رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الأسير المحرر محمد حروب: الاحتلال يُسلط الكلاب على أسرى النخبة لاغتصابهم|حوار

الأسير الفلسطيني
الأسير الفلسطيني المحرر محمد عبدالباسط حروب
  • حديثي مع مروان البرغوثي كان على إعادة ترتيب البيت الفلسطيني
  • قضيت 10 سنوات في سجون الاحتلال
  • تفشى الجرب في السجون والاحتلال تركنا نموت
  • اغتصاب الأسرى بالكلاب والسجانين بعد 7 أكتوبر
  • البعض اختار العمالة مع الاحتلال من أجل لقمة طعام

يفضح الأسير الفلسطيني المحرر محمد عبدالباسط حروب في حوارٍ خاص مع «موقع إيجبتك» أسرارًا مروعة عما يجري خلف الجدران الإسرائيلية، بعد عشر سنوات قضاها بين التعذيب والعزلة والإذلال.

ويكشف تفاصيل لم يُسمع بها من قبل عن اغتصاباتٍ نفذها السجانون والكلاب البوليسية ضد أسرى المقاومة، وعن تجويع متعمد وحرمان من الدواء والزيارة والضوء.

ويبدأ عبدالباسط شهادته من لحظة اعتقاله عقب تنفيذ عملية إطلاق نار ودهس عام 2015 على مفترق «غوش عتصيون» شمال الخليل، حين نفدت ذخيرته ليبدأ فصل جديد من العذاب، وصفه بأنه «موت بطيء متواصل داخل مقبرة الأحياء».

ويتحدث عن السجون التي تحولت بعد 7 أكتوبر إلى أقبية للانتقام، حيث سُحبت كل الحقوق، وأُغلقت الزنازين على أجسادٍ وُئدت فيها الكرامة، ويفضح كيف تحول الجوع إلى أداةٍ للإذلال، وكيف سقط بعض الأسرى في فخ التعاون مقابل وجبة طعام.

نص الحوار:

كيف بدأت قصة اعتقالك في سجون الاحتلال؟ وكيف جرت تفاصيل اللحظة الأولى للاعتقال؟

الحمد لله الذي أنعم علينا بالفرج وكتب لنا أن نخرج من سجون الظلم والذل والقهر، ثم الشكر لمن يستحق الشكر من قدم الغالي والنفيس في سبيل تحريرنا، أهل غزة الكرام أهل البطولة والتضحية عنوان المقاومة والتحدي والصمود، ثم الشكر موصول لإخواننا في المقاومة وعلى رأسهم كتائب الشهيد عز الدين القسام، أدامكم الله جنودًا وقادةً للدفاع عن الأسرى والمسرى وفلسطين.

بتاريخ 19/11/2015 قمتُ بتنفيذ عملية إطلاق نار ودهس على مفترق «غوش عتصيون» شمال مدينة الخليل، وهي منطقة محتلة ومستوطنة من قبل الصهاينة، وبفضل الله تمكنت من قتل 3 صهاينة وإصابة 9، وتم اعتقالي في اليوم نفسه بعد نفاد الذخيرة، ومن هنا بدأت رحلة المعاناة في سجون الظلم والقهر.

كم استمرت فترة اعتقالك؟ وكيف تم الإفراج عنك في النهاية؟

أمضيتُ عشر سنوات داخل الأسر، تنقلت خلالها إلى أكثر من سجن، السجن بطبعه قاسٍ وصعب، وفي النهاية يوجد تاريخ لهذه العقوبة، ولكن عند من لا يعرفون أي معنى للإنسانية الوضع مختلف تمامًا، حكم المؤبد في جميع دول العالم يتم تحديده من 15 حتى 30 عامًا، ولكن عند الكيان حكم المؤبد يعني مدى الحياة، وحتى إذا متَّ داخل السجن تبقى جثتك في مقابر الأرقام.

كيف تصف أسلوب معاملة الاحتلال لكم ما قبل الحرب وبعدها؟

ما قبل الحرب كان الوضع صعبًا، ولكن لم يكن هناك تعذيب جسدي، إنما كان التعذيب نفسي، لم يكن التعذيب بالجوع ولا بالضرب، كنا نعرف أخبار العالم من حولنا عن طريق الراديو أو التلفاز، كان يحق لنا زيارة الأهل من الدرجة الأولى مرة كل شهر ولمدة 45 دقيقة، وكل هذه الإنجازات تحققت على دماء الأسرى بالإضرابات عن الطعام وغيرها من أساليب المقاومة.

الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال ـ أرشيفية
الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال ـ أرشيفية

وبعد الحرب تم سحب جميع هذه الإنجازات، التلفاز، الراديو، وكل شيء، حتى الملابس، ومُنعت زيارات الأهل والمحامي، وبدأت مرحلة معاناة لم أشهد لها مثيلًا في حياتي، لدرجة أننا كنا نحسد أهل غزة على استشهادهم، وفي غزة يموتون مرة، ولكن نحن كنا نموت في اليوم ألف مرة.

يتحدثون عن النازية وحتى يومنا هذا يجلدون الشعب الألماني على ما فعله هتلر بهم، وبنفس الوقت هم ومن أتى بهم إلى أرضنا يقتلون ويقهرون ويجوعون ويدمرون أكثر من النازية، عُذبوا في سجون النازية، ولكنهم تشربوا النازية ورسخت في عقولهم، واليوم يطبقونها بحذافيرها على شعبنا، إن كان في السجون أو في الخارج.

كيف كانت معاملة أسرى النخبة بعد 7 أكتوبر؟

بعد 7 أكتوبر والعبور العظيم، كان القتل والتدمير والتهجير في غزة، وكان القهر والتعذيب والتجويع والحرمان في السجون، أسرى النخبة كانت لهم الحصة الأكبر من التعذيب والقتل وبتر الأطراف والاغتصاب بالكلاب وغيرها، والتجويع يُطعمك القليل ليبقيك فقط على قيد الحياة ليتفنن في تعذيبك، والحصة الثانية من العذاب كانت لأسرى غزة، والثالثة لأسرى حماس، والرابعة لباقي الفصائل.

ما أصعب اللحظات التي مررت بها خلال فترة اعتقالك؟

من أصعب اللحظات التي عشتها أنا وجميع إخوتي الأسرى ليست التعذيب ولا الجوع ولا الحرمان، من أصعب اللحظات أن ترى أخاك يموت من الجوع وأنت عاجز عن مساعدته، وخصوصًا في الآونة الأخيرة تفشي وبشكل واسع بين الأسرى مرض (الجرب)، ولا يوجد علاج، وشهدت السجون استشهاد عشرات الأسرى بسبب الإهمال الطبي، أن ترى السجانين يعذبون أخاك الثاني ولا تستطيع فعل شيء، أن ترى أسيرًا يتم تعذيبه أمام أبنائه ويتم تعذيبهم أمامه، اللحظات الصعبة كثيرة، ولو تحدثت لأيام لن أنتهي من سرد ما حدث في العامين الأخيرين.

كيف كنتم تتغلبون على العزلة والضغوط النفسية داخل الزنازين؟

غرفة 7×3 يوجد بها 11 أسير، كنا نعيش على الأمل، والحديث الذي يدور بيننا عن المقاومة وثباتها وما بيدها من أوراق تمكنها من تحريرنا، ولا يوجد كتب إلا القرآن، كان هناك من يحفظ القرآن، وأنا بفضل الله أتممت حفظ القرآن في هذه الفترة الصعبة، لم يكن سهلاً بسبب التوتر والجوع والضغط الذي كنا نعيشه، ولكن كنت أتعامل مع الأمر كأنه تحدٍ بيني وبينهم، وهناك من يتدبر القرآن، وفي أغلب الأوقات كان الأسرى يتحدثون عن الحرية وكيف سيبني كل واحد حياته بعد التحرر.

هل التقيت بالأسير مروان البرغوثي؟ وماذا دار بينكما؟

في السجن يوجد أقسام عامة وأقسام لمن يتم تصنيفهم بالأخطر بين الأسرى، الذين يعتبرون من قيادات الحركة الأسيرة والذين يحرضون على عدم السكوت على الحال، ونُقلت إلى العزل بتاريخ 25/5/2025 بتهمة التحريض وتجنيد أسرى لتنفيذ عمليات ضد الاحتلال، والتقيت بالأخ مروان البرغوثي، وكنا نتحدث من خلال الشبابيك، وفي العزل يكون في الغرفة فقط أسيران، بالرغم من الوضع الصعب، كان الأخ أبو القسام يقف بالساعات على الشباك ويعرض نفسه للخطر من أجل إعطائنا محاضرة، حيث إنه إذا سمعك السجان تتحدث يُحرمك من «الفورة» (الخروج للساحة)، وهي ساعة يوميًا، ولكن حسب مزاج السجان ربما مرة أو مرتين في الأسبوع.

الأسير مروان البرغوثي
الأسير مروان البرغوثي

وكان الحديث بين الأخ مروان والأخوة مثل الأخ عباس السيد، والأخ أحمد سعدات، والأخ محمد عرمان، والأخ إسلام حامد عن آلية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وإصلاح منظمة التحرير، وإنقاذ القطاع الذي قام «النازيون الجدد» بحرقه وتدميره وإبادة أهله.

هل كان يحصل استغلال غير لائق أو تحرش؟

أسرى النخبة تم اغتصابهم من قبل السجانين والكلاب، وهذا ما قالوه لنا، وكان يتم استغلال جوع الأسرى، يعطونه طعامًا مقابل التعاون، وتعلم أن هناك نفوسًا ضعيفة وكانت تسقط في وحل العمالة.

ما الدور الذي يلعبه قادة الحركة الأسيرة في رفع معنويات الأسرى؟

قادة الحركة الأسيرة كانوا معزولين عن بقية الأسرى، إدارة السجون نجحت في تفكيك الحركة الأسيرة، والانتماءات بقيت فقط في النفوس، أما ما هو في العلن وأمام الإدارة فهو فقط «أسير فلسطيني». 

والأسرى المرضى  كما أسلفت وضعهم أصعب مما تتصور، وكان رد سلطات الاحتلال: «أسراهم في غزة لا يوجد لديهم أدوية، من أجل ذلك موتوا لن نعالجكم».

هل شهدت حالات قمع جماعي أو انتهاكات صارخة خلال فترة اعتقالك؟

حالات القمع يومية بين الأقسام، وعلى مدار الأسبوع يتم قمع قسم أو اثنين بهدف المحافظة على الردع والترهيب، كانوا يقيدوننا للخلف وينزلوننا على بطوننا لساعات طويلة، ويتعمدون أن يكون هذا العقاب من الساعة الواحدة صباحًا حتى السادسة.

الأسرى الفلسطينيين
الأسرى الفلسطينيين

أنت مازلت في الخليل أم تم استبعادك؟

الحمد لله أنا من الخليل وتم إبعادي إلى مصر، وننتظر دولة تستقبلنا، وحتى هذه اللحظة ما زلنا ننتظر.

ما أول شيء رغبت في فعله عندما تنسمت هواء الحرية؟

لم أرغب في شيء سوى أن تنتهي المعاناة ونخرج من السجن، استمروا بإهانتنا حتى اللحظة الأخيرة، وعندما ركبنا الباصات المصرية صعدوا وبدأوا بالصراخ والشتم، كان همي الوحيد: هل سافر أهلي إلى مصر أم مُنعوا؟ والحمد لله سافروا إلى الأردن قبل الصفقة، على أمل أن يكون اسمي ضمن القائمة، وفي يوم الجمعة، بالساعات الأخيرة، أضيفت 10 أسماء، وكنت من بينها.

من تمكن من زيارتي فقط أمي وأخي، الحمد لله، حالي أفضل من غيري من الأسرى المحررين، فمنهم من تحرر منذ شهر أو شهرين وحتى اليوم لم يُسمح بسفر أهله للقائه، لا يريدون فتح ملف الأسرى نهائيًا، أصلًا هم يستخدمون الأسرى الأمنيين للدعاية الانتخابية، وكانوا يتسابقون إلى إيذائنا.

ما الرسالة التي توجهها للأسرى الذين ما زالوا داخل المعتقلات؟

هناك الكثير من الرسائل أود توجيهها للأسرى، لكن للأسف لن تصل؛ لأنهم مقطوعون عن العالم الخارجي، والمحامي يتم تهديده إذا نقل أي خبر لهم، تخيل يا أخ محمد أن الأخ جمال الهور الذي أمضى ما يقارب 30 عامًا ولا يزال في الأسر أخرج رسالة مع أسير أنهى محكوميته يقول فيها لأهله إنه ينام ويصحو على أمل أن يخرج في أي لحظة، وهو لا يعلم أن الصفقة انتهت وانتهى كل شيء.

الأسرى الفلسطينيين
الأسرى الفلسطينيين

وماذا تقول لعائلات الأسرى الذين ينتظرون أبناءهم؟

أقول لأهالي الأسرى وللأسرى الذين لم يُفرج عنهم: أعانكم الله على هذا البلاء، اصبروا واحتسبوا، الجنود ذهبوا ولم يبقوا، ولكن الله موجود، اعتصموا بحبله، فهو حسبنا ونعم الوكيل.

كيف ترى مستقبل الحركة الأسيرة الفلسطينية؟

الحركة الأسيرة في ظل وجود حكومة صهيونية نازية  لن يتغير حالها، بل كما رأينا مؤخرًا الوضع بعد الصفقة ازداد سوءًا، لن تقوم لها قائمة، والحال الذي كانت عليه قبل الحرب تم تحصيله بالدم، وسقط الكثير من الشهداء، وخضنا العديد من الإضرابات عن الطعام، نسأل الله أن يجعل لهم من كل ضيق مخرجًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء