إيران تعيد بناء قوتها الصاروخية: مشروع ردع لا يقبل المساومة
يمثل البرنامج الصاروخي الإيراني أحد أهم الملفات الخلافية بين إيران والغرب، في ظل إصرار طهران على تطوير برنامج الصواريخ الباليستية، ورغبة الغرب في تقليص قدرات إيران الصاروخية وخفض مداها، إلا أنه حتى الآن لم ينجح الغرب في تنفيذ هذه الرغبة رغم الضغوط المكثفة التي يمارسها على نظام طهران، الذي سعى إلى الاستمرار في التطوير الذي وصل إلى تجارب جديدة قادرة على حمل رؤوس متعددة والوصول إلى مدى يتجاوز ألفي كيلومتر.
وفي ظل التوترات المستمرة بين إيران والغرب يظل البرنامج الصاروخي حاضرًا، حيث يبقى هذا الملف مرتبطًا بقدرة إيران على الردع وقدراتها الدفاعية، ويبقى القلق الغربي من حسابات الأمن الإقليمي والتهديدات التي قد تمثلها القدرات الصاروخية الإيرانية، وهو ما يجدد المطالب الغربية بالحد من البرنامج الصاروخي الذي تعتبره طهران غير قابل للتفاوض.
إيران.. إعادة بناء القدرات وتعزيز الردع
في الوقت الذي تستعد فيه إيران لجولة أخرى من الحرب مع إسرائيل فإنها تعتبر تطوير قدراتها الصاروخية أبرز الأولويات، باعتبارها أحد أهم أدوات الردع العسكرية التي تملكها، خاصة بعدما تسببت حرب الاثني عشر يومًا في يونيو الماضي في تدمير أنظمة دفاعها الجوي، ورغم الضغوط الغربية والمساومات لتحجيم هذه القدرات فإن هناك مؤشرات على اتجاه إيران لإعادة بناء برنامجها الصاروخي.

وبالنظر إلى ترسانة إيران الصاروخية، يتبين حجم الإنهاك الذي تعرضت له خلال الحرب، حيث أطلقت 574 صاروخًا باليستيًا على إسرائيل، وفقًا للمعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي، فضلًا عن إطلاق 330 صاروخًا آخر في تبادلين لإطلاق النار قبل الحرب، وذلك في ظل تقديرات من جانب الجيش الإسرائيلي بأن ترسانة إيران الإجمالية تبلغ نحو 2500 صاروخ، وهو ما يعني أن أكثر من ثلث صواريخها أُطلقت.
هذا الإنهاك الذي تعرضت له المنظومة الصاروخية الإيرانية يدفعها إلى إعادة بناء مواقع إنتاج الصواريخ التي استهدفتها إسرائيل خلال حرب الاثني عشر يومًا، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية أن إيران بدأت في إعادة بناء مواقع إنتاج الصواريخ، لكن من المرجح أن يكون هناك مكون رئيسي مفقود - الخلاطات الكبيرة اللازمة لإنتاج الوقود الصلب للأسلحة، وفقًا لوكالة "أسوشيتد برس" التي حللت صور الأقمار الصناعية.
وبحسب الوكالة نفسها، فإن هذه الأجزاء المفقودة تُعرف باسم الخلاطات الكوكبية، وتتميز بشفرات تدور حول نقطة مركزية مثل الكواكب المدارية، وتوفر عملية خلط أفضل من أنواع المعدات الأخرى، ويمكن لإيران شراؤها من الصين، حيث يقول خبراء ومسؤولون أمريكيون إنهم اشتروا مكونات وقود صواريخ ومكونات أخرى في الماضي، إذ تحرص طهران على إعادة مواقع صواريخ الوقود الصلب، وذلك لأن صواريخ الوقود الصلب أسرع من تلك التي تعمل بالوقود السائل، وهذه السرعة تُحدث فرقًا كبيرًا بين إطلاق صاروخ وتدميره على منصة الإطلاق - وهو ما حدث خلال الحرب مع إسرائيل.
قلق أمريكي من تنامي القدرات الإيرانية
في ظل هذه التحركات من جانب إيران تنظر أمريكا لهذه القدرات أو محاولات إعادة بنائها باعتبارها تهديدًا يجب مواجهته، حيث يصف تقرير وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية لعام 2025 إيران بأنها أحد أبرز التحديات الإقليمية المستمرة للولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن طهران واصلت خلال عام 2024 تطوير قدراتها العسكرية غير المتماثلة، وعلى رأسها برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، كوسيلة لتعزيز الردع وموازنة التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.
ويلقي التقرير الضوء على البرنامج الصاروخي الإيراني فيصفه بأنه أصبح الأكثر تقدمًا في الشرق الأوسط من حيث المدى والدقة وعدد المنظومات التشغيلية، حيث طوّرت طهران أجيالًا جديدة من الصواريخ القادرة على ضرب أهداف يتجاوز مداها ألفي كيلومتر، ما يمكّنها من استهداف قواعد أمريكية وإسرائيلية وأوروبية دون الحاجة إلى قدرات جوية تقليدية.

وعن المساعي الإيرانية لتعزيز قدراتها الصاروخية يوضح التقرير أن إيران تركز على تحسين دقة الصواريخ أكثر من زيادة مداها، عبر أنظمة توجيه متطورة وتقنيات وقود صلب تتيح إطلاقًا أسرع واستجابة فورية للتهديدات، كما تعمل على دمج الطائرات المسيّرة الانتحارية وصواريخ كروز ضمن منظومة موحّدة للردع والهجوم المتدرج، ما يجعلها قادرة على تنفيذ ضربات متزامنة بأشكال متعددة يصعب اعتراضها بالكامل.
ويرصد التقرير أيضًا الأنشطة الإيرانية المتعلقة بالتجارب الصاروخية، حيث يشير إلى أن طهران تواصل اختبار صواريخ تحت غطاء الأبحاث الفضائية، إذ تُستخدم برامج إطلاق الأقمار الصناعية لتطوير تقنيات الدفع الصاروخي بعيدة المدى. وترى الوكالة أن هذه الأنشطة تمثل "مسارًا غير مباشر" نحو بناء قدرات لإطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات، رغم نفي طهران ذلك رسميًا.
ويعتبر التقرير أن إيران اكتسبت خبرات مهمة في هذا المجال من خلال تعاونها العسكري مع روسيا بعد اندلاع الحرب الأوكرانية، حيث حذر من أن هذا التعاون منح طهران خبرات تقنية إضافية في مجالات الملاحة الجوية والتوجيه الباليستي، كما وفر لها غطاءً سياسيًا في مجلس الأمن يعقّد أي محاولات غربية لفرض قيود على برامجها التسليحية.
أدوات أمريكية.. عقوبات وحصار شبكات التوريد

منذ الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو يولي اهتمامًا بمواجهة برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، والذي يعد أحد أهم الأسباب التي دفعته للانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة "الاتفاق النووي" في عام 2015، حيث أشار ترامب في تصريحات في ذلك التوقيت إلى أن الاتفاق فشل في "معالجة تطوير النظام للصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية".
منذ ذلك الحين أعلن ترامب أن الولايات المتحدة الأمريكية ستعمل مع الشركاء أو الحلفاء في المنطقة لمواجهة البرنامج الصاروخي الإيراني، إذ أكد في تصريحاته أن الولايات المتحدة ستواصل "العمل مع الحلفاء... للقضاء على تهديد برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني"، ودعت إدارة ترامب وقتها نظام إيران إلى "وقف نشرها للصواريخ الباليستية" في المنطقة، وطلبت من مجلس الأمن الدولي معاقبة طهران على "إطلاقها الصاروخي الاستفزازي والمزعزع للاستقرار".
وقد حظيت تحركات ترامب فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية بدعم من دول الترويكا الأوروبية "فرنسا – ألمانيا - بريطانيا"، حيث اتخذت الدول الثلاث مسارًا حاسمًا تجاه الصواريخ الإيرانية، وقد قادت فرنسا هذا المسار، حيث حذر وزير خارجيتها جان إيف لودريان في 30 أغسطس 2018 من أن إيران "لا يمكنها تجنب" المحادثات بشأن برنامجها الصاروخي. واعتبر لودريان أن مدى صواريخ إيران "يتجاوز حاجة إيران للدفاع عن حدودها".
وفي العام نفسه حثت مجموعة الدول الأوروبية الثلاث الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات على إيران بسبب تجاربها الصاروخية الباليستية، في ظل انتشار القدرات الصاروخية الإيرانية في جميع أنحاء المنطقة، معتبرة أن هذا الانتشار يمثل مصدر قلق إضافي وخطير، كما كان هناك توافق بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية الثلاث على أن إطلاق إيران للأقمار الصناعية بمثابة نقطة انطلاق لتطوير الصواريخ الباليستية العابرة.
ومنذ بداية الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو يمارس ضغوطًا قصوى على إيران لمواجهة برنامجها الصاروخي، وتمثلت هذه الضغوط في تشديد العقوبات، ففي مايو 2025 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كيانات وأفراد، معظمهم من الصين وهونغ كونغ، لدعمهم برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ووفق بيان وزارة الخزانة الأمريكية فإن إيران لا تزال تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الصين في أنشطتها "الخبيثة" في الشرق الأوسط.
ووفق بيان الخزانة الأمريكية، فإن هذه الكيانات والأفراد يدعمون جهود إيران الرامية إلى توطين تصنيع ألياف الكربون لاستخدامها في برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني. وتدعم هذه الكيانات والأفراد توريد ألياف الكربون ومشتقاتها ومعدات تصنيعها إلى مختلف المنظمات الفرعية التابعة للحرس الثوري الإسلامي التي تشرف على هذا الجهد، بما في ذلك منظمة أبحاث وجهاد الاكتفاء الذاتي التابعة للحرس الثوري الإسلامي (IRGC ASF RSSJO) ومنظمة أبحاث وجهاد الاكتفاء الذاتي التابعة للحرس الثوري الإسلامي (IRGC RSSJO) المصنفتين على قائمة العقوبات الأمريكية.
وأوضح البيان أن هذا الإجراء جاء بموجب الأمر التنفيذي رقم 13382، الذي يستهدف ناشري أسلحة الدمار الشامل وداعميهم، وأن الولايات المتحدة ستستخدم كل الوسائل المتاحة، بما في ذلك فرض عقوبات على الكيانات المتمركزة في بلدان ثالثة، لكشف وتعطيل مخططات إيران لشراء المعدات والعناصر التي تدعم برنامجها الصاروخي الباليستي، الذي يزعزع استقرار الشرق الأوسط.
وسبق هذا الإجراء خطوة مماثلة في فبراير 2025، حيث أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أن الولايات المتحدة الأمريكية فرضت عقوبات على ستة كيانات مقرها في جمهورية الصين الشعبية، بما في ذلك هونغ كونغ، والتي شاركت في شراء مكونات رئيسية من قبل كيانات مرتبطة ببرامج الطائرات بدون طيار والصواريخ الباليستية الإيرانية.
واعتبر بيان الخزانة الأمريكية أن هذا الإجراء يعد جزءًا من حملة الضغط القصوى التي يشنها الرئيس ترامب على النظام الإيراني، لتعطيل جهود كيانات إيرانية لإعادة تشكيل شبكة المشتريات الخاصة بها ومواصلة الحصول على أجزاء أساسية من الموردين الأجانب، متعهدًا بالعمل ضد المخططات المعقدة التي تستخدمها إيران لإخفاء امتلاكها لتقنيات حساسة لبرامجها الصاروخية والطائرات المسيرة. تُنتج هذه البرامج صواريخ وطائرات مسيرة تستخدمها إيران ضد حلفائنا، وتصدرها إلى جماعاتها الإرهابية الوكيلة وروسيا.
رد الفعل الإيراني.. الصمود كخيار استراتيجي
قوبلت الضغوط الغربية المستمرة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية برفض قاطع لمحاولات تحجيم البرنامج الصاروخي الإيراني، حيث اعتبرت إيران أن هناك إصرارًا غربيًا على نزع أهم سلاح لديها، وهو أمر غير قابل للتفاوض أو المساومة، ومن المرجح استمرار إيران في هذا المسار.
ويعتبر الرفض الإيراني أو الصمود أمام هذه الضغوط خيارًا استراتيجيًا وليس خيارًا تكتيكيًا أو تفاوضيًا يمكن العدول عنه، وذلك لما يمثله البرنامج الصاروخي الإيراني من أهمية قصوى للمشروع الإيراني في المنطقة، حيث يتجاوز البعد العسكري إلى بُعد النفوذ، إذ ترى طهران أن الضغوط الغربية في هذا الشأن تستهدف كبح نفوذها في المنطقة.
وفي تقديرات المسؤولين الإيرانيين، فإن برنامج الصواريخ الباليستية هو أهم سلاح لدى الجمهورية الإيرانية، ولذلك فإنه مهما كانت الضغوط فليس هناك مجال إلا للصمود، حيث قال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن "شرط الغرب لعدم تطبيق آلية الزناد كان خفض مدى صواريخ إيران إلى أقل من 500 كيلومتر، وهذا لم يكن مقبولًا لدينا".

ووفق رؤية لاريجاني، فإن الدول الغربية تسعى لأخذ أهم سلاح دفاعي للأمة الإيرانية، معتبرًا أن الأمر مرتبط بالأمن القومي الإيراني، ودعا الشعب الإيراني إلى الصمود "موحدًا وبصوت واحد" في مواجهة مثل هذه الضغوط، وهو ما يتفق مع تصريحات المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي الذي قال إن تصريحات دونالد ترامب المتكررة حول "تدمير البرنامج النووي الإيراني" مجرد "أوهام"، مهددًا بأن الحكومة الإيرانية ستستخدم صواريخها مجددًا إذا اقتضت الحاجة.
ويبدو من خلال تصريحات المسؤولين الإيرانيين أن التمسك بالبرنامج الصاروخي الإيراني مسألة سيادة وطنية وأمر يتعلق بالأمن القومي والنفوذ الإقليمي، ومهما تزايدت الضغوط فإن الحل يكمن في الصمود أمام الخطة الغربية لنزع أهم سلاح، وبالتالي فإن الخطاب الذي تصدره القيادات الإيرانية يرتكز على التعبئة والكرامة الوطنية.
ختامًا:
يمكن القول إن محاولات الولايات المتحدة الأمريكية منذ ولاية ترامب الأولى ربط البرنامج الصاروخي الإيراني بالمفاوضات النووية لم تسفر عن أي نتائج في هذا الصدد، وذلك لما يمثله البرنامج من أهمية كبيرة لدى إيران ويمس سيادتها وأمنها القومي ونفوذها الإقليمي بشكل مباشر.
ولأن إيران تعتبر أن برنامجها الصاروخي هو ركيزة أساسية لـ"منظومة الردع الثوري"، فمن المستبعد أن تخضع للضغوط التي تمارس عليها في هذا الشأن، ومن المرجح أن تتوسع في هذا الإطار من خلال خبرات وقدرات محلية وشراكات مع دول أخرى تستطيع أن تقدم لها الدعم في هذا المجال، وهو الأمر الذي سيمثل عامل توتر مستمر في علاقات إيران مع الغرب، الذي تبدو أدواته حتى الآن محصورة في الضغوط الاقتصادية وحصار شبكات التوريد بشكل نسبي.



