بين الركام والأمل.. نصف مليون طفل يبحثون عن مدارسهم في غزة|تقرير
تتناثر الدفاتر بين الركام وتتحول الأقلام إلى رماد، يبدأ نحو 600 ألف طفل في غزة عامًا جديدًا بلا مدارس، بلا مقاعد، وبلا جرس يُعلن بدء الحصة الأولى، دُمر أو تضرر 97% من مدارس القطاع، لتغدو الطفولة هناك رهينة حرب سرقت الدروس والأصدقاء والضحكات.
"لا نريد شفقة.. نريد أفعالًا"
تقول وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إن أكثر من 8 آلاف معلم مستعدون لاستئناف العملية التعليمية، رغم الدمار والحصار، مؤكدة في بيانها أنها "أكبر منظمة إنسانية في غزة ويجب السماح لها بالقيام بعملها دون عوائق" لكن، كيف يبدو التعليم في منطقة فقدت كل مقومات الحياة؟ الإجابة تأتي من أصوات صغيرة تحاول النجاة.

تروي جويرية عدوان (12 عامًا) قصتها بصوت يختلط فيه الحنين بالخوف: مر عامان منذ آخر مرة دخلتُ فيها فصلاً دراسيًا حقيقيًا، منذ أن سمعتُ جرس الصباح وجلست على مقعدي، أرفع يدي للإجابة، مدرستي لم تعد موجودة، قُصفت بعد أيام من اندلاع الحرب، احترقت كتبي، وقُتل بعض أصدقائي". وفقًا لوكالة الأنباء الفلسطينية.
وتتابع وهي تنظر إلى صور مدرستها المهدمة: "في 7 أكتوبر 2023، كان آخر يوم لي في المدرسة سمعت صفارات الإنذار، بكى زملائي، ارتجفت معلمتنا، ومنذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء، وأعيش اليوم في خيمة بخان يونس مع عائلتي، والريح تمزق جدرانها، والبرد لا يرحمنا، نصطف في طوابير للحصول على الماء والطعام، والكهرباء حلم بعيد".
تقول جويرية إنها تحاول الدراسة أحيانًا عبر الإنترنت أو في خيمة صغيرة يديرها متطوعون، لكنها تعتبر تلك اللحظات القصيرة "فسحة حياة وسط العدم".
وتضيف: "كنت أحلم أن أصبح معلمة، أما الآن فأريد أن أكون صحفية، أروي قصصنا للعالم. لا نريد شفقة، نريد أفعالًا، أطفال غزة يستحقون المدارس والكتب والأمان. التعليم ليس رفاهية، إنه مستقبلنا الوحيد".
"الحرب بنت جدرانًا في عقلي"
أما سارة الشريف (9 سنوات)، فقصتها تختصر مأساة جيل كامل تقول الطفلة من مدينة غزة:"كنت في الفصل أمسك بقلمي حين دوى انفجار ضخم، وشعرت أن قلبي توقف، بعدها بدقائق جاء أبي ليأخذني، ولم أرَ المدرسة مجددًا، تحولت إلى رماد، كما تحولت منازلنا".
وتضيف بصوتٍ خافت: "تنقلنا من مكانٍ إلى آخر. أعيش الآن في ملجأ مزدحم، لا خصوصية ولا راحة، صوت الطائرات يلاحقنا حتى في الأحلام. عندما أغمض عيني أرى وجوه أصدقائي الذين رحلوا، ومعلمة الرياضيات التي قُتلت مع عائلتها. كنت أحب الأرقام والشعر، لكن عقلي الآن متعب، كأن الحرب بنت جدرانًا بداخلي".

تتنهد سارة قائلة: "نحن لسنا أرقامًا في نشرات الأخبار، نحن أطفال نريد فقط أن نعيش، أن نتعلم، أن نلعب، وأتمنى أن يرانا العالم بقلوبهم لا بعدساتهم. نحن شعب يحب الحياة، فهل تحبنا الحياة؟".
"طالما واصلنا التعلم... سنبقى"
في مخيم البريج، تحاول نجلاء وشاح (40 عامًا)، وهي معلمة منذ أكثر من عقد، أن تبقي شعلة التعليم حية تقول:"كنت أدرس 6 صفوف مليئة بالحركة والضحك، وكنت أؤمن أن التعلم حياة، وأن المدرسة يمكن أن تكون ملاذًا من الخوف، لكن بعد السابع من أكتوبر، تغير كل شيء، تحولت مدرستي إلى ملجأ، ثم إلى ركام".
وتتابع نجلاء بصوتٍ يغلب عليه الحزن: "مات كثير من طلابي. أطفال كانوا يحلمون بأن يصبحوا أطباء وفنانين، أما من بقي، فيصارع الجوع والتشريد والخوف، لكنه لا يتخلى عن حلم التعلم. ندرّس الآن في الخيام، تحت القصف، لأن التعليم أصبح فعل تحد وصمود، طالما واصلنا التعلم.. سنبقى".
التعليم.. حق يُقصف كل يوم
قال تقرير "الأونروا" إن الحرب لم تدمر الأبنية فقط، بل محَت المسافة بين الطفولة والبقاء، فالتعليم في غزة لم يعد وسيلةً لبناء المستقبل فحسب، بل أضحى فعل مقاومة ضد النسيان.
فبينما تتهاوى الجدران وتُدفن الأحلام تحت الأنقاض، يبقى صوت الأطفال والمعلمين في غزة شاهدًا على أن العلم لا يموت، حتى في قلب الدمار.