من الإنقاذ إلى الهيمنة.. العفو عن نتنياهو أداة لتكريس سلطة اليمين المتطرف
يواصل معسكر حزب الليكود الإسرائيلي محاولاته المتكررة لإيجاد طوق نجاة لرئيس الوزراء ورئيس الحزب «بنيامين نتنياهو» من التهم المرتبطة به، ففي بداية الشهر تقدم النائب في الكنيست " أرئيل كالنر" بمشروع قانون يهدف إلى تقليل جلسات محاكمة نتنياهو.
يُمكن مشروع قانون "كالنر" كلا من وزيري الدفاع والعدل من تقديم خطاب إلى هيئة المحكمة يفيد بتعذر حضور رئيس الوزراء إلى المحاكمة نتيجة لارتباطه بأعمال تخص الأمن القومي، وأن حضوره فيه خطورة تهدد أمن البلاد، وأن تأجيل حضوره قد يصل إلى 180 يومًا.
وفي خطوة أخرى موازية تمكنت «سارة نتنياهو» من الحصول على توقيع 14 نائبًا في الكنيست على وثيقة تطالب الرئيس «إسحق هرتسوغ» بالعفو عن زوجها وعدم محاكمته في الجرائم المنسوبة إليه، وتتسق خطوة سارة نتنياهو مع مطالبة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» خلال خطابه بالكنيست من نظيره الإسرائيلي بالعفو عن نتنياهو.

موقف الرئيس الإسرائيلي
في العادة لا يتمتع الرئيس الإسرائيلي بصلاحيات واسعة، فأغلب صلاحياته يغلب عليها الطابع التشريفي مثل تكليف الحزب الحائز على أكبر عدد من الأصوات في انتخابات الكنيست بتشكيل الحكومة خلال 42 يومًا، فضلًا عن تمتعه بصلاحيات العفو الشامل عن المدانين في جرائم وصدرت ضدهم أحكام.
يتعرض الرئيس الإسرائيلي "إسحق هرتسوغ" لضغوطات سياسية داخليًا وخارجيًا من أجل إصدار عفو شامل عن رئيس الوزراء وفق ما يقتضيه القانون الإسرائيلي في هذا الاتجاه، فالضغوط الخارجية متمثلة في موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والضغوط الداخلية تتمثل في تحركات نواب الليكود المطالبة بالعفو السياسي.
محدودية صلاحيات العفو
رغم امتلاكه صك العفو عن المدانين، إلا أنه مقيد باعتبارات قانونية شرط تحققها في حالات محدودة للغاية، فمثلًا تنص المادة 11 (ب) من القانون الأساسي على أن لرئيس الدولة سلطة العفو عن المجرمين وتخفيف الأحكام وتخفيضها واستبدالها، لكن يتم ذلك بعد صدور الأحكام القضائية، أي أنه لا عفو بدون حكم قضائي مسبق.
وفي نقطة أخرى قد يلجأ إليها نتنياهو، وهي إيقاف إجراءات التقاضي نهائيًا، وذلك وفق قانون النظام الجنائي الذي يمنح النيابة العامة بعد الاتفاق مع المتهم المُقر بالذنب سلطة طلب تخفيف العقوبة من المحكمة.
إذ تُعرض الاتفاقية بين المتهم والنيابة على المحكمة المختصة، والتي يكون لها الحق في رفض الاتفاقية أو المصادقة عليها، أي أنه في هذه الحالة أيضًا يكون نتنياهو مدانًا، وهو ما يرفضه لأنها سوف تؤثر على مستقبله السياسي،
فوفقًا للقانون الإسرائيلي، من يرتكب جريمة ويدان بها يُمنع من ممارسة العمل السياسي لمدة سبع سنوات، وإن شمله عفو رئاسي، وهو ما يعني إنهاء مسيرة نتنياهو السياسية تمامًا، لذا يرفض رئيس الوزراء هذا الطرح تمامًا، فهو يريد عفوًا دون وصمة، حسبما صرح عضو الكنيست "أيمن عودة".
ويوجد إجراء أخير، وهو نادر الحدوث، وهو قيام النيابة العامة باستخدام صلاحياتها القانونية في وقف إجراءات التقاضي في بعض القضايا الخطيرة لاعتبارات قصوى تتعلق بانعدام الأدلة أو تعارض المحاكمة مع المصالح العامة للدولة، ولعل الخيار الأخير هو ما يتمناه نتنياهو ويسعى إلى فرض تحقيقه.
تحرك قانوني أم سياسي؟
بعد الاستعراض القانوني السابق يتضح أن مسألة العفو القانوني غير مجدية لنتنياهو، إذ يجب أن تسبق الإدانة العفو، وفي حال الإدانة سيتم إبعاد نتنياهو عن العمل السياسي، لذا يدور تساؤل هنا حول جدية الضغوطات السياسية الممارسة على الرئيس "إسحق هرتسوغ" رغم افتقاره لصلاحيات العفو عن نتنياهو قبل صدور حكم يدينه.
من خلال استعراض مواقف وردود "هرتسوغ" نفسه من تلك القضية، يتبين لنا أن ضغوط الليكود والرئيس الأمريكي من أجل اتخاذ خطوات سياسية في سبيل العفو، لا خطوات قانونية.
ففي مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي في سبتمبر الماضي، طالب "هرتسوغ" النيابة العامة الإسرائيلية بإبرام صفقة مع نتنياهو لأجل حصوله على عفو سياسي، وذلك بدافع المصلحة الوطنية، وأن الوضع في البلاد في حالة طوارئ قصوى تتطلب إحداث تغييرات جوهرية، وذلك من أجل توحيد البلاد ودرء الانقسامات.

صفقة سياسية محتملة
من النادر في إسرائيل أن يلعب الرئيس أدوارًا سياسية ملموسة نظرًا لضعف صلاحياته السياسية والقانونية، إلا إذا سمحت الظروف بذلك وفي حالات نادرة كالحالة التي نحن أمامها.
فبعد تجميد خطة الإصلاح القضائي التي تقدم بها نتنياهو مطلع عام 2023 وفشله في تحقيق الانقلاب القضائي في أكثر من مناسبة، مثل فشله في تمرير مشروع قانون يقضي بحرمان المحكمة العليا من حقها في الاعتراض على أي قانون صادر عن الكنيست، وأخيرًا فشله في إقالة المستشارة القانونية للحكومة "غالي بهراف ميارا" في مارس الماضي.
لم يعد هناك سوى بوابة الرئيس هرتسوغ، إذ يأمل نتنياهو في أن يتحرك الرئيس ــــ الذي يمتلك علاقات متينة مع المؤسسات القضائية، خاصة المحكمة العليا والمستشارة القانونية ــــ في اتجاه تحقيق وساطة بين الجانبين، بموجبها تقدم الحكومة تنازلات معينة في مقابل إقدام النيابة العامة والادعاء على وقف إجراءات التقاضي تحت بند الحفاظ على المصلحة العامة وأمن البلاد.
يلوح في أفق تل أبيب حاليًا صفقة سياسية كبرى عرّابها الرئيس هرتسوغ، والذي قد يستغل دوره في التقريب بين نتنياهو والسلطة القضائية، وفي المقابل ترتفع أسهم هرتسوغ السياسية، وهو الأمر الذي قد ينعكس على حظوظ حزب العمل المنتمي إليه الرئيس.
فأداء الحزب خلال السنوات الماضية شهد تراجعًا شديدًا لصالح الأحزاب اليمينية المتطرفة والحريدية، ففي الكنيست الأخير لم يُمثل سوى بأربع مقاعد بعد أن كان حزبًا للأكثرية لأكثر من خمسة عقود متتالية.
لذا من المحتمل أن يسعى هرتسوغ لأجل المصالحة بين نتنياهو والسلطة القضائية، في مقابل تحسين وضع حزبه السياسي وعودته مرة أخرى للتمثيل في الحكومة بالتعاون مع الليكود، إذ سبق أن تناصف الحزبان قيادة الحكومة عقب انتخابات 1984، والتي تمثلت في تقلد زعيم العمل "شيمون بيريز" رئاسة الحكومة عامين (1984 ــ 1986)، ولحقه زعيم الليكود “إسحق شامير” رئاسة الحكومة عامين (1986 ــ 1988).
وفي سياق الاستعداد للانتخابات المقبلة، قد يرى نتنياهو ضرورة فك الارتباط مع حلفائه في اليمين المتطرف نظرًا لتغير الظروف السياسية وانتهاء الحرب، خاصة في ظل محاولات قوى اليمين المتطرف إحراج نتنياهو أمام حلفائه الدوليين مثل الولايات المتحدة، ولعل مشروع قانون ضم الضفة الغربية خير دليل على ذلك.
وختامًا.. بعد تقديم خطاب للرئيس هرتسوغ بالعفو عن نتنياهو، قد تشهد المرحلة المقبلة تحركات واسعة المدى يقودها الرئيس لأجل الوصول إلى تسوية مناسبة لجميع الأطراف، ومن المحتمل أيضًا أن يجري نقاشًا جماهيريًا حول تلك القضية حسبما وعد في السابق.



