بوكو حرام بين النص والسلاح.. أيديولوجيا تبرر الفوضى
على مدار عقود، تطوّرت في الشمال الشرقي النيجيري مجموعات محلية متمردة، وفي كل مرة يتطور تمرد إثنيات مهمشة ومناطق تعاني من تراجع التنمية وانتشار الفقر والبطالة. في البداية جاء تمرد "مايتاسين" وزعيمها محمد مروي، وذلك خلال ثمانينيات القرن الماضي. وقد تطورت حالة التمرد مرة أخرى خلال التسعينيات، وبعد أحداث 11 سبتمبر بزغت جماعة "طالبان نيجيريا" أو "بوكو حرام" التي ظهرت في نيجيريا، وزعيمها محمد علي، وقد كانت الأخيرة بمثابة "المجموعة الجنينية" لأشرس تنظيم إرهابي في العالم، والذي وضع نيجيريا على قائمة الدول الأكثر تأثراً بالإرهاب عام 2014. وعلى الرغم من الجهود الحكومية والدعم الدولي، فلا تزال "بوكو حرام" تشكل تهديدًا أمنيًا. ويتتبع هذا التقرير تاريخ الجماعة وتطورها، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: مجموعة "مايتاسين" والتمرد في الشمال الشرقي
خلال فترة الثمانينيات، وأثناء الحكم العسكري للرئيس "بخاري"، وذلك بعد انقلاب الأخير على الحكومة المدنية، تصاعد تمرد حركة "مايتاسين" بزعامة "محمد مروي". والأخير من أبناء إثنية الكانوري التي تقطن منطقة حوض بحيرة تشاد وأطرافها، ولها امتدادات في دول الجوار مثل الكاميرون وتشاد والنيجر.
دعي محمد مروي، لتطبيق مفاهيم فكرية أيديولوجية تعارض الإسلام الوسطي، وترفض النسخة الإسلامية في نيجيريا التي يعتبرها مغايرة لما يدعو إليه السلف، واستطاعت الحكومة قمع التمرد وتم قتل "مروي" ومجموعة من تابعيه. ومن المفارقات التي تحدث عنها الباحث "جاكوب زين" وكشفها في أحد كتبه عن "بوكو حرام" أن أبا "محمد يوسف"، الزعيم المستقبلي لـ"بوكو حرام"، كان من أتباع "محمد مروي" وكان ينتمي لحركة "مايتاسين"، وقد توفي في خلال مواجهة الحركة، وهنا يمكن الحديث عن جانب من دوافع "محمد يوسف" لرفض النسخة التقليدية من الإسلام السائد في نيجيريا.

ثانيًا: تمرد بوكو حرام منذ عام 200
ظهرت "جماعة بوكو حرام" لأول مرة في الشمال الشرقي من نيجيريا، وفي مدينة "مايدوغوري" عاصمة ولاية "بورنو"، بدأ "محمد يوسف" نشاطه، في البداية دخل "يوسف" في تحالف مع حاكم الولاية "علي مدو شريف"، ويمكن تفهم ذلك في إطار المصلحة المتبادلة بين الطرفين؛ فمن جهة يضمن "مدو شريف" أصوات "يوسف" وجماعته، ومن جهة أخرى يضمن "يوسف" غطاءً شرعيًا لأنشطة جماعته. وفعلًا استطاع الداعية الشاب أن يجذب المزيد من التابعين والمتعاطفين، كما أن حاكم الولاية قد وصل إلى مبتغاه.
في هذه المرحلة، كان وجود الجماعة طبيعيًا وشرعيًا، بل إن المؤسسة الدينية التقليدية كانت متماهية مع أنشطة الجماعة. في هذه الفترة كانت جماعة يوسف تُعرف باسمه "اليوسفية"، أما "بوكو حرام" فهو اللفظ الشعبي والإعلامي الذي أطلقه العامة ووسائل الإعلام على الجماعة، ويعني الاسم باللغة الهاوساوية "التعليم الغربي حرام". والمفارقة أن الجماعة في بيانها عبر متحدث ظهر عام 2011 رفضت هذا الاسم وأعلنت أن اسم الجماعة هو "أهل السنة للدعوة والجهاد".
يعبر اسم "بوكو حرام" عن رفض الجماعة لكل مظاهر الحضارة الغربية وأبرزها التعليم الغربي، والديمقراطية، والنظام الحاكم في نيجيريا. وفي مرحلة أخرى ستتحول الجماعة من تنظيم محلي "متمرد" إلى جماعة لها ارتباطات بتنظيمات الإرهاب الدولي. ويمكن اعتبار حادثة قتل "محمد يوسف" واعتقال عدد كبير من أعضاء الجماعة النقطة الفاصلة في تاريخ أشرس تنظيم إرهابي، تم تصنيفه من قبل معهد السلام والاقتصاد الدولي. وقد ظل هذا الوصم ملازمًا لكل أعضاء ومتعاطفي الجماعة، لدرجة أن التائبين أو حتى المقاتلين المنشقين لم يستجيبوا بشكل ناجح لبرامج نزع التطرف وإعادة الإدماج في المجتمعات المحلية.

ثالثًا: أيديولوجية الجماعة وتكتيكاتها
في البداية كان "محمد يوسف" منتميًا للجماعات الأصولية التي تنتشر في الشمال الشرقي النيجيري مثل حركة "الإخوان المسلمين" وزعيمها "إبراهيم الزكزكي"، ولكن بعد أن أعلن الأخير تشيّعه انفصل عنها، ثم ارتبط بحركة "إزالة البدعة"، وبعد ذلك ورث "محمد يوسف" مجموعة "بابا لاوان" ومجموعة "محمد علي"، ليؤسس جماعته التي عُرفت بـ"طالبان نيجيريا" أو "اليوسفية".
في البداية كان متماهيًا مع الحركة السلفية السائدة في نيجيريا، لكن بعد ذلك اصطدم بجميع التيارات السلفية والصوفية. هنا يمكن الحديث عن تطرف جماعة "محمد يوسف"، إذ اتهم هذه التيارات بعدم المصداقية وبدأ يدعو لإقامة لمفاهيم فكرية منحرفة متسقة مع التوجه السلفي الوهابي، وفي مرحلة تولي "أبو بكر الشكوي" القيادة أعلنت الجماعة حمل السلاح ضد الدولة النيجيرية، واستهدفت مختلف مكونات الطبقة السياسية والعسكرية والمدنيين، وتحوّلت إلى تنظيم إرهابي متطرفة له ارتباطات بجماعات القاعدة وداعش.
في الواقع تبنت "بوكو حرام" استراتيجيتين (هجومية ودفاعية). وتهدف طريقتهم الهجومية إلى هزيمة أو تدمير أو تحييد سلطة الدولة النيجيرية، بينما دفاعيًا يعتمدون على أساليب "حرب العصابات" المتمثلة في الضرب والاختباء والتجنب والحماية والخداع للحفاظ على قواتهم وحملاتهم. وتستخدم "بوكو حرام" أعدادًا كبيرة من البنادق والقذائف الصاروخية والهاون والعبوات الناسفة، بما في ذلك العبوات الناسفة المحمولة على السيارات (VBIEDs) في أنشطتها. وتحتفظ المجموعة بعدد غير معروف من الدبابات وناقلات الجند المدرعة، وبعضها يمتلك القدرة المضادة للطائرات، فضلاً عن الاستخدامات الحديثة للطائرات بدون طيار في قيادة عملياتها الهجومية والدفاعية.
رابعًا: انشطار التنظيم إلى فصائل متنافرة
في عام 2011 عادت الجماعة مرة أخرى إلى المشهد السياسي وأعلنت عن نفسها من خلال التفجيرات الانتحارية والسيارات المفخخة، سواء لمراكز الشرطة أو الكنائس أو حتى تفجير مركز الأمم المتحدة في العاصمة "أبوجا". ومن ثم أعلنت الجماعة عن نفسها بأنها "جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد"، وأنهم يرفضون كل مظاهر الدولة الحديثة والحضارة الغربية، ويرفضون الديمقراطية ويدعون لإقامة حكم إسلامي في نيجيريا.

وعلى هذا الأساس بدأت التجنيد والتعبئة، كما استفادت من الدعم المقدم من التنظيمات المرتبطة بتنظيم "القاعدة" في بلاد المغرب العربي، سواء كان هذا الدعم فنيًا أو إمدادًا لوجستيًا بالسلاح والمقاتلين، حتى أصبحت الحالة الأمنية مهترئة، وأُعلنت حالة الطوارئ في يوليو 2013 في ولايات الشمال الشرقي بنيجيريا.
تولى القيادة "أبو بكر الشكوي" – وقد كان سابقًا ضمن مجموعة "محمد علي" التي قضت عليها الحكومة عام 2003 – والشكوي من التيار المتطرف (الصقور) الذي لا يتورع عن ارتكاب الجرائم ضد المدنيين طالما أنهم لا يخضعون لسلطته، كما لم يكن يتورع عن قتل المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم شأنهم شأن غير المسلمين طالما أنهم لا يؤمنون بدعوته أو لا يدعمون تنظيمه.
والواقع أن حكومة الرئيس "جودلاك جوناثان" حاولت فتح قنوات تواصل مع التنظيم، لكن "الشكوي" رفض هذه المحاولات، ومن ثم انخرطت نيجيريا في الحرب العالمية ضد الإرهاب، واستمر الدعم لتنظيم "بوكو حرام" من التنظيمات التابعة للقاعدة في دول الساحل. ولقد كان "مامان نور" و"أبو مصعب البرناوي" من الرافضين لسياسات "الشكوي"، كما أنهم كانوا من القادة الذين أرسلوا رسالة لتنظيم القاعدة يشتكون فيها من ممارسات الشكوي. وفي مرحلة متقدمة من عام 2015 سيقوم "الشكوي" بإعطاء البيعة لـ"أبو بكر البغدادي"، ومن ثم تصبح "بوكو حرام" نواة تنظيم الدولة في إفريقيا.
خامسًا: بوكو حرام التهديد الأمني الأخطر
أسفرت أنشطة بوكو حرام عن مقتل ما يقرب من 20.000 إلى 30.000 شخص وتشريد أكثر من 2.3 مليون شخص من منازلهم. وقد استولت الجماعة على مساحات شاسعة من الأراضي في شمال شرق نيجيريا خلال فترة إعلان الخلافة (2013–2015)، بما في ذلك المدن الكبرى مثل "مايدوغوري" و"موبي" و"جوزا".
بشكل عام، تأثر ما يُقدر بنحو 15 مليون شخص بشكل كبير بجماعة "بوكو حرام" وبأنشطة التمرد والجهود العسكرية لمكافحة التمرد. ويواصل مقاتلو "بوكو حرام" وفصائلها مهاجمة وقتل المدنيين في القرى والبلدات، واختطاف الآلاف من الناس، والزواج القسري من النساء والفتيات، والقيام بهجمات إرهابية جماعية ضد المساجد والأسواق والممتلكات الحكومية ومخيمات النازحين داخليًا.
وعلى الرغم من أن الحكومة النيجيرية قد طورت استراتيجيتها لمكافحة إرهاب "بوكو حرام" وفصائلها، فإن هذا الأمر يبدو غير كافٍ. فقد طبقت المؤسسة العسكرية نهجًا دفاعيًا وهجوميًا، تمثل الدفاع في إقامة دوريات ونقاط تفتيش، لكن هذا النهج كان هدفًا لأفراد الجماعة. وعبر شن عمليات عسكرية على معاقل الجماعة في حوض "بحيرة تشاد" وجبال "ماندارا" وغابات "سامبيسا"، استطاعت المؤسسة العسكرية تحقيق نجاحات. لكن منذ منتصف عام 2019، فقد طُبقت استراتيجية "المعسكرات الحامية" أو "المدن الحامية"، التي انسحب الجيش بموجبها من المناطق والقرى النائية إلى داخل معسكرات كبيرة محمية، غير أن "بوكو حرام" وفصائلها استطاعت استهداف هذه المعسكرات.
وقد نشط فصيل "ولاية غرب إفريقيا" في هذا النهج، معلنًا عن تطبيق استراتيجية "المعسكرات الحارقة"، وهي ببساطة شن هجمات على هذه المعسكرات وإيذاء المدنيين والعسكريين وسرقة الأسلحة والمعدات.
وأخيرًا، فإن استمرار تهميش الإثنيات ووجود خلل في توزيع الثروة والسلطة يحفز استمرار تصاعد حالة التمرد على الأوضاع. وسواء كان هذا التمرد بخلفية أيديولوجية أو إجرامية، فلا تزال "بوكو حرام" تمثل تهديدًا أمنياً يتفاقم يومًا بعد يوم، في ظل عدم الاستقرار في نيجيريا، وتصاعد التهديدات الأخرى مثل خطر العصابات الإجرامية، والصراعات بين المزارعين والرعاة، والتوترات بين المسلمين والمسيحيين والإثنيات المختلفة، واعتداءات رعاة الفولاني، وهو ما يستدعي إجراء تغيير على مستوى الاستراتيجية والتكتيك لمواجهة التهديدات الإرهابية.



