رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقدير موقف| عسكرة الفضاء.. أوروبا بين طموح الاستقلال ومخاوف الانكشاف الأمني

التجهيز لمبادرة درع
التجهيز لمبادرة درع الفضاء الأوروبي

تزايدت مؤشرات إدراك أوروبا لحجم الفجوة الفاصلة بينها وبين القوى الكبرى في مجال عسكرة الفضاء، بعد تصريحات رئيس مجلس إدارة شركة إيرباص "رينيه أوبرمان" التي انتقد فيها الاعتماد الأوروبي المفرط على القدرات العسكرية والفضائية الأمريكية. هذا التحول يعكس لحظة مفصلية في التفكير الاستراتيجي الأوروبي ميدان الأمن والدفاع، خصوصًا في ظل التوجه الأمريكي نحو الانكفاء والتركيز على المصالح الذاتية.

وقد برز هذا الوعي في سياق الحرب الأوكرانية التي كشفت هشاشة البنية الدفاعية الأوروبية، وضعف منظومات الاتصالات والإنذار المبكر، خصوصًا في المجالات ذات البعد الاستراتيجي مثل الحرب الإلكترونية، والأقمار الصناعية منخفضة المدار، والردع النووي، ما جعل الحاجة إلى قدرات فضائية مستقلة مسألة أمن قومي ملحّة.

أوروبا بين المظلة الأمريكية وطموح الاستقلال

منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ارتبط الأمن الأوروبي جذريًا بالولايات المتحدة، التي وفّرت الحماية النووية والتكنولوجية والعسكرية، بما في ذلك البنية التحتية الفضائية. ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، أدرك الأوروبيون هشاشة موقعهم في منظومة الردع الحديثة، حيث اعتمدت جيوشهم بشكل شبه مطلق على بيانات الأقمار الصناعية الأمريكية لتوجيه الصواريخ والطائرات بدون طيار وإدارة العمليات الميدانية.

 

مبادرة درع الفضاء الأوروبي
مبادرة درع الفضاء الأوروبي

ومع تصاعد التوتر مع موسكو، اتجهت أوروبا إلى التفكير في إنشاء منظومات فضائية مستقلة قادرة على حماية مصالحها دون انتظار الإذن الأمريكي. هنا برزت فرنسا باعتبارها الدولة الأكثر طموحًا، إذ أعلنت إنشاء قيادة فضائية خاصة ضمن قواتها المسلحة، وأقرت "عقيدة الدفاع الفضائي" التي تعترف بالفضاء كمجال جديد للحرب.

أما ألمانيا، فبدأت تطوير قدراتها عبر مركز "الفضاء العسكري الألماني" في كاله، مع التركيز على التعاون الأوروبي المشترك ضمن وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) والمبادرات الدفاعية داخل الاتحاد الأوروبي.

لكن، رغم الحراك المتسارع، لا تزال أوروبا تفتقر إلى مظلة موحدة للدفاع الفضائي، وتعتمد عمليًا على القدرات الأمريكية لتأمين فضائها الإلكتروني والملاحي.

انفصال تدريجي عن الولايات المتحدة

بعد عقودٍ من الاتكال على المظلة الأمنية الأمريكية عبر حلف شمال الأطلسي، يسعى الاتحاد الأوروبي اليوم إلى ترسيخ استقلاله الدفاعي، وإبراز نفسه كقوةٍ عالمية قادرة على حماية مصالحه الاستراتيجية في مواجهة التهديدات الحديثة، وعلى رأسها الهجمات الصاروخية والهجمات السيبرانية التي تستهدف الأقمار الصناعية.

يأتي هذا التحول بوصفه ردًّا مباشرًا على حرب أوكرانيا، التي كشفت ضعف البنى التحتية الأوروبية في مجالات الاتصالات والمراقبة والإنذار المبكر، وأظهرت أن الحروب الحديثة قد تبدأ من الفضاء قبل أن تنعكس آثارها على الأرض.

ومن هذا المنطلق، يبرز مشروع "درع الفضاء الأوروبي"، الذي أُعلن عنه مؤخرًا، كرمزٍ لإرادةٍ أوروبية جديدة تسعى إلى بناء منظومة دفاعية مشتركة قائمة على التكنولوجيا المتقدمة، بما يقلل من تبعية القارة الأوروبية للولايات المتحدة في أنظمة الدفاع الصاروخي والمراقبة الجوية.

جيوسياسيًا، يعكس هذا التحول رغبةَ الاتحاد الأوروبي في ترسيخ مكانته ضمن سباق القوى الكبرى، إلى جانب الولايات المتحدة والصين وروسيا، الذين يرون في الفضاء ساحةً للهيمنة الاستراتيجية. فالسيطرة على المدار الفضائي تعني امتلاك مفاتيح الاتصالات والملاحة والمعلومات الاستخباراتية، وهي عناصر القوة في القرن الحادي والعشرين.

مبادرة درع الفضاء الأوروبي
مبادرة درع الفضاء الأوروبي

السيطرة على الفضاء وفقدان الأرض

التوجه الأوروبي نحو الفضاء يثير تساؤلاتٍ جوهرية حول أولويات السياسة الدفاعية الأوروبية؛ فبينما تُضخ مليارات اليوروهات في برامج الفضاء والتصنيع العسكري عالي التقنية، تحذر شركات الدفاع الأوروبية من نقصٍ حادٍّ في الذخائر والمعدات الأساسية للقوات المسلحة الوطنية.

هذا التناقض بين الطموح الفضائي والاحتياجات الميدانية يعكس فجوةً في التخطيط الاستراتيجي، حيث ينجذب صانعو القرار إلى المشاريع الكبرى ذات البعد السياسي، على حساب تلبية متطلبات الجيوش في ساحات القتال.

ولا يعني انتقال أوروبا من سباق الأسلحة الأرضية إلى سباق الفضاء التخلي عن الدفاع التقليدي، بل يشير إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الأوروبي ضمن رؤيةٍ أكثر شمولًا، تُدمج فيها التكنولوجيا المتقدمة مع أدوات الردع العسكري.

أصبحت حماية الأصول العسكرية الفضائية، مثل أقمار التجسس المخصصة لمراقبة التحركات العسكرية، وأقمار الاتصالات التي تضمن التنسيق الآمن والسريع بين القوات المنتشرة حول العالم، عنصرًا أساسيًا في معادلة القوة، كما تلعب أنظمة الإنذار المبكر دورًا حاسمًا في رصد إطلاق الصواريخ والهجمات المفاجئة، ما يجعل السيطرة على الفضاء مسألةً حيوية تتجاوز الجانب التقني إلى البعد الجيوسياسي.

تقاطع التكنولوجيا والأمن القومي في الصراع على الفضاء

تتزايد وتيرة عسكرة الفضاء عامًا بعد عام، مع دخول دولٍ عدة سباق تطوير أسلحةٍ مضادةٍ للأقمار الصناعية، قادرةٍ على تعطيل أو تدمير أقمار الخصوم، فضلًا عن ابتكار أقمارٍ هجومية مزودة بقدرات تشويش إلكتروني أو أسلحةٍ ليزرية مدمرة. هذا التحول يكرّس الفضاء كساحة صراعٍ جديدة، حيث تتقاطع التكنولوجيا المتقدمة مع مصالح الأمن القومي في سباقٍ محموم نحو التفوق الاستراتيجي.

في هذا الإطار، تتسابق الدول الأوروبية لإنشاء درعٍ فضائي دفاعي لحماية أقمارها العسكرية وأقمار الاتصالات من أي تهديداتٍ محتملة من روسيا أو الصين، في خطوةٍ تعكس تنامي وعيها بخطورة التنافس التكنولوجي والعسكري في الفضاء. ويأتي المشروع، المتوقع إطلاقه بحلول عام 2026، استجابةً لتحذيراتٍ استخباراتية بشأن تورط موسكو في تعقّب أقمارٍ أوروبية، وتطوير بكين قدراتِ حربٍ فضائيةٍ متقدمة.

مبادرة درع الفضاء الأوروبي
مبادرة درع الفضاء الأوروبي

وكانت التقارير الاستخباراتية قد كشفت مناوراتِ أقمارٍ روسيةٍ بالقرب من أقمارٍ تابعةٍ لبريطانيا وألمانيا، في تحركاتٍ توصف بأنها محاولاتٌ للتجسس أو جمع بياناتٍ حساسةٍ عن قدرات الاتصالات والمراقبة الأوروبية، إذ يخشى المسؤولون في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو من أن تُعتبر هذه الأنشطة تمهيدًا لهجماتٍ إلكترونية أو عملياتِ تشويشٍ مستقبلية، ما يعكس تصاعد البعد الفضائي في الصراع الجيوسياسي بين الغرب وروسيا، ويدفع أوروبا إلى تسريع جهودها لبناء منظومةِ دفاعٍ فضائي قادرةٍ على رصد التهديدات وردعها.

مبادرة درع الفضاء الأوروبي
مبادرة درع الفضاء الأوروبي

وتُعد مبادرةُ الردع الأوروبي جزءًا من خريطة الطريق الدفاعية الأوروبية حتى عام 2030، التي تركز على أربع أولوياتٍ رئيسية: مواجهة الطائرات المسيرة، تعزيز الدفاعات الجوية، تطوير القدرات الفضائية، وحماية الجناح الشرقي للقارة. وتشير الوثيقة إلى أن تحقيق السلام الأوروبي لن يتم إلا عبر سياسة ردعٍ فعالة، مؤكدةً أن التفوق التكنولوجي أصبح العامل الحاسم في موازين القوة، وأن الدول التي تطور تقنياتها الدفاعية ذاتيًا ستكون الأقدر على الحفاظ على استقلالها واستقرارها.

ختامًا:

يبدو أن أوروبا تدخل مرحلة جديدة من سباق التسلح العالمي، لا تُقاس فيها القوة بعدد الدبابات أو الصواريخ، بل بمدى السيطرة على الفضاء كمنصة للهيمنة التكنولوجية والاستراتيجية. فبينما تسعى القارة إلى تحقيق استقلالها الدفاعي عن الولايات المتحدة، تجد نفسها أمام تحدياتٍ مركّبة، أبرزها تأمين التمويل، وتوحيد الرؤى السياسية والعسكرية بين دولها، ومجاراة التطور المتسارع لكلٍّ من الصين وروسيا في ميدان الحرب الفضائية.

 عسكرة الفضاء لم تعد خيارًا نظريًا، بل واقعًا مفروضًا على القوى الكبرى، وأوروبا – وإن تأخرت نسبيًا – تدرك أن الحفاظ على مكانتها في النظام الدولي يمر عبر امتلاك أدوات الردع الفضائي والتفوق التكنولوجي. ومع ذلك، فإن طموحها بالاستقلال الأمني يظلّ رهين قدرتها على التوفيق بين سيادة القرار الأوروبي وتكلفة الانخراط في سباقٍ لا يعرف حدودًا بين السماء والأرض.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء