رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"الحجاب الإجباري" بين الشريعة والسياسة.. مأزق الشرعية في النظام الإيراني

 الحجاب الاجباري
الحجاب الاجباري في طهران - أرشيفية

بعد عامين من وفاة الفتاة الكردية الإيرانية مهسا أميني بسبب الحجاب، ما أدى إلى انتفاضة شعبية كبرى، عاد قانون "الحجاب الإجباري" في إيران إلى الواجهة مجددًا، وذلك وسط حالة من الجدل حول إلزامية القانون من عدمها. لكن التطور الجديد هذه المرة هو الانقسام غير المسبوق داخل التيار الأصولي نفسه، الذي كان حتى وقت قريب يُعدّ المدافع الأول عن إلزامية الحجاب باعتباره رمزًا دينيًا وركنًا من هوية الثورة، وهو ما يمثل تحولًا داخل الجبهة المتشددة في إيران التي كانت تمثل الجبهة الأكثر تشددًا فيما يتعلق بالقضايا الدينية، ومن بينها الحجاب الذي يمثل رمزية دينية.

وقد بدا الخلاف داخل التيار الأصولي من خلال تصريحات أحد كبار رموزه، وهو محمد رضا باهنر، عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي قال إنه لا يوجد حاليًا قانون إلزامي بشأن الحجاب. وأضاف: "القرار العام للنظام حاليًا هو عدم وجود قانون إلزامي بشأن الحجاب. إذا لاحظتم وجود مخالفة أو غرامة في مكان يخالف هذا القرار، يمكنكم الإبلاغ عن الأمر". وتابع: "لقد قلت بصراحة إن البعض يسعون إلى فرض الحجاب. لم أؤمن، ولا أؤمن، بفرض الحجاب منذ البداية".

وألمح "باهنر" إلى إمكانية التوترات التي قد يثيرها الإصرار على تطبيق القانون في الشارع الإيراني، قائلًا: "لا أستطيع تطبيق قانون قد يُثير الاقتتال في المجتمع"، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى ضرورة الالتزام بالعادات والتقاليد واحترامها كما هو الحال في أي دولة، مضيفًا: "لكن السؤال الجوهري هو: ما مدى حرية التعري؟ في النهاية، ينبغي أن تكون هناك حدود، فلكل دولة عاداتها الخاصة في اللباس، ويجب الالتزام بها". وقد قوبلت هذه التصريحات بهجوم من نواب متشددين داخل الجبهة ذاتها. فهل يكون القانون سببًا في تصدع الجبهة الأصولية؟

مظاهرة معارضة للحجاب الاجباري في طهران -أرشيفية
مظاهرة معارضة للحجاب الاجباري في طهران -أرشيفية

ما هو قانون الحجاب الإجباري في إيران؟

بدأت إرهاصات قانون "الحجاب الإجباري" بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حيث صرح آية الله الخميني، زعيم الثورة الإيرانية، في مارس من العام نفسه، بأن "الوزارات الإسلامية لا يجب أن تصبح أماكن للمعاصي، ولا يجوز للنساء الذهاب إلى الوزارات الإسلامية عاريات، بل يجب عليهن ارتداء الحجاب. لا بأس بالذهاب إلى العمل، ولكن عليهن ارتداء الحجاب الإسلامي".

وعندما أُقر قانون العقوبات الإسلامي لعام 1982، لم يذكر الحجاب صراحة، لكن أحد أحكام المادة (102) من القانون الذي صدر عام 1983 نص على أن "النساء اللاتي يظهرن في الأماكن العامة دون الحجاب الإسلامي سيُحكم عليهن بما يصل إلى 74 جلدة". وفي عام 1986 أُقرّ قانون لمقاضاة البائعين الذين يبيعون ملابس تُخالف الشريعة الإسلامية أو تُخلّ بالحياء العام، وتنص المادة (4) من هذا القانون على أنه "يُعتقل ويُحاكم فورًا كل من يرتدي ملابس أو يضع مكياجًا مخالفًا للشريعة الإسلامية أو يُشجع على الفساد أو يُخلّ بالحياء العام".

 

وفي سبتمبر 2022، أثار قانون الحجاب أزمة كبرى، بعدما تعرضت الفتاة الكردية مهسا أميني للاعتقال الذي أفضى إلى وفاتها بزعم عدم ارتدائها الحجاب بشكل صحيح، ما أشعل احتجاجات جماهيرية واسعة. ونفت طهران مسؤوليتها عن وفاتها، لكن محققي الأمم المتحدة خلصوا إلى أنها "تعرضت لعنف جسدي أدى إلى وفاتها"، وألقوا باللوم على شرطة الآداب. وأدت حملة القمع التي تلت الاحتجاجات إلى مقتل ما لا يقل عن 500 شخص واعتقال أكثر من 22 ألفًا. ومنذ ذلك الحين، أصبحت النساء الإيرانيات في الشوارع يتجاهلن بشكل متزايد قانون الحجاب القائم.

وعقب هذه الأزمة، أعلنت إيران أنها ستعيد النظر في القانون الذي يعود تاريخه إلى عقود مضت، والذي يلزم النساء بتغطية رؤوسهن، وذلك بعد أكثر من شهرين من الاحتجاجات العنيفة المرتبطة بقواعد اللباس. وقال المدعي العام الإيراني محمد جعفر منتظري إن "البرلمان والقضاء يعملان على هذه القضية بشأن ما إذا كان القانون يحتاج إلى أي تعديلات". وأكد الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي أن الأسس الجمهورية والإسلامية لإيران راسخة دستوريًا، لكن هناك "أساليب مرنة لتطبيق الدستور".

مظاهرة معارضة للحجاب الاجباري في طهران -أرشيفية
مظاهرة معارضة للحجاب الاجباري في طهران -أرشيفية

إرجاءات مستمرة.. ومخاوف التنفيذ

الإرجاءات المتكررة تكشف عن مأزق حقيقي داخل النظام بين شرعية الثورة التي تستند إلى فرض القيم الإسلامية، وشرعية البقاء التي تقتضي احتواء المجتمع الغاضب. ففي ديسمبر 2024، دخل قانون "حماية الأسرة من خلال تعزيز ثقافة العفة والحجاب"، المعروف بقانون الحجاب، والمؤلف من 74 مادة، حيز التنفيذ. ويفرض القانون عقوبات صارمة على النساء والفتيات اللواتي يخالفن شروط الحجاب، بما في ذلك الغرامات الباهظة، وأحكام السجن، والجلد، وحتى الإعدام. لكن تم إرجاء التنفيذ بعد ردة فعل عنيفة من الجمهور والمجتمع الدولي، وطلب المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في رسالة إلى البرلمان، وقف عملية تطبيق القانون حتى تتمكن الحكومة من تقديم مشروع قانون معدل، حسبما قال أحد أعضاء هيئة رئاسة البرلمان.

ورأت الحكومة الإيرانية أنه من الأفضل تأجيل تنفيذ القانون والحديث عن احتمالية إجراء تعديلات لامتصاص غضب الشارع. وقال نائب الرئيس الإيراني شهرام دبيري إن "القانون سيتم مراجعته مرة أخرى من قبل القيادة السياسية ومجلس الأمن القومي"، وهو أعلى هيئة أمنية في البلاد، لافتًا إلى أنه بموجب المناقشات التي جرت، تقرر عدم إحالة القانون إلى الحكومة من قبل البرلمان، مضيفًا أنه "من غير الممكن تنفيذ هذا المشروع الآن"، وذلك بعد معارضة من الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان للتشريع.

وفي مايو الماضي، تم إرجاء تنفيذ القانون مرة أخرى، حيث أعلن رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أن المجلس الأعلى للأمن القومي أصدر تعليماته للسلطة التشريعية بعدم تطبيق القانون. وقال قاليباف للنواب: "على الرغم من أنني لم أكن أنوي الإعلان عن ذلك علنًا بهذه العبارات الصريحة، فقد كتب المجلس الأعلى للأمن القومي رسميًا إلى البرلمان، موجهًا لنا بعدم إصدار قانون الحجاب والعفة في الوقت الحالي"، وجاءت تصريحاته ردًا على طلب من النائب المتشدد محمد تقي نقدالي، الذي حث رئيس البرلمان على إحالة مشروع القانون إلى السلطة التنفيذية لتنفيذه.

المرشد الإيراني
المرشد الإيراني

صراع متجدد.. ومؤشرات انقسام الأصوليين

جاءت تصريحات محمد رضا باهنر، عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، بأنه لا يوجد حاليًا قانون إلزامي بشأن الحجاب، وتأكيده أن القرار العام للنظام هو عدم وجود قانون إلزامي، وأنه لم يؤمن بفرض الحجاب منذ البداية، لتثير الجدل مرة أخرى، خاصة في ظل المطالب المتكررة لفصائل أخرى داخل التيار الأصولي بضرورة الإسراع في تطبيق القانون.

ووصلت الضغوط من جانب نواب متشددين إلى تنظيم اعتصامات خارج البرلمان اعتراضًا على عدم الإسراع في تطبيق القانون، لكن الشرطة فضتها في النهاية. وقد وجه محمد منان رئيسي، النائب المتشدد، اتهامات للمجلس الأعلى للأمن القومي مؤخرًا بخيانة المؤيدين الأساسيين للجمهورية الإسلامية من خلال وقف تطبيق ما أسماه "وصايا الله"، وهو ما يؤشر على مدى الصراع الدائر داخل التيار الأصولي.

وتعرض محمد رضا باهنر لحملة انتقادات وهجوم واسعة بعد تصريحاته بعدم إلزامية الحجاب، من قبل الأصوليين المتشددين الذين اتهموه بمعارضة "الشريعة الإسلامية". وقال المتحدث باسم "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في منشور على شبكة X موجه للسيد باهنر: "أنت لست المتحدث باسم النظام، ولم يتخلَّ النظام عن الحجاب، وهو أمر الله".

وتوالت الانتقادات لـ"باهنر" لمجرد استخدامه مصطلح "الحجاب الإلزامي"، حيث اعتبر حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة "كيهان" وممثل المرشد الأعلى فيها، أن هذا المصطلح صاغه واستخدمه أعداء الإسلام والثورة بهدف جعل الحجاب غير ضروري ومناهضًا للحرية، معتبرًا أن المصطلح الصحيح هو "الحجاب والعفة". في حين اعتبر المتحدث باسم اللجنة الثقافية في البرلمان الإيراني أن تصريحات "باهنر" تشجيع على السفور.

ختامًا

رغم أن الخطاب المزدوج هو أحد أدوات السياسة الخارجية الإيرانية، إلا أن ذلك كان يتم عبر الرؤى المتباينة بين التيارين الأصولي والإصلاحي في كيفية التعامل مع الأزمات الخارجية. لكن الأزمة الراهنة حول قانون الحجاب الإجباري تعكس خطابًا مزدوجًا داخل التيار الأصولي نفسه، أي داخل معسكر السلطة الفعلية في إيران. وإذا كان الهدف من هذه الازدواجية هو الجمع بين الحفاظ على شرعية النظام العقائدية، فقد كان يمكن تنفيذ ذلك عبر التيار الإصلاحي الذي يبدي تحفظه على هذا القانون منذ البداية.

وربما يدرك بعض قيادات التيار الأصولي تراجع قدسية رجال الدين في إيران، ما يتطلب خطابًا مختلفًا يستطيع احتواء الشارع، خاصة الأجيال الجديدة، وتجنب الدخول في مواجهات مفتوحة مع قطاعات واسعة من الشعب الإيراني. هذا الازدواج في الخطاب قد يؤدي إلى تصدع تدريجي داخل الجبهة الأصولية، حيث يتجاهل المتشددون داخلها ضرورة تحقيق معادلة "الحفاظ على العقيدة دون خسارة الشارع".

ومن المهم أيضًا التأكيد على أن الإرجاءات المستمرة لتنفيذ القانون لا يمكن اعتبارها مراجعة تشريعية حقيقية أو نزولًا على مطالب الشارع الإيراني، بقدر ما هي محاولة لتأجيل الانفجار المحتمل بسبب تطبيق القانون، في ظل ضغوط داخلية غير مسبوقة لا تحتمل ضغوطًا أخرى، ومع إدراك النظام الإيراني ضرورة ترميم الجبهة الداخلية وتعزيز الالتفاف الشعبي حول النظام في مواجهة ضغوط خارجية تضع مستقبله على المحك.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء