحلم (1882 - 1923)

مع فرض الاحتلال البريطاني على مصر، تعرض حلم المصريين لانتكاسة كبرى. حيث تم تقليص دور مجلس النواب وتحويله إلى هيئة استشارية ضعيفة، ما أدى إلى تدهور كبير في الحياة النيابية.

لكن شعلة الوعي الوطني لم تنطفئ، وعاد الحلم بقوة مع ثورة 1919 التاريخية، حيث هتف المصريون مطالبين بـ"الاستقلال والدستور"، وبزغ فجر عصر جديد بقيادة سعد زغلول زعيم الأمة.

 برلمان 1923 مدرسة الوطنية والدفاع عن الإرادة

تجسدت مطالب الثورة في صدور دستور 1923، الذي دشّن البرلمان المصري بنظام الغرفتين (مجلس الشيوخ والنواب)، لتصبح الحياة النيابية أقرب ما تكون إلى أعرق الديمقراطيات الأوروبية.

لقد تحول برلمان ما بعد الدستور إلى مدرسة حقيقية في الوطنية وخط الدفاع الأول عن إرادة المصريين، حيث كان:

ضمير الأمة النابض: المدافع الأول عن السيادة المصرية.

معقل المعارضة الأيقونية: رموز حزب الوفد (سعد زغلول، مكرم عبيد، عبد العزيز فهمي) قادوا معارك سياسية شرسة ضد المحتل والسرايا.

سيد قراره: حينما حاول الخديوي توفيق التدخل في شؤونه، جاء الرد التاريخي من الزعماء بأن "البرلمان سيد قراره".

صانع التشريعات الوطنية: ناقش ميزانية الدولة، رفض المعاهدات التي تنتقص السيادة، ونجح في صياغة قوانين هامة تتعلق بالحريات العامة والتعليم، بل وناقش قانون "الإصلاح الزراعي" الأول.

لقد كان نواب هذا البرلمان أقرب ما يكونون إلى المصريين البسطاء، يدافعون عن حقوقهم دون خوف أمام المحتل الغاشم وخذلان السرايا.

  ثورة 1952 وبداية عهد جديد

مع اندلاع ثورة 1952، بدأت مصر فصلاً سياسياً ونيابياً جديداً، يعبر عن الفكر الثوري ويصبح جزءاً أصيلاً من مؤسسات الدولة الجديدة، منهياً بذلك حقبة طويلة من الكفاح البرلماني تحت ظل الاحتلال البغيض.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء