رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقدير موقف| الفاشر بين يدي المتمردين.. السودان وخطر الانفصال المحتمل

البرهان وحميدتي
البرهان وحميدتي

أزمات عدة دفع بها إلى الواجهة سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور السودانية، في يد مليشيات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، أولها وعود النصر التي يطلقها الجيش السوداني منذ اندلاع الصراع في أبريل من عام 2023، وثانيها الانتهاكات الإجرامية بحق المدنيين من قبل المليشيات، والتي تذكّر دائمًا بالنهج الذي تسير عليه عموم الجماعات المتمردة في أفريقيا، وثالثها عودة الخطابات التحريضية ضد مصر من منصات إعلامية مغرضة تستهدف توريط القاهرة في أي صراع خارج حدودها.

وفي ظل انسحاب الجيش السوداني من آخر تحصيناته بالمدينة لأهداف تكتيكية، تمضي مليشيات الدعم السريع في تهجير المدنيين من بيوتهم، وتنفيذ عمليات تصفية في الشوارع بحق آخرين، مع زيادة طموحاتها في تثبيت موقعها كقوة موجودة في السودان تطالب بالحصول على شرعيتها.

المعارك المسلحة في السودان
المعارك المسلحة في السودان

وعود النصر المتكررة

جاءت كلمة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان محمّلة بالوعود والتأكيد على ضمان النصر على مليشيات الدعم السريع، والقصاص للشهداء، ومحاسبة المجرمين على ما اقترفوه من جرائم وانتهاكات في حق المدنيين في الفاشر، واعتبر أن كل هذه الانتهاكات مخالفة للأعراف والقرارات الدولية وتحدث تحت صمت دولي.

البرهان، في إشارة منه إلى الجرائم التي وقعت على يد مليشيات الدعم السريع، وصف عناصر هذه المليشيات بأنها "يد لا تنتمي لشعب السودان".

وعاد البرهان مكررًا تطميناته للشعب السوداني بأن الجيش انسحب للضرورة، وأنه قادر على قلب الطاولة على المليشيا المتمردة مثلما فعل مرارًا أثناء هذه الحرب الدائرة، مستندًا في قوته إلى وقوف الشعب السوداني خلف قيادة الجيش.

ويبدو أن الكلمة القصيرة التي وجهها البرهان للشعب السوداني ليست كافية أمام حجم الجرائم التي جرى تداولها على منصات التواصل الاجتماعي من قبل "الدعم السريع"، من تهجير للمواطنين وتنفيذ عمليات قتل وتصفية بدم بارد. 

وقد اعتاد الشعب السوداني الجريح على خطابات الوعود بالنصر منذ اندلاع الصراع في أبريل من عام 2023، وعلى الرغم من تحقيق نجاحات لقوات الجيش على "الدعم السريع"، فإن الصراع لم ينتهِ، بل يزداد تعقيدًا مع عودة مليشيات "حميدتي" للسيطرة على مواقع جديدة.

والسؤال الذي يطرحه المواطن السوداني الآن: هل فعلاً المعركة محسومة لصالح الشعب السوداني الذي انتمى لبلاده ولقوات جيشه ويسانده؟

المعارك المسلحة في السودان
المعارك المسلحة في السودان

احتمالية التقسيم

إن سقوط الفاشر دعا مراقبين للشأن السوداني إلى التركيز على أن طموحات "حميدتي" في الاستقلال بجزء من دولة السودان باتت قريبة.

وتُهيمن "الدعم السريع" بصورة عملية على الجنوب السوداني، لذا فمن المرجّح أن تتجه السودان ناحية التقسيم لو طال أمد سيطرة قوات "حميدتي" على المناطق الخاضعة لنفوذها، وهو ما يكرر ويصنع النموذج الليبي من جديد.

وقد أشار إلى ذلك مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، في تصريحات تلفزيونية، حين قال إن الوضع السوداني يتجه صوب السيناريو الليبي.

ممارسات مشابهة

تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مرئية تُظهر الجرائم التي ترتكبها مليشيات الدعم السريع بحق المدنيين، وهو نهج تشترك فيه مليشيات "حميدتي" مع المليشيات المتمردة والمتطرفة في عموم إفريقيا، من تنفيذ تصفيات في الشوارع بدم بارد، واختطاف فتيات، وارتكاب انتهاكات نفسية وجسدية بحقهن.

ولا تختلف مليشيات "الدعم السريع" في طموحاتها ونهجها عن العصابات الإفريقية المتمردة التي تعمل على إخراج المدن من تحت سيطرة الجيوش الوطنية تمهيدًا للانفصال، مع الاستمرار في عمليات النهب والقتل والسرقة والاغتصابات بحق النساء والفتيات.

المعارك المسلحة في السودان
المعارك المسلحة في السودان

دعوات التوريط والإحساس بالتقصير

في تعليقها على سقوط مدينة الفاشر في يد مليشيات "الدعم السريع"، بادرت جماعة الإخوان الإرهابية (مكتب محمود حسين في تركيا) بإصدار بيان وصفت فيه الحدث بأنه "خطوة خطيرة تمهّد الطريق نحو تقسيم السودان وتهديد وحدته وسيادته".

وكعادة الجماعة الإرهابية في إلقاء اللوم على الدول العربية لوقوع أي كارثة في أي بقعة، أكد البيان أن الجماعة "تحمّل المجتمع الدولي والدول العربية والإسلامية مسؤولية ما يجري في السودان، وتدعو إلى تحرك عاجل وجاد لوقف الحرب وحماية المدنيين والحفاظ على أمن السودان وسلامته ووحدة أراضيه".

تأتي هذه الإدانة استثمارًا لحالة الغضب المشتعلة منذ سقوط الفاشر وقيام مليشيات الدعم السريع بتنفيذ جرائم في حق المدنيين السودانيين، لذا تبادر الجماعة باستغلال موجة الغضب المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال حثّ المواطنين في البلاد العربية، وخاصة في مصر، على الشعور بالذنب تجاه قضية السودان، وأنه من الضروري أن تتدخل دولة الجوار في الصراع لحسمه لصالح الجيش وللدفاع عن المدنيين السودانيين.

ويُعد بيان الجماعة تمهيدًا لظهور نغمة مماثلة لما كان يحدث أثناء الحرب في غزة، وهي مطالبة مصر بالتدخل العسكري، في محاولات مستميتة من قبل الجماعة لتوريط مصر في أي ملف محكوم بالصراع العسكري، مثل الملف الليبي أو ملف سد النهضة أو ملف الحرب في غزة، وغيرها من الملفات الحساسة التي تتحرك فيها مصر بحذر شديد.

المعارك المسلحة في السودان
المعارك المسلحة في السودان

وما يؤكد هذا التحليل هو ما قامت به منصات إعلامية عدة تابعة لجماعة الإخوان تُعظّم من خطورة استيلاء الدعم السريع على مدينة الفاشر، وتهوّل من خطورة ذلك على الأمن القومي المصري، حيث تعمل هذه المنصات على التهويل من شأن مليشيات الدعم السريع وكأنها ندٌّ للدولة المصرية، وهو ما يستلزم التدخل في الشأن السوداني.

إن هذه الدعوات التحريضية المدفوعة من قبل الجماعة الحاقدة ليست دفاعًا عن المدنيين ولا عن السودان، وإنما هي رغبة في توريط مصر في أي صراع خارج حدودها، وهو ما تستوعبه الدولة المصرية على مستوى القيادة السياسية بصورة دقيقة.

ختامًا:

بقاء مليشيات الدعم السريع في الجنوب السوداني يعزز من طموحاتها في الانفصال والتقسيم، خاصةً وأنها تعمل على ترويج حكومة موازية لم تلقَ اعترافًا إقليميًا أو دوليًا. وعليه، فإن إحراز أي انتصارات عسكرية للجيش قد يؤدي إلى تراجع هذه الطموحات الانفصالية، وهو أمر غير محسوم حتى الآن من قبل الجيش السوداني الذي وعد باسترداد كل بقعة تسيطر عليها "الدعم السريع".

كما أن الوعي بحقيقة الصراع داخل السودان، وحقيقة الدور الدبلوماسي الذي تقوم به مصر لحل الأزمة السودانية، يُبطل أي خطابات تحريضية ضد القاهرة تستهدف توريطها في أي نزاعات عسكرية خارج حدودها، وهو ما ترفضه مصر وتصرّ على الحل السلمي والعادل لجميع الملفات الإقليمية المفتوحة.

محمود تهامي 

باحث في التراث الإسلامي وشؤون الجماعات المتطرفة

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء