معضلة الحسم العسكري: تحديات الجيش النيجيري في مكافحة الإرهاب
تُعدّ عمليات مكافحة الإرهاب إحدى التحديات الأمنية التي تواجه الدول الحديثة، وتتضمن أنشطة عديدة من بينها نشر القوات المسلحة، وتجميع المعلومات الاستخباراتية، والحروب النفسية، وحماية المدنيين وإعادة تأهيلهم. وتتطلب هذه الأنشطة تحقيق الأهداف العسكرية والحفاظ على القيم الإنسانية. ورغم ما تحققه القوات النيجيرية من نجاحات تكتيكية ملموسة في الحد من قدرات التنظيم، إلا أن تكرار الحوادث التي تستهدف المدنيين عن طريق الخطأ يشكّل تهديدًا خطيرًا للدعم المحلي الضروري لاستمرار هذه العمليات.
أولًا: ما هي عمليات مكافحة الإرهاب؟ وما أهدافها؟
يقصد بها الممارسات والتكتيكات والأساليب والاستراتيجيات التي تتبناها الحكومات لمواجهة التهديدات، وتشير أيضًا إلى العمليات الهجومية التي تهدف إلى منع الإرهاب وردعه واستباقه والتصدي له. وفي نيجيريا، تعني سلسلة العمليات العسكرية والأمنية التي تهدف لتحييد الخطر الإرهابي الذي تمثله جماعة "بوكو حرام"، وإضعاف قدرتها والقضاء عليها.

وتتضمن عمليات مكافحة الإرهاب العمليات العسكرية بما في ذلك نشر القوات المسلحة لمواجهة "بوكو حرام"، وتفكيك بنيتهم التحتية، وجمع المعلومات الاستخباراتية حول أنشطة التنظيم الإرهابي وقيادته وقواعده العملياتية، وتعزيز التعاون الإقليمي وأمن الحدود، إذ إن التنظيم ينشط داخل حدود الدول المجاورة، وبالتالي تتعاون الدول المتضررة في تدابير أمن الحدود لرصد ومنع انتشار الخطر الإرهابي ومنع تهريب الأسلحة الصغيرة. كما أن حماية المدنيين وإعادة تأهيلهم تعد جانبًا مهمًا في عمليات مكافحة الإرهاب، وتشكل تلبية احتياجات ضحايا الإرهاب عنصرًا أساسيًا في العمليات طويلة الأمد.
كما تتضمن عمليات مكافحة الإرهاب جانبًا يتعلق بالعمليات النفسية، والتي تستهدف منع الأفراد المحليين من الانجرار وراء دعايات التنظيم ومواجهة جهود التجنيد. هذا بالإضافة إلى الدعم الدولي الذي يمكن أن يُقدّم للدولة التي تواجه تنظيمًا إرهابيًا عالميًا عبر مساعدات لقطاع الأمن والدفاع لتعزيز وبناء قدرات الدول المتضررة.
من المهم الإشارة إلى أن عمليات مكافحة الإرهاب معقدة ولها آثار إنسانية وسياسية واجتماعية تتطلب تنسيق الجهود في هذه الاتجاهات. وبينما يتمثل الهدف النهائي في تحييد التهديد الذي تشكله الجماعات الإرهابية، فإن اتباع نهج شامل يعالج الأسباب الجذرية للأزمة ويعزز الاستقرار ويصون حقوق الإنسان أمر ضروري لتحقيق سلام مستدام.

ثانيًا: تمرد أم إرهاب؟
يعرف الإرهاب بأنه استخدام مُتعمد للعنف أو التهديد باستخدامه من قبل فاعلين غير حكوميين لأهداف سياسية أو دينية أو أيديولوجية، يهدف إلى إثارة الخوف بين السكان المدنيين أو التأثير على سياسات الدولة أو تقويض سلطة الحكم، وذلك غالبًا بوسائل غير نظامية مثل التفجيرات، والاختطاف، وأعمال الاغتيال، وتدمير البنية التحتية، أو ضرب القدرة الأمنية للدولة. ويتضمن أيضًا الطبيعة الانتقالية بين الأدوار المدنية والعسكرية في الصراع، ويُنظر إليه على أنه يتجاوز حدود الأعمال الجنائية العادية لكونه يرتبط بالأمن الوطني وشرعية الدولة.
أما التمرد فهو صراع عنيف ممتد، تسعى من خلاله مجموعة أو أكثر إلى الإطاحة بالنظام السياسي أو تغييره جذريًا في الدولة أو الإقليم، باستخدام العنف المستمر، والتخريب، والاضطراب الاجتماعي، والعمل السياسي.
وعلى الرغم من التداخل بين مفهومي التمرد والإرهاب، فإن هناك فروقًا جوهرية بينهما. فالتمرد يمثل حركة منظمة ذات طابع سياسي أو اجتماعي، تستهدف السيطرة على الأرض والسكان أو إسقاط النظام القائم، وتلجأ عادةً إلى حروب العصابات والسيطرة الميدانية. أما الإرهاب فهو تكتيك أو وسيلة يستخدمها فاعلون غير حكوميين لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية عبر بث الرعب والخوف في المجتمع أو الضغط على الحكومة، دون أن يعني ذلك بالضرورة امتلاك سيطرة إقليمية.

وتحدث حروب التمرد عندما تحاول قوة أقل شأنًا تقويض سلطة الدولة باستخدام تكتيكات حرب العصابات والإرهاب غالبًا. وقد كانت الحروب التي تشارك فيها جيوش منظمة وقوات غير نظامية عاملًا ثابتًا في تاريخ الحروب، ويبدو خوضها أصعب من أي وقت مضى. وفي الحالة النيجيرية، تجسد حركة "بوكو حرام" هذا التداخل، حيث جمعت بين طبيعة التمرد في سعيها للسيطرة على الشمال الشرقي، واستخدام الإرهاب كتكتيك لإرهاب الدولة والمجتمع.
ثالثًا: هل يمكن أن تفقد الجيوش دعم المجتمعات المحلية؟
بشكل عام، فإن الهدف النهائي من العمليات هو تحييد والقضاء على الخطر الإرهابي، وهذا يعني نشر القوات المسلحة. وبما أن هذه الحرب غير تقليدية، فخسائرها تكون أيضًا غير تقليدية. هنا يمكن الحديث عن تأثير العمليات العسكرية على المدنيين، خاصة إذا كانت هذه القوات لا تعرف الطبيعة الجغرافية والديمغرافية للمنطقة. ويزيد الأمر تعقيدًا إذا كانت الأجهزة المنخرطة في عمليات مكافحة الإرهاب لا تمتلك قاعدة معلومات استخباراتية، وهي العنصر الأساسي لفك لغز التنظيم الإرهابي.
وبما أنها حروب غير تقليدية، فهي تستهدف عدوًا غير تقليدي بمنظومة سلاح غير تقليدية، ومن هنا يمكن الحديث عن الانتهاكات التي يمكن أن تتورط فيها الجيوش إذا استخدمت الأسلحة التقليدية، أو حتى في التشخيص الخاطئ للمدنيين. ومع تكرار هذه الأحداث، يمكن أن تفقد الجيوش دعم المجتمعات المحلية، ويفاقم ذلك التأثير السلبي لعمليات مكافحة الإرهاب، كما يمثل دافعًا لبعض المجتمعات لتبرير انتمائهم للتنظيم الإرهابي.

وفي نيجيريا، يمكن رصد بعض الأحداث التي تورط فيها الجيش النيجيري في استهداف مدنيين غير محسوبين على جماعة "بوكو حرام". ففي يونيو 2017، قصفت طائرة تابعة للقوات الجوية النيجيرية مخيمًا للنازحين اعتقدت أنه هدف إرهابي، وقدر عدد القتلى بعشرات القتلى والمصابين وإيقاع خسائر في العاملين الإنسانيين. وفي ديسمبر 2023، شنت اوات الجوية غارات في ولاية "كادونا" على تجمع ديني (الاحتفال بالمولد النبوي الشريف) بسبب تشخيص خاطئ، وقدرت التقارير عشرات القتلى وإصابات كثيرة. ويمكن القول إن هذه الأحداث تشير إلى نمط متكرر من العمليات التي تم شنها بناءً على معلومات استخباراتية غير دقيقة. وتشير بعض التقديرات للمنظمات الحقوقية إلى أن الضحايا منذ عام 2017 يصلون إلى 400 قتيل وعشرات الإصابات.
إجمالًا، فإن الجيوش الوطنية في سعيها لمواجهة تهديدات الإرهاب وغيرها من التهديدات الناشئة يمكن أن تقع في معضلة تحقيق الأمن وتحييد الإرهابيين، وما بين وقوع انتهاكات يمكن أن تفقد ثقة ودعم المجتمعات المحلية. وهو ما تكشفه التجربة النيجيرية في مكافحة الإرهاب عن معضلة مزدوجة تجمع بين الحاجة إلى الحسم العسكري وضرورة الالتزام بمعايير حقوق الإنسان.
ولكي تتجنب الجيوش هذه المعضلة، عليها تحسين القدرات في مهام جمع المعلومات الاستخباراتية والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة. وفي سبيل شرعنة مهامها والفوز بمعركة "العقول والقلوب"، لا بد من الشفافية، والتحقيق في الانتهاكات، وتعزيز الاستخبارات المحلية، كمسارات ضرورية لضمان ألا يتحوّل "النجاح التكتيكي" إلى فشل استراتيجي في كسب القلوب والعقول. فلا يُقاس نجاح الجيوش بعدد المعارك التي تكسبها، بل بقدرتها على حماية المدنيين والحفاظ على ثقة المجتمعات التي تعمل داخلها.



