رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مناورات باكستان وأذربيجان.. تعزيز التحالفات وإعادة التوازن الإقليمي

مناورات أذربيجان
مناورات أذربيجان مع باكستان - أرشيفية

أُجريت باكستان مناورات قتالية جوية مع أذربيجان، حيث وصلت قبل أيام قوة من القوات الجوية الباكستانية تضم طائرات مقاتلة من طراز "JF-17 Thunder Block-III"، برفقة طاقم جوي وبري، هبطت في أذربيجان للمشاركة في مناورات قتالية جوية ثنائية. وتهدف التدريبات التي تسمى "درع السند ألفا" إلى تعزيز التفاهم المتبادل والتنسيق التكتيكي والتوافق التشغيلي بين القوات الجوية الباكستانية والأذربيجانية، وفق بيان للجيش الباكستاني.

وتأتي المناورات ضمن مساعي تعزيز العلاقات المتنامية بين الطرفين، خاصة التعاون العسكري، حيث ركزت التدريبات على تكتيكات الحرب الجوية الحديثة، والتخطيط المشترك للمهام وتنفيذها في بيئة تتشكلها التطورات التكنولوجية السريعة وديناميكيات القوة الجوية المتطورة. وتمثل المناورات أيضًا منصة حيوية لتبادل الأفكار التشغيلية وتعزيز الاستجابات التعاونية للتحديات الناشئة في مجال الدفاع الجوي.

مناورات أذربيجان مع باكستان - أرشيفية
مناورات أذربيجان مع باكستان - أرشيفية

ويبدو اهتمام باكستان بإجراء المناورات الجوية على عدة مستويات، حيث جاءت هذه المناورات بعد مناورات أجرتها باكستان العام الماضي تحت عنوان "درع السند 2024"، وهو أكبر تمرين إقليمي متعدد الجنسيات، بمشاركة 24 دولة، بهدف تعزيز التوافق التشغيلي والتدريب من خلال مرافق متطورة. وشارك في الحدث عدد من قادة القوات الجوية وكبار المسؤولين العسكريين من الدول الحليفة، ووصفته التقارير الباكستانية بأنه حدث "ضخم".

وتأتي المناورات الأخيرة مع أذربيجان ضمن ما يمكن تسميته بـ"تحالف المصالح"، الذي تتشكل ملامحه بين "باكستان – تركيا – أذربيجان" في إطار الموازنة الإقليمية، خاصة في ظل الخطر الذي تستشعره باكستان من جانب الهند، في ظل التحركات الجيوسياسية لنيودلهي تجاه أفغانستان مؤخرًا.

تحالف المصالح والتوازن الإقليمي

تمثل المناورات بين أذربيجان وباكستان أحد الأنشطة التي تدور في إطار تحالف المصالح وإحداث "التوازن الإقليمي"، ويشمل هذا التحالف العديد من المزايا التكاملية للدول الأطراف المشاركة فيه. فهذه المناورات لا تقتصر على النواحي التدريبية فقط، بل تشمل أيضًا صفقات التسليح ونقل الخبرات، وعمليات التسليح ونقل التكنولوجيا، إضافة إلى التنسيق السياسي والدبلوماسي بهدف إعادة تشكيل موازين القوى في القوقاز وربطها بجنوب آسيا.

مناورات أذربيجان مع باكستان - أرشيفية
مناورات أذربيجان مع باكستان - أرشيفية

أولًا: نقل الخبرات وصفقات التسليح

بدأ تعزيز التعاون في عدد من الأنشطة بين أطراف التحالف بعد الدعم العسكري من تركيا وباكستان لأذربيجان خلال الحرب التي استمرت 44 يومًا ضد أرمينيا حول منطقة ناغورنو كاراباخ في عام 2020. اجتمعت الدول الثلاث في إسلام آباد في يناير 2021 لعقد اجتماع ثلاثي، اتفقت خلاله على توسيع التعاون في المجالات السياسية والاستراتيجية والتجارية والاقتصادية والسلام والأمن، مع إعادة التأكيد على الدعم المتبادل بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وتتيح هذه المناورات تعزيز التوافق التشغيلي مع القوات الأجنبية، وإظهار أحدث طائراتها وكوادرها الماهرة على الساحة الدولية، كما تُعزز هذه المشاركات الدبلوماسية الدفاعية والعلاقات الاستراتيجية مع الدول الشريكة، ما يؤسس لشبكة تحالفات إقليمية تضم باكستان وأذربيجان وتركيا.

وتشمل صفقات التسليح بيع طائرات مقاتلة من باكستان لأذربيجان، حيث أعلن الجيش الباكستاني في ديسمبر 2024 أن البلاد وقعت عقدًا لبيع طائرات مقاتلة من طراز "JF-17 بلوك 3" لأذربيجان، وتم إنتاج الطائرة بشكل مشترك من قبل المجمع الباكستاني للصناعات الجوية وتطويرها بشكل مشترك مع الصين، التي أصبحت إسلام آباد أقرب إليها مع ضعف العلاقات مع حليفها العسكري التقليدي الولايات المتحدة على مدى السنوات القليلة الماضية.

مناورات أذربيجان مع باكستان - أرشيفية
مناورات أذربيجان مع باكستان - أرشيفية

ويشمل التعاون أيضًا تطوير القدرات العسكرية، حيث صرّح وزير الدفاع الأذربيجاني، ذاكر حسنوف، بأن بلاده تستفيد من القدرات الدفاعية لتركيا، شريكها الرئيسي في التعاون العسكري. وفي يناير 2025، وضعت تركيا وباكستان اللمسات الأخيرة على خطط إنشاء وتشغيل منشأة مشتركة لإنتاج طائرة "كآن" المقاتلة التركية، واتفقا على التعاون في تطوير وتصنيع الطائرة.

وفي فبراير من العام نفسه، ناقشت سلطات صناعة الدفاع من أذربيجان وتركيا، خلال اجتماع عقد في معرض الدفاع الدولي (IDEX-2025) في أبوظبي، التعاون العسكري التقني الناجح بين البلدين وتعهدت بمواصلة تعزيز العلاقات في صناعة الدفاع من خلال استكشاف آفاق المشاريع المشتركة.

ردود فعل جيوسياسية.. وتنافس دفاعي

تشير التحركات الأخيرة بين باكستان وأذربيجان إلى ردود فعل جيوسياسية وإجراءات أمنية استراتيجية، في ظل التحركات الهندية الأخيرة تجاه أفغانستان لتطويق باكستان، خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي إلى الهند، ورفع مستوى بعثتها الفنية إلى بعثة دبلوماسية في كابول. كما أعلنت "طالبان" أنها سترسل دبلوماسيين إلى سفارتها في نيودلهي.

وفي ظل هذه التحركات من جانب الهند تجاه طالبان، وفي التوقيت الذي تزداد فيه الخلافات بين كابول وإسلام آباد والاتهامات المستمرة من جانب إسلام آباد لكابول بإيواء جماعات إرهابية، وكذلك اتهامات إسلام آباد للهند بدعم الجماعات الإرهابية، ترى باكستان أن هذه التحركات والتقارب يتطلب رد فعل جيوسياسي لإحداث نوع من التوازن الإقليمي وتعزيز القدرات الدفاعية والقدرة على الانتشار الإقليمي.

على الجانب الآخر، ترى أذربيجان أنها مطالبة بنفس التحركات لتعزيز قدراتها الدفاعية والعسكرية والاتجاه للمزيد من صفقات التسليح، وذلك في الوقت الذي تطور فيه أرمينيا علاقاتها العسكرية والدفاعية مع الهند، وبعد زيارة وزير الدفاع الأرميني سورين بابيكيان إلى نيودلهي في أكتوبر 2022، تحول دعم الهند لأرمينيا إلى مستوى عالٍ من خلال توفير أنظمة مدفعية هندية وصواريخ مضادة للدبابات وذخيرة بقيمة 245 مليون دولار أمريكي.

القوات المسلحة بأذربيجان- أرشيفية
القوات المسلحة بأذربيجان- أرشيفية

ووفقًا لتقارير هندية، طلبت أرمينيا 3 إصدارات من نظام إطلاق الصواريخ المتعدد "بيناكا" من الهند، والذي أنتجته منظمة البحث والتطوير الدفاعي (DRDO)، وبموجب عقد بقيمة 250 مليون دولار أمريكي، طلبت أرمينيا إصدارات من أنظمة بيناكا إم كيه-1 (مدى 37.5 كم) وبيناكا إم كيه-1 المحسنة (45 كم) وبيناكا الموجهة (75 كم). وبذلك أصبحت الهند الشريك الرئيسي لأرمينيا في التعاون العسكري التقني.

في المقابل، كثفت أذربيجان من صفقاتها من الطائرات المقاتلة، حيث أكدت الحكومة الباكستانية أن أذربيجان وسعت رسميًا طلبها لشراء طائرات "JF-17" من 16 إلى 40 طائرة، وذلك في إطار اتفاقية دفاعية بقيمة 4.6 مليار دولار. ويُعدّ هذا أكبر عقد تصدير دفاعي تبرمه باكستان على الإطلاق، ويمثل دفعة قوية للطائرة التي طورتها باكستان بالتعاون مع الصين، وقد تسلمت أذربيجان أول طائرة من طراز "JF-17" في 25 سبتمبر 2024.

يأتي اتجاه أرمينيا إلى الهند في تعزيز دفاعها بعد اعتمادها لفترة طويلة بشكل كبير على روسيا للحصول على معدات عسكرية بأسعار مخفضة، ووفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإن 94% من واردات أرمينيا من الأسلحة بين عامي 2011 و2020 جاءت من روسيا. وقد تغير هذا الوضع جذريًا بعد أن مُنيت أرمينيا بهزيمة نكراء في حرب عام 2020. ومنذ ذلك الحين، سعت يريفان إلى تنويع مصادرها الدفاعية، وخفضت وارداتها من الأسلحة من روسيا إلى 10% بحلول عام 2024.

 

الجيش الباكستاني - أرشيفية
الجيش الباكستاني - أرشيفية

ومن المتوقع أن تسعى نيودلهي من جانبها إلى عقد مزيد من الصفقات مع أرمينيا وزيادة أنظمتها لمواجهة استحواذ أذربيجان على مقاتلات من باكستان، المنافس اللدود للهند، بالإضافة إلى الحصول على مقاتلات جديدة لمحاولة التنافس مع أذربيجان في الجو. وفي ظل هذه الخطوات من كل الأطراف، فإن الأمور مرشحة للمزيد من التنافس في صفقات التسليح لتحقيق التوازن.

ختامًا

تكشف المناورات الأخيرة بين باكستان وأذربيجان طبيعة التحالفات في المنطقة، واتجاه كل طرف لتعزيز قدراته في مواجهة الطرف الآخر (باكستان – أذربيجان – تركيا) في مواجهة تحالف مضاد تقوده الهند وأرمينيا. ويبدو من المناورات العسكرية المتكررة بين باكستان وأذربيجان وتركيا أن هناك اتجاهًا جادًا لتعزيز التعاون الدفاعي لتحقيق الردع والانتشار العملياتي في مواجهة الطرف الآخر.

ولا تقتصر هذه المناورات على الجوانب التدريبية فقط، لكنها تمثل نواة لتكتل دفاعي يضم العديد من المزايا التكاملية لكل طرف، والتي تؤسس لشبكة أمنية إقليمية قد تنجح في تحقيق التوازن الردعي في القوقاز، والعمق الجيوسياسي الذي قد يتحقق لباكستان خارج حدود جنوب آسيا، وهو ما يؤسس لمرحلة جديدة من التنافس العسكري وإعادة توزيع موازين القوى.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء