النفط المسروق في نيجيريا: كابوس يهدد الاقتصاد الوطني
على الرغم من تقلدها مراتب متقدمة في إنتاج النفط بإفريقيا، فإن نيجيريا تعاني من ظاهرة "سرقة وتخزين النفط"، وما يُطلق عليه محليًا "التزود غير الشرعي بالوقود"، وهو ما تسبب في خسارتها حوالي 410 ملايين دولار خلال شهر مايو 2024. وتتمتع نيجيريا باحتياطيات نفطية تُقدَّر بحوالي 37 مليار برميل، بترتيب 15 عالميًا، وبحصة إنتاج تصل إلى 1.6 مليون برميل يوميًا، وتشغل الترتيب العاشر عالميًا في مخزونات النفط والغاز الطبيعي، وتُسهم في إنتاج ما مجموعه 2.25% من الإنتاج العالمي.
وقد تحولت نيجيريا إلى استيراد المشتقات النفطية مثل البنزين والكيروسين والديزل، كما عانت لفترات طويلة من ارتفاع أسعار النفط المحلية، فضلًا عن عدة أزمات واضطرابات على خلفية قرارات رفع الدعم عن الوقود. والواقع أن ظاهرة "تخزين النفط" أو "سرقة النفط" أو "التزود غير الشرعي بالوقود" في بلد يُعتبر عملاق النفط الإفريقي، تعدّ من الظواهر المنتشرة التي عدَّها البعض سرقة منظمة تشترك فيها جهات متعددة بدءًا من العاملين في تلك الشركات ومسؤولي الأمن والعناصر التي تقوم بالنشاط نفسه، والأفراد الذين يقومون بتعبئة النفط المسروق وتكريره محليًا ثم تعبئته في ناقلات وبيعه سواء في السوق المحلي أو تصديره خارج البلاد أو بيعه في الجوار النيجيري. وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن النفط يُسرق على مستوى صناعي ومؤسسي.

يناقش هذا التحليل أسباب ظاهرة سرقة وتخزين النفط، وأنواعها المختلفة وتداعياتها على الاقتصاد والمجتمع النيجيري.
أولًا: أسباب التزود غير الشرعي بالوقود
تتركز مناطق إنتاج النفط في منطقة دلتا النيجر وفي ولايات الجنوب الشرقي، وتُعد هذه المنطقة موطنًا لمجموعات عرقية متنوعة يمكن أن تصل إلى 140 مجموعة عرقية منتشرة في الولايات التسع للمنطقة، إلا أن النفط يتركز في مناطق مجموعات الإيجوني والإيجاو والإيكستيري وغيرها من المجموعات الأخرى الأصغر، وهي المجموعات التي عانت لفترات طويلة سواء من اضطهاد المجموعات الإثنية الكبرى في الجنوب الشرقي مثل الإيجبو أو اليوربا، أو من التهميش السياسي من جانب الشمال ومجموعات الهاوسا على المستوى الفيدرالي.
وتعود ظاهرة "سرقة النفط في نيجيريا" إلى عدة أسباب، منها ما هو متعلق بفشل الدولة نفسها في أداء وظائفها ونظام الفيدرالية المالية وطريقة توزيع الموارد، ومنها ما هو مرتبط بقضايا تخص المجتمعات المحلية والتهميش المتعدد الأبعاد ضد مجتمعات الأقليات الإثنية الموجودة في منطقة دلتا النيجر، ومنها ما هو متعلق بطبيعة الاقتصاد النيجيري الريعي، أو بطبيعة المسؤولية الاجتماعية والاقتصادية للشركات المسؤولة عن التنقيب عن النفط، وذلك على النحو التالي:
(أ) الصراع حول اقتسام الموارد الفيدرالية
على الرغم من أن منطقة دلتا النيجر تنتج حوالي 90% من إنتاج النفط النيجيري ويساهم القطاع النفطي بنسبة 89% من حصة الصادرات النيجيرية، فإن هذه المنطقة ومجتمعاتها المحلية سواء من المجموعات الإثنية المنتشرة هناك مثل الإيجاو أو الأوجوني تعاني من التهميش السياسي والاقتصادي. والواقع أن مطالب المجموعات المحلية دارت حول ثلاثة مطالب أساسية: السيطرة على الموارد الاقتصادية، تحقيق حكم ذاتي في إطار الاتحاد النيجيري، وتحقيق عدالة بيئية.

وهي المطالب التي رفعها زعماء حركات الدفاع عن حقوق أقليات الإيجوني أو الإيجاو، إذ نجد أن المخصصات المالية التي كانت تتمتع بها تلك المنطقة منذ اكتشاف النفط وخلال إعلان الجمهورية الأولى بعد الاستقلال كانت 50%، ثم تقلصت تلك النسبة لتصل إلى 13% بالإضافة إلى 10% من إجمالي المخصصات الفيدرالية، أي أنها تقلصت من 50% إلى 23%. وبالطبع ينظر أعضاء المجتمع المحلي إلى تلك النسبة على أنها ضئيلة ولا تلبي احتياجاتهم الأساسية أو تساهم في القضاء على مشاكل الفقر والبطالة والأمية، أو حتى توفير سبل العيش الكريم. أضف إلى ذلك مطالبة الأقليات بممارسة فيدرالية حقيقية ضمن إطار الاتحاد النيجيري.
(ب) الاقتصاد النيجيري وطبيعته الريعية
يعود جزء من إشكالية منطقة دلتا النيجر واستمرار قيام حركات مسلحة فيها إلى طبيعة وهيكل الاقتصاد النيجيري المعتمد أساسًا على تصدير النفط المستخرج من أراضيهم. وتعاني غالبية الدول الريعية من إشكاليات هيكلية في اقتصادها، خاصة وأنها تعتمد في تحقيق الإيرادات والدخل الكلي على العملة الأجنبية ومن الخارج، أي أن جوهر اهتمامها يكون لتلبية مطالب الشركات متعددة الجنسيات التي تعمل على التنقيب واستخراج النفط.
وفي سعيها لإبرام تلك الاتفاقيات المسؤولة عن توليد الإيرادات، تعمل الدولة على إهمال المجتمعات المحلية، بل إن صانع القرار يهمل القطاعات الأساسية في الاقتصاد مثل تطوير القطاع الزراعي والقطاع الصناعي، وهو ما يؤثر على مستوى دخل الفرد. وعلى أي حال، تحاول السلطات الفيدرالية والشركات النفطية متعددة الجنسيات استغلال موارد تلك المناطق بغض النظر عن التكلفة التي يتكبدها أعضاء المجتمع المحلي.

(ج) ثنائية جرائم الدولة والشركات متعددة الجنسيات
وهي الجرائم التي يمكن أن تحدث بسبب تحالف الدولة المضيفة لاستثمارات الشركات متعددة الجنسيات، وهنا يتم التركيز على سلوك الدولة في التعامل مع التهديدات التي تواجه شركات التنقيب عن النفط. يمكن أن يشمل ذلك تحريض الشركات لمسؤولي الحكومة على قمع التهديدات أو التظاهرات أو الاحتجاجات المتوقعة، وهو ما ينتج عنه في النهاية قتل واعتقال وتشريد لأعضاء المجتمع المحلي الرافضين لنشاط الشركة والمتضررين من عملها. ويُحاج هذا التحليل بأن تحالف الدولة والشركة يدفع الأولى لتذليل العقبات أمام الأخيرة وبأي ثمن، لاستئناف النشاط وتوليد الأرباح.
(د) فساد النخب وانتشار البلطجة
وعلى الرغم من أن هذه المناطق أو الولايات تعتمد على مواردها الاقتصادية من الاتحاد النيجيري، يمكن ملاحظة نسب الفساد العالية في النخب المحلية التي تحاول الاستئثار بهذه الأموال. ومن ثم يمكن رؤية مظاهر الثراء على الحكام المحليين ومؤيديهم، أو شراء ذمم بعض المجموعات المسلحة التي يمكن أن تعمل كـ"قاتل بالأجر". ومضمون هذه الظاهرة هو تعهد أحد الحكام المحليين باجتذاب المجموعات المسلحة لاستخدامها في تهديد المعارضين أو تخويف المجتمعات المحلية للتصويت لهم في الانتخابات، وبعد انقضاء هذه المهمة من المرجح أن تنقلب هذه المجموعة على داعمها السابق.
(هـ) زيادة نسبة الفقر وارتفاع معدلات البطالة
وفقًا لساعة الفقر العالمي، فإن نيجيريا تُعتبر الأولى عالميًا في معدل الفقر بعدد سكان يصل إلى 70 مليون مواطن تحت خط الفقر، ويمثلون 33% من إجمالي عدد السكان. نسبة الفقر في نيجيريا تبلغ حوالي 40%، وعادة ما يصاحب نسب الفقر العالية ارتفاع في معدلات البطالة. ويساهم ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب وضعف تقديم الخدمات الأساسية للمجتمعات المحلية البعيدة والنائية عن سيطرة الحكومة في دفع أعضاء هذا المجتمع إلى البحث عن سبل عيشهم، حتى لو كان ذلك بطرق غير شرعية.

وفعليًا، فقد تسببت أنشطة التنقيب واستخراج النفط في تضرر البيئة سواء للأراضي الزراعية أو لتلوث الأنهار والبحار أو الهواء، وهي نسب تلوث أثرت على صحة المجتمعات المضيفة ومعدلات أعمارهم، فضلًا عن انتشار الأمراض المتعلقة بالجهازين التنفسي والهضمي.
إجمالًا، فإن ظاهرة "تخزين الوقود" أو سرقته أو "التزود غير الشرعي بالوقود" يمكن اعتبارها ضمن أنشطة الجريمة المنظمة التي تُدار من أطراف محلية وحكومية فاسدة وخارجية أيضًا. وعلى الرغم من محاولات الدولة النيجيرية مواجهتها، فإنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الإجراءات والسياسات التي تتعامل مع أصل الإشكالية، بدايةً من معالجة مشاكل التنمية للمجتمعات المنتجة، بما يعني تحقيق عدالة في توزيع الموارد الفيدرالية الخاصة بعوائد النفط، وتحسين تقديم الخدمات الأساسية، وإصلاح هيكل الاقتصاد الريعي، والاستفادة من الموارد الطبيعية التي تمتلكها نيجيريا، والاستمرار في إنشاء برامج العفو ونزع سلاح الميليشيات المسلحة، ومواجهة الفساد المستشري في قطاع النفط، وتفعيل الإجراءات القضائية وسرعة البت في قضايا سرقة النفط، والتعاون مع الجوار النيجيري في مواجهة هذه الظاهرة وتقليص الأسواق غير الشرعية لبيع النفط النيجيري، وإلزام الشركات العاملة في مجال التنقيب بتحمل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه المجتمعات المحلية، وتفعيل جهود التعاون الإقليمي والدولي.
وأخيرًا، لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة إلا إذا وُجدت إرادة وقيادة وطنية فاعلة لتنفيذها.



