المقاتلون الأجانب في الشمال السوري: عنوان جديد لصراع النفوذ والشرعية في سوريا
منذ عدة أيام، تصاعدت المواجهة بين "فرقة الغرباء" التي تضم مقاتلين فرنسيين، وبين عناصر الأمن العام التابعة للحكومة في دمشق، إلا أن الأسباب المعلنة لهذه المواجهة ليست كافية ولا مقنعة بصورة حاسمة، خاصة أن "فرقة الغرباء" لا تنضوي تحت لواء الحكومة السورية، كما أنها لم تنخرط بصورة جادة وإيجابية في مطالبات وزارة الدفاع السورية بتسليم السلاح من قبل الفصائل المسلحة.
عدة سياقات محلية ودولية قد تعيد تفسير المواجهة العسكرية التي نشبت منذ أيام بين فرقة الغرباء الفرنسيين وعناصر الأمن العام، والتي انتهت بمصالحة تبدو مؤقتة ولا تنهي الصراعات والمواجهات المؤجلة.

من هم فرقة الغرباء؟
تتشكل "فرقة الغرباء" وتعمل كفصيل مسلح داخل خريطة الجماعات المتطرفة المسلحة في سوريا، من عدة مقاتلين أجانب يحملون الجنسية الفرنسية، وترجع أصولهم إلى الجزائر والمغرب وتونس وعدة بلدان إفريقية، ويقودها الفرنسي من أصل سنغالي عمر ديابي (ويعرف باسم أومسن).
انضم أومسن إلى جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حاليًا) عندما كانت موالية لتنظيم "القاعدة"، وعندما انفصلت الهيئة عن القاعدة، انفصل أومسن عنها.
يتخذ الفصيل المسلح من "مخيم الفردان" بمدينة حارم في شمال غرب سوريا مقرًا له، ويعمل داخل مناطق نفوذه على نفي علاقته أو خضوعه لأوامر الإدارة الانتقالية الموجودة في دمشق، إذ تقوم المجموعة بتطبيق قوانين خاصة على مناطقها.

أسباب المواجهة والمصالحة
عدم انخراط "فرقة الغرباء" ضمن مشروع الحكومة في دمشق لجمع السلاح وحصره في يد الإدارة المركزية، وانغماسها في عمل دولة مصغرة في المخيم الواقع تحت سيطرتها، أسباب تثير قلق الحكومة السورية الانتقالية، خاصة بعد شكوى الأهالي من تجاوزات وانتهاكات لفرقة الغرباء بحق المدنيين، مثل اختطاف فتاة من والدتها، وهو الادعاء الذي أدلى به قائد الأمن الداخلي في محافظة إدلب غسان بكير تبريرًا للمواجهة.
بعض التقديرات تفيد بأن فتح ملف المقاتلين الأجانب، وخاصة غير المنضوين تحت لواء الحكومة الجديدة في دمشق، قد بدأ بفرقة الغرباء الفرنسيين، في محاولة لإخضاع المقاتلين الأجانب والوفاء بالتزامات حكومة أحمد الشرع مع أطراف دولية مثل أمريكا وروسيا وفرنسا، فقد طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اجتماعه بالدوحة مع الشرع، منتصف مايو الماضي، طرد جميع المقاتلين الأجانب من سوريا، ومن بينهم الفصائل الفلسطينية المسلحة، بينما تطالب فرنسا وروسيا بتسليم مطلوبين في سوريا.

لذا، فإن مطالبات الأمن العام السوري لقائد "فرقة الغرباء" عمر ديابي بتسليم نفسه، وهو ما قوبل بالرفض من الأخير، تُعد خطوة من قبيل احتجاز المقاتلين الأجانب لتسليمهم إلى بلادهم، في إطار الاستجابة للمطالبات الدولية بتسليم المطلوبين، وهو أمر لن تتجاهله الحكومة السورية في الوقت الذي تسعى فيه إلى توطيد سلطتها وإلغاء العقوبات الدولية.
التحالفات المخيفة
في أوج المواجهة بين الأمن العام وكتيبة الغرباء، أصدرت الأخيرة تسجيلًا لأحد المقاتلين الفرنسيين الأفارقة يلوم السوريين ويدعو لنصرة المهاجرين الفرنسيين الذين جاءوا لنصرة السوريين، وتلاها تداول مقاطع مصورة لمقاتلين أوزبك يعلنون الوقوف إلى جانب المهاجرين الفرنسيين ضد القبض عليهم وتسليمهم إلى فرنسا.
تدخل قوات الأمن العام السوري في مواجهة مع المقاتلين الفرنسيين حرَّك المخاوف داخل بقية المقاتلين الأجانب الأوزبك والشيشان، فربما تدور الدوائر عليهم في المرات المقبلة، خاصة أن الحكومة السورية تسعى لبسط نفوذها وتخفيف الضغوط الدولية عليها بترحيل المقاتلين الأجانب.
وقد تدفع المواجهة مع كتيبة الغرباء عددًا من الأطراف الضعيفة إلى الاستقواء ضد الإدارة الانتقالية في دمشق، وهذه الأطراف من المحتمل أن تجد قوتها في تكوين تحالفات قوية مع عصابات داعش وخلاياه المنتشرة في عدة بلدان شمال غرب سوريا، وأيضًا التحالفات مع المقاتلين الأجانب التركستانيين والأوزبك والطاجيك، ما قد يسمح بوجود تيار جهادي قوي يقف على النقيض من الحكومة السورية في دمشق.
المواجهات المؤجلة
تشير التحركات التي قامت بها مجموعات من المقاتلين الأجانب لنصرة كتيبة الغرباء إلى أنها نجحت في إجبار الأمن العام السوري على التراجع عن حصار مخيم الفردان والاستجابة للوسطاء، وتفعيل استراتيجية المصالحة والتوقف عن المطالبة بتسليم عمر ديابي نفسه للأمن العام السوري.
وقرر اتفاق المصالحة بين الطرفين وقف المواجهات العسكرية والحشد بين الجانبين، وتحويل النزاع إلى القضاء الشرعي في وزارة العدل، وتعهد أطراف من المقاتلين الأجانب بإتاحة المخيم للحكومة السورية وسحب الأسلحة الثقيلة إلى المعسكرات.

الاتفاق الذي جرى بين الطرفين تطرق بصورة واضحة إلى حقيقة الأزمة، وهي إخضاع المقاتلين الأجانب للحكومة السورية، فعلى الرغم من تعهد المقاتلين الأجانب بإتاحة المخيم للأمن العام، فإن الاتفاق ألزم الحكومة السورية بالتوقف عن مطاردة أي جماعة أو مقاتلين شاركوا في النزاع مثل المهاجرين الأوزبك والطاجيك الذين يشتركون في لواء مستقل يعرف باسم "أبو عبيدة بن الجراح".
ولأن الاتفاق يوقف المواجهة مؤقتًا ولا ينهيها، فإن تقريرًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان قال: إن "الوقائع على الأرض تُظهر أن هذا الترتيب قد يكون قناعًا مؤقتًا لتوترات أكبر عمقًا. فالجماعات الجهادية في إدلب ليست كيانات سهلة، بل تحمل هوية أيديولوجية متميزة تجعل دمجها تحديًا حقيقيًا. ويبرهن تفجر النزاع مع الغرباء على صعوبة التحديات التي تواجهها السلطة في دمشق مع المقاتلين الأجانب".
ختامًا:
وهكذا يبدو فعلًا أن التمايز الأيديولوجي الواضح بين المجموعات القتالية للمهاجرين يمنع اندماجها تحت لواء واحد، وهو ما يظل تهديدًا حقيقيًا يواجه الإدارة السورية الانتقالية.
وتشير المواجهة السريعة التي جرت خلال الأيام الماضية مع "كتيبة الغرباء" إلى أن ملف المقاتلين الأجانب يجر أطرافًا أخرى للمواجهة، وأن المصالحة هي مجرد تسكين مؤقت للصراعات المؤجلة، وهو ما يدفع الحكومة السورية إلى التفكير في طريقة مناسبة لتفكيك ملف المقاتلين الأجانب، الذي أصبح عبئًا بعدما كان في الماضي حليفًا مساعدًا في الوصول إلى السلطة وكسر النظام السابق وسقوطه.
ختامًا:
يمكن القول إنّ مواجهة "فرقة الغرباء" مع الحكومة السورية الانتقالية ليست حادثة عابرة، بل مؤشر على أزمة أعمق في بنية العلاقة بين السلطة الجديدة والمقاتلين الأجانب الذين لعبوا أدوارًا محورية في مراحل الصراع السابقة.
إنّ استمرار وجود هذه الفصائل خارج سلطة الدولة، واحتفاظها بسلاحها وولاءاتها العابرة للحدود، يمثل تهديدًا مباشرًا لمشروع توحيد القرار الأمني والعسكري تحت سلطة مركزية. كما أن أي محاولة لتفكيكها أو إخضاعها ستواجه بمقاومة شرسة قد تُدخل الشمال السوري في موجة جديدة من الفوضى والصدامات المتعددة الأطراف.
وعليه، فإن نجاح الحكومة الانتقالية في دمشق مرهون بقدرتها على إدارة ملف المقاتلين الأجانب بذكاء سياسي وأمني، يجمع بين الردع والمصالحة، ويمنع تشكّل تحالفات أصولية مسلحة جديدة قد تقوّض ما تبقّى من استقرار في المشهد السوري.



