بروفايل| مكرم عبيد رجل من مصر .. قبطي عاش ومات مسلمًا للوطن
لم تكن حياة الزعيم الوطني الراحل مكرم عبيد مجرد سيرة لحياة مخلص لقضيته، بل هي في جوهرها رحلة ملهمة لم تعرف اليأس يوماً، وظلت خالدة حتى وقتنا هذا كصورة نابضة حية لزعيم ونائب برلماني من طراز رفيع المستوى.
في سجل التاريخ السياسي المصري الحافل، يبرز اسم مكرم عبيد كأحد الأركان التي جسدت شعار "الهلال مع الصليب"، مقدماً أعمق معاني الوحدة الوطنية والإخلاص لمصر فوق أي اعتبار.
من نبوغ أوكسفورد إلى المنافي، ومن أقرب المقربين لسعد زغلول إلى كاتب "الكتاب الأسود"، تظل قصة مكرم عبيد درساً في الشجاعة والوطنية والمواجهة.
في هذا التقرير المفصل عبر «إيجبتكِ» نعرض السيرة والمسيرة لـ مكرم عبيد باشا أول سكرتير لحزب الوفد وصاحب أجرئ الاستجوابات في تاريخ الحياة النيابية المصرية، والمحامي الصعيدي الشهير والخطيب المفوه.
نبوغ مبكر وانخراط في الصف الوطني
ولد مكرم عبيد لعائلة قبطية مرموقة في محافظة قنا في الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1889.
تميز بذكاء خارق ونبوغ دراسي، حيث درس الحقوق في جامعة أكسفورد العريقة، وحصل على ما يعادل شهادة الدكتوراه عام 1912.
بعد عودته، بدأت مسيرته المهنية بتعيينه سكرتيراً لصحيفة الوقائع المصرية عام 1913م، ثم مدرسا في مدرسة الحقوق لمدة عامين.
من "ويليام" إلى "مكرم": في موقف يعكس ولاءه المطلق لمصر ورفضه للاحتلال، تخلى عن اسمه الأول "ويليام" ذا الأصول الإنجليزية واكتفى باسمه العربي "مكرم عبيد"، ليكون بذلك عدو الاحتلال الأول والعتيد.
عقيدة راسخة وولاء للمصريين: رغم تحول والده إلى المذهب البروتستانتي، أصر مكرم عبيد على البقاء أرثوذكسياً، المذهب الذي يعتنقه غالبية المصريين، مؤكداً على تقاربه الوجداني مع نسيج الأمة.
مكرم عبيد والوفد.. ابن سعد زغلول ورائد الكفاح
كان مكرم عبيد شخصية تفيض بالوطنية الخالصة، وقد بدأ نضاله بالعمل في الترجمة والدعاية ضد الاحتلال البريطاني. في عام 1919، انضم إلى حزب الوفد، وبفضل نشاطه وتفانيه، أصبح من أقرب الشخصيات إلى الزعيم سعد زغلول، الذي اعتبره "ابنه" على الرغم من اختلاف ديانته.
مقولة الوحدة الخالدة: هو صاحب العبارة التي باتت رمزاً للوحدة الوطنية:
"اللهم يا رب المسلمين والنصارى، اجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصاراً، واجعلنا نحن نصارى لك وللوطن مسلمين".
النفي والصداقة في رحاب الوطن
في أعقاب ثورة 1919 ونفْي الزعيم سعد زغلول، تصدّى مكرم عبيد لكتابة الخطب والمقالات المنددة بالنفي وبقاء المحتل.
نتيجة لذلك، صدر قرار بنفيه مع رفاق الكفاح، مصطفى النحاس، وفتح الله بركات، وعاطف بركات، وسينوت حنا. الذين شكلوا النواة الأولى للوفد المصري الذي تولى مهمة مناقشة القضية المصرية خارج الحدود.
في المنفى، توطدت الصداقة بين مكرم عبيد ومصطفى النحاس بشكل خاص، حتى أن النحاس قام برعايته بشكل كامل حين مرض بالملاريا.
خطيب البرلمان الأول
تعلم مكرم عبيد أصول الخطابة من عاطف بركات، وأتقنها لدرجة أنه كان يستعين بآيات القرآن الكريم في خطبه (على الرغم من بقائه أرثوذكسياً)، ليصبح أول قبطي يحصل على مقعد مجلس النواب عن دائرتي "شبرا" و"قنا" في الصعيد، بفضل شعبيته الجارفة وحب المصريين له.
صعود سياسي وتولي الحقائب الوزارية
بعد عودة الزعماء من المنفى، عُين مكرم عبيد وزيراً للمواصلات في حكومة النحاس عام 1928، واستمر في صعوده السياسي.
المناصب القيادية: عُيّن سكرتيراً عاماً لحزب الوفد عام 1935م.
وزير المالية والباشوية: عقب معاهدة 1936، منح مكرم عبيد لقب الباشوية وعُين وزيراً للمالية، كما كان عضواً أساسياً في الوزارات الثلاث التي تشكلت برئاسة أحمد ماهر والنقراشي عام 1946.
النهاية المأساوية لصداقة تاريخية
لم يمكن الحديث عن مكرم عبيد باشا دون التطرق إلى الزعيم التاريخي، مصطفى باشا النحاس، أشهر رئيس وزراء في مصر وصاحب البطولات الوطنية الخالدة.
تَشكَّل الوفد المصري عام 1918، وسرعان ما ضخّ الزعيم سعد زغلول دماءً جديدة في صفوفه بإضافة مصطفى النحاس، الذي كان قد شارف على الأربعين من عمره آنذاك.
وقد عُيِّن النحاس باشا سكرتيراً عاماً للوفد، وهو المنصب الذي شكّل نقطة التحول الأهم في حياته السياسية والوطنية، ومهّد لتصعيد دوره في الحركة الوطنية المصرية.
شهدت العلاقة التاريخية بين مكرم عبيد ومصطفى النحاس انهياراً مؤسفاً، خاصة بعد ارتباط النحاس بالسيدة زينب الوكيل، وما تبع ذلك من سعي لتدمير هذه الصداقة، بدعم من فؤاد سراج الدين (الذي كان مكرم عبيد قد قدمه للنحاس)،
بصفته وزيراً للمالية ومشرفاً على وزارة التموين، أصبح مكرم عبيد شاهداً على الفساد والمحسوبية وإهدار المال العام في الحكومة الوفدية، وهو ما أكده السفير البريطاني بالقاهرة مايلز لامبسون في خطاباته.
"الكتاب الأسود في العهد الأسود"
قام مكرم عبيد بتجميع كافة المخالفات في مذكرة لعرضها على الملك فاروق، وعندما رفض النحاس عرضها على النائب العام، قدمها عبيد في شكل استجواب برلماني أحدث زلزالاً تحت قبة البرلمان.
الفصل والاعتقال
انتهى المشهد المأساوي بفصل النائب مكرم عبيد من المجلس، وأمر النحاس (بصفته الحاكم العسكري) باعتقاله، ليصبح مكرم عبيد أول نائب يُفصل من البرلمان في مشهد حزين لتحول الصداقة لعداء سياسي.
الكتلة الوفدية وإرث مكرم عبيد
في عام 1943، وبعد انشقاقه عن حزب الوفد، أصدر مكرم عبيد "الكتاب الأسود في العهد الأسود"، الذي كشف فيه تفصيلياً وقائع الفساد والمحسوبية وإهدار المال العام داخل الحكومة وحزب الوفد.
و في العام نفسه، أسس مكرم عبيد "الكتلة الوفدية" التي تحالفت مع حزب السعديين المنشقين عن الوفد اعتراضاً على سياسات النحاس.
الوفاة والإرث
توفي مكرم عبيد في 5 يونيو عام 1961، تاركاً وراءه قصة كفاح وطني وكلمات خالدة، منها مقولته المأثورة: "إن مصر ليست وطناً نعيش فيه بل وطناً يعيش فينا".
لقد كان مكرم عبيد رمزاً حقيقياً لـ "مصر للمصريين" بلا تفرقة أو تمييز.



