رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تهديدات حميدتي: تصعيد عسكري أم ورقة تفاوضية؟

محمد حمدان دقلو حميدتي
محمد حمدان دقلو "حميدتي"

خلال مقطع فيديو مصوّر لقائد الدعم السريع "حمدان دقلو" في 21 أكتوبر الحالي، انتقد دور الدول الداعمة لقوات الجيش الوطني السوداني، معلنًا شرعية استهداف أي مطار يمكن أن يقدّم دعمًا جويًا يستهدف قواته في دارفور وكردفان، وهي التهديدات التي اعتبرها محللون تخص مصر وإريتريا. ويأتي هذا التصعيد الميداني بين طرفي الحرب في السودان في سياق سعي أمريكي متصل لضرورة وقف الحرب وإيجاد مخرج لتوفير الإغاثة الإنسانية وفك الحصار عن مدينة "الفاشر". يناقش التحليل تطورات الموقف السوداني وذلك على النحو الآتي:

أولًا: خطاب حميدتي التصعيدي ضد الدول الداعمة للجيش السوداني

ليست هذه هي المرة الأولى التي يشير فيها "حميدتي" إلى دول الجوار الداعمة للجيش السوداني؛ ففي سابقة يونيو الماضي ذكر اسم "مصر" وعبّر عن رغبته في التفاهم وفتح قنوات اتصال مع الجانب المصري، وقد ترافق هذا الخطاب مع سيطرة قواته على المنطقة الحدودية الثلاثية.

أما خطاب أكتوبر، فقد ذهب بعض المحللين إلى تفسير قوله: "أي مسيّرات تخرج من دول مجاورة فهي هدف شرعي لنا" بأن المقصود هو دولة "إريتريا"، خاصة وأن الأخيرة تربطها حدود مشتركة وامتداد جغرافي لقبائل وإثنيات تمتد داخل السودان وإريتريا. أضف إلى ذلك أن الأخيرة توفّر الدعم لمقاتلي ميليشيا "فانو" المتمردة ضد نظام الحكم في إثيوبيا، بحسب المتخصص في الشؤون الإفريقية "عبد القادر عبد الغفار"، الذي كشف عبر قناته على اليوتيوب مسار اتجاه ميليشيات "فانو" التابعة لإثنية الأمهرة لتلقّي التدريب داخل إريتريا. وبدورها توفّر "أسمرة" الدعم للجيش السوداني، وذلك عبر تيسير إرسال شحنات عسكرية وطائرات مسيّرة، كما أفادت التقارير بأن إريتريا تُدرّب آلاف المقاتلين من الحركات المسلحة في دارفور، الذين انضموا منذ ذلك الحين إلى "قوة مهام مشتركة" شكّلتها السلطات في البلدين للقتال إلى جانب القوات السودانية النظامية في "كردفان" و"دارفور".

قوات الدعم السريع
قوات الدعم السريع

وتنذر هذه التطورات بزيادة وتيرة التوتر المتصاعد في القرن الإفريقي، على إثر التوترات الإريترية الإثيوبية، وتهديد الأخيرة بضرورة السيطرة على ميناء "عصب"، وتوتر العلاقات مع مصر على خلفية "سد النهضة" والتعنت الإثيوبي في ملفات ملء وإدارة وتشغيل السد، وهو التعنت الذي يدفع السودان ضريبته كأول المتأثرين بانفراد القرار الإثيوبي بتشغيل سد النهضة الأحادي، وعدم التنسيق مع دول المصب.

ثانيًا: تصريحات مسعد بولس والمفاوضات في واشنطن

كانت الخارجية الأمريكية قد أصدرت بيانًا في 12 سبتمبر مع دول الرباعية الدولية تدعو فيه إلى ضرورة التوصل لهدنة إنسانية وإدخال المساعدات الإنسانية، خاصة إلى "الفاشر" التي تحاصرها قوات الدعم السريع. وفي مطلع سبتمبر أكد "مسعد بولس" أن الولايات المتحدة تجري محادثات مع طرفي الصراع في السودان، وقد أعلنت الرباعية الدولية أن هناك وفودًا من الجانبين في واشنطن لإجراء محادثات غير مباشرة.

وعلى الرغم من إعلان مجلس السيادة السوداني عدم المشاركة في أي نوع من المفاوضات عبر الرباعية الدولية — بسبب اعتراضه على الوجود الإماراتي الداعم الرئيسي للدعم السريع — فإن الجانب الأمريكي أكد استمرار هذه المحادثات. غير أن التقارير الإعلامية صباح اليوم أكدت انسحاب وفد "الدعم السريع" ورفضه المقترحات المقدمة له، وهي: فك حصار "الفاشر"، والانسحاب من المدن التي يسيطرون عليها، ووقف الهجمات العدائية، وإدخال المساعدات، والشروع في تطبيق توحيد المؤسسات العسكرية داخل مؤسسة موحدة.

قوات الدعم السريع
قوات الدعم السريع

ترافق انسحاب وفد الدعم السريع مع هجمات متتالية على مقر الفرقة 16 في "الفاشر" وإعلان السيطرة على مقارها، مع تأكيد الجيش أن انسحاب قواته كان لهدف تكتيكي وليس إعلانًا للهزيمة.

ثالثًا: الدعم السريع يسيطر على "الفاشر"

تمثل السيطرة على مدينة "الفاشر" عاصمة ولاية "دارفور" نقطة فارقة في الصراع الأهلي؛ فعلى الرغم من وجود قبائل عربية تدعم "حميدتي"، فإن المكونات الإثنية الأخرى لا يبدو أنها على نفس الخط، فتورط الدعم السريع في جرائم إبادة جماعية ضد إثنيات "الفور" و"المساليت" و"الزغاوة"، التي وثقتها الجهات الأممية والدولية، يؤشر إلى تفاقم الجرائم ضد هذه الإثنيات لإخضاعها وإحكام السيطرة عليها وعلى الأقاليم التي تضم موارد طبيعية نادرة. أي إن السيطرة عليها تعني سقوط آخر معقل لقوات الجيش، والسيطرة على اقتصاد الإقليم، وتفاقم الأزمة الإنسانية.

قوات الدعم السريع
قوات الدعم السريع

وبإعلان السيطرة على "الفاشر"، ووجود حكومة موازية برئاسة "حميدتي"، ودعم أطراف إقليمية، يمكن أن يتحقق ما يريده قائد الدعم السريع من شرعنة وجوده وتقسيم السودان، وهو الخطاب الذي لا يزال مستشارو الدعم السريع يطرحونه سواء عبر وسائل الإعلام المرئية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وما يعمق هذه الأزمة هو جذور الانقسام بين مكونات المجتمع السوداني نفسه، وغياب توافق وطني حول خط سياسي واضح لتوحيد المؤسسات وتكوين حكومة مدنية موحدة، هذا فضلًا عن موقف القوى الإسلامية وأتباع نظام البشير في رؤيتهم للتواجد سياسيًا في أي ترتيب سياسي مقبل، وكل هذا يعقّد المشهد الراهن ويفاقم الأزمات الإنسانية في السودان.

وأخيرًا، تعتبر تهديدات "حميدتي" حلقة في مسلسل التنديد بالأطراف الداعمة للجيش السوداني، كما أن سيطرته على "مدينة الفاشر" تُعد تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في الحرب السودانية؛ إذ يعظّم من فرصه في أي مفاوضات ويضعف من قوة الجيش السوداني، وهو ما يستدعي ردًا فوريًا وحاسمًا من الأخير.

وبطبيعة الحال، ستتفاقم الأوضاع الإنسانية، وتتعقد جهود الإغاثة، وفي النهاية نبقى في دائرة مفرغة من الصراع الأهلي ومعاناة السودانيين.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء