رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مدغشقر.. جدلية الشرعية تطارد الكولونيل في الداخل والخارج

 الكولونيل مايكل
الكولونيل مايكل راندريانيرينا الحاكم العسكري لمدغشقر

تشهد مدغشقر نقطة مفصلية في تاريخها السياسي بعد أن تدخل الجيش بشكل مباشر في إدارة شؤون الدولة عقب احتجاجات شعبية واسعة سببها التدهور الاقتصادي وتراجع مستوى الخدمات، فقد خرجت شرائح واسعة من المواطنين، يتصدرها الشباب من جيل "زد"، إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم من انقطاع الكهرباء والمياه، وارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، واتهامات الفساد التي لاحقت الحكومة السابقة. ومع تصاعد الاحتجاجات، انضم الكولونيل ميشال راندريانيرينا، قائد وحدة كابسات العسكرية، إلى المظاهرات وتدخل بحجة حماية الدولة من الانهيار، واستولى على السلطة، مما دفع الرئيس للفرار إلى الخارج خوفًا من انتقام الجيش والجماهير. 

غير أن التدخل العسكري لم يأت في صورة انقلاب صريح يسعى إلى السيطرة الكاملة، بل اتخذ منحى مختلفًا يقوم على إشراك المدنيين في مواقع قيادية داخل السلطة الانتقالية. ومع ذلك، لم يتراجع الاتحاد الإفريقي عن قرار تجميد عضوية مدغشقر للضغط على حكامها الجدد ودفعهم إلى العودة إلى المسار الديمقراطي.

وحدة كابسات العسكرية -أرشيفية 
وحدة كابسات العسكرية -أرشيفية 

مجلس انتقالي

وقد أعلن الجيش منذ الأيام الأولى عن تدخله لتشكيل مجلس انتقالي يضم ضباطًا ومسؤولين مدنيين، واختيار شخصية مدنية لرئاسة الحكومة، في محاولة واضحة لإظهار أن المرحلة القادمة ليست قطيعة كاملة مع الحكم المدني، بل إعادة ترتيب لما وصفه القادة العسكريون بالأسس الدستورية التي تضررت خلال السنوات الماضية.

هذا السلوك يعكس وعيًا سياسيًا لدى المؤسسة العسكرية للتغلب على جدلية شرعية الحكم الجديد، ففي الداخل، تدرك قيادة الجيش أن مشكلات المواطنين ليست سياسية فحسب، بل هي معيشية مباشرة، وأن شرعيتها المستقبلية لن تُبنى إلا إذا استطاعت تحسين هذه الأوضاع بسرعة، خاصة وأن أنصار الرئيس السابق بدأوا في تنظيم احتجاجات سلمية للتشكيك في شرعية حكم الكولونيل. وبالنسبة إلى الخارج، تعلم القيادة المدغشقرية الجديدة أن المجتمع الدولي والمؤسسات المالية الكبرى لا تقدم الدعم ولا تسهل الاستثمارات في ظل أنظمة عسكرية مغلقة، لذلك جاء إشراك المدنيين كخطوة ضرورية لتجنب العزلة.

الحكم الديمقراطي

ومع ذلك، فإن هذه الصيغة الجديدة تحمل نمطًا مزدوجًا؛ فمن جهة تقدم نفسها كمرحلة انتقالية مؤقتة تمهد للعودة إلى الحكم الديمقراطي عبر انتخابات محددة زمنيًا، ومن جهة أخرى يبقى الجيش هو صاحب القرار الفعلي في الملفات الكبرى مثل الأمن والسياسة الخارجية وتعيينات المناصب الحساسة، وهذا يثير مخاوف جدية من أن يتحول النظام إلى حكم عسكري بواجهة مدنية، بحيث يبقى المدنيون مجرد أدوات لشرعنة السلطة دون امتلاك القدرة على توجيه السياسات.

وحدة كابسات العسكرية -أرشيفية  
وحدة كابسات العسكرية -أرشيفية  

وتزداد هذه المخاوف لأن مؤسسات الحكم المنتخبة سابقًا قد جرى تعليق عملها أو حلها، ما يعني غياب آليات الرقابة والمساءلة التقليدية التي تمثل جوهر الحكم الديمقراطي. كما أن تجربة الدول الإفريقية في هذا النوع من الحكم المختلط، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء، تظهر أن المراحل الانتقالية كثيرًا ما تطول وتتحول إلى أنظمة مستقرة لا تسمح بالتداول الفعلي للسلطة، وعوضًا عن إصلاح المشكلات قد تتعمق الأزمة بين السلطة والمجتمع إذا لم يتم اتخاذ خطوات فورية لتحسين الوضع المعيشي.

ورغم هذه المخاطر، فإن هناك فرصًا يمكن البناء عليها؛ فالشارع الذي كان محتقنًا ويطالب بإسقاط الحكومة السابقة لا يزال في حالة ترقب ولم يتحول إلى صدام مع الجيش، وهذا يوفر فرصة لخلق توافق وطني حول أولويات المرحلة الانتقالية مثل إصلاح البنية التحتية، وتوفير الكهرباء والمياه، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي. كما أن إشراك قوى مدنية وشبابية في الحوار السياسي قد يساعد على بناء قاعدة دعم للانتقال من الحكم العسكري المؤقت إلى حكم منتخب يتمتع بشرعية شعبية.

 الكولونيل مايكل راندريانيرينا الحاكم العسكري الجديد لمدغشقر
 الكولونيل مايكل راندريانيرينا الحاكم العسكري الجديد لمدغشقر

عامل الحاسم

وتبقى العلاقة بين الجيش والمدنيين هي العامل الحاسم في مستقبل التجربة، فإذا استطاعت القيادة العسكرية أن تلتزم بجدول زمني واضح للانتقال، وأن تمنح المدنيين حرية حقيقية في إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية، فقد تنجح التجربة.

وتجدر الإشارة إلى أنه إذا تم تشكيل لجنة مستقلة تشرف على الانتخابات المقبلة، فقد تتمكن مدغشقر من الخروج من أزمتها نحو استقرار نسبي. أما إذا تم تأجيل الانتخابات أو تقييد دور المدنيين أو استخدام خطاب الأمن الوطني لتبرير استمرار سيطرة الجيش، فإن البلاد قد تدخل في دائرة من الحكم الطويل ذي الطابع العسكري، الذي قد يؤدي لاحقًا إلى موجات احتجاج جديدة وربما صدامات اجتماعية وسياسية.

وفي النهاية، تقف مدغشقر اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن تكون المرحلة الحالية جسرًا نحو إعادة بناء الدولة ومؤسساتها من خلال شراكة متوازنة بين الجيش والقوى المدنية، وإما أن تتحول إلى بداية صيغة جديدة من الحكم القائم على القوة بدلًا من التمثيل الشعبي.

ختامًا:

تظل جدلية الشرعية تطارد العديد من الأنظمة في إفريقيا جنوب الصحراء، وفي هذا الإطار تحاول التجربة الجديدة في مدغشقر التغلب على هذه المعضلة عبر اعتماد سياسة إشراك المدنيين في الحكم، لإعطاء انطباع بأن النظام الجديد ليس عسكريًا فقط بل يمثل المدنيين أيضًا.

ويعتمد اتجاه الأحداث على قدرة الأطراف المتداخلة على إدراك أن الاستقرار الدائم لا يتحقق بالقوة وحدها، بل عبر بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتوفير ما يحتاجه المواطن من خدمات وكرامة وفرص حياة عادلة.

إسلام جمال*

 باحث دكتوراة متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء