بعد إلغاء اتفاق القاهرة.. ما هي التزامات إيران تجاه وكالة الطاقة الذرية؟
جاء إعلان طهران إلغاء اتفاق التعاون الذي وقعته مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر الماضي، تنفيذًا لتهديد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بتعليق التعاون مع الوكالة إن تمت إعادة تطبيق عقوبات الأمم المتحدة مرة أخرى، وهو ما تم بالفعل في نهاية سبتمبر بناءً على مذكرة رفعتها المجموعة الأوروبية التي تضم فرنسا وبريطانيا وألمانيا.
وكان اتفاق القاهرة بمثابة محاولة سريعة لمنع الخطوة الأوروبية، إلا أنه لم يؤتِ ثماره، فتراجعت عنه طهران سريعًا، فطالما أنه لم يؤدِّ الغرض منه أصبح يُنظر إليه كالتزام وعبء إضافي لا فائدة منه، ولم يعد الإيرانيون ملزمين إلا بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية دون أي قيد قانوني آخر.
فقد كان الاتفاق النووي المبرم عام 2015 يقيد الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات الأممية، لكن الاتفاق فقد جزءًا من فاعليته بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية منه عام 2018، وبحلول عام 2022 فقد الكثير من أهميته بسبب كثرة الخروقات، وبحلول 18 أكتوبر 2025 انتهى مفعوله تمامًا بشكل قانوني.

وقد أعلنت طهران أنه اعتبارًا من 18 أكتوبر صارت ملزمة فقط بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية دون أي قيود إضافية مفروضة، أي عدم عسكرة البرنامج النووي وقصره على الاستخدامات السلمية دون وضع التزامات للتحقق من ذلك، وهو ما حاول الاتفاق النووي معالجته عبر فرض قيود كثيرة على كمية المواد النووية ودرجة نقائها ونوع الأجهزة وأعداد تلك الأجهزة، وفرض مراقبة مستمرة وصارمة بكاميرات تتبع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
التعاون الإيراني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية
بالرغم من أن إيران تعلن التزامها بمعاهدة منع الانتشار النووي، إلا أن الالتزام بهذه المعاهدة هو الآخر يواجه صعوبات فعلية، خاصة بعد إقرار مجلس الشورى الإيراني، في 25 يونيو 2025، قانونًا يقضي بتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد اتهامات للوكالة بالتورط في دعم العدوان الإسرائيلي على طهران، واعتبر مجلس الشورى أن الحكومة الإيرانية باتت ملزمة قانونًا بتعليق كل أشكال التعاون مع الوكالة، بما يشمل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية واتفاقيات الضمانات، حتى يتم تلبية شروط من بينها تأمين سلامة المنشآت النووية والعلماء.
وتكمن خطورة هذا القانون في أنه يهز التزام إيران بمعاهدة منع الانتشار، وهي معاهدة ملزمة قانونًا، بخلاف اتفاق الضمانات غير الملزم قانونًا، لأن طهران وقّعت عليه لكنها لم تصدق عليه في مجلس الشورى، فلم يكتسب صفة الإلزام القانوني.
أما القانون الأخير، الذي يلزم الحكومة بتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقد صادق عليه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 2 يوليو الماضي، وأدخله بموجب هذا التصديق حيّز التنفيذ، أي أن هناك تعارضًا بين الالتزامات القانونية الإيرانية، ما بين التزامات الداخل والخارج المتعارضة.

إذ يمنع القانون الجديد الالتزام بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لا سيما إجراء أي تفتيش أو تركيب كاميرات مراقبة داخل المفاعلات النووية أو إرسال تقارير متابعة إلى الوكالة الدولية، إلا بعد موافقة مسبقة من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ونص القانون الإيراني على أن يستمر هذا التعليق ساريًا حتى تُضمن سلامة المنشآت والسيادة الوطنية.
ويقود أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، هذا الملف بتكليف من المرشد الإيراني، لكن اشتراط موافقة هذا المجلس على أي تعاون مع الوكالة يجعل التصعيد الإيراني فارغًا من مضمونه إلى حدٍّ كبير، والدليل على ذلك توقيع اتفاق القاهرة الذي كان قبل إلغائه يفتح المجال لعودة التعاون مع الوكالة، رغم أنه لم يجد سبيله إلى التنفيذ وظلّ حمّال أوجه حتى تم إلغاؤه مؤخرًا.
وبذلك، لم تعد إيران ملزمة إلا بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية واتفاق الضمانات الموقَّع بين الدول والوكالة الدولية للطاقة الذرية. فمعاهدة منع الانتشار هي الأساس القانوني الدولي لمنع انتشار السلاح النووي، وتهدف إلى منع الدول غير النووية من تطوير أسلحة نووية، وتمكين تلك الدول من استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، ودفع الدول النووية نحو نزع سلاحها تدريجيًا. وبمجرد أن تصادق دولة ما على هذه المعاهدة، تصبح ملزمة قانونيًا بعدم امتلاك سلاح نووي.
أما اتفاق الضمانات، فهو اتفاق ثنائي يُبرم بين كل دولة والوكالة الدولية للطاقة الذرية تنفيذًا لبنود معاهدة منع الانتشار، ويهدف إلى التحقق من التزام الدولة باستخدام برنامجها النووي في الأغراض السلمية فقط، ويتضمن عمليات تفتيش، ووضع كاميرات المراقبة داخل المنشآت النووية، وتقديم تقارير دورية عن المواد والأنشطة النووية، أي أن اتفاق الضمانات هو الآلية الفنية للتحقق والأداة التنفيذية التي تضمن تطبيق المعاهدة على أرض الواقع، ومن دونه تفقد المعاهدة فعاليتها في ضمان سلمية البرامج النووية.
ورغم ذلك، فإن الوكالة أبرمت بروتوكولًا إضافيًا مع إيران للمزيد من التحقق من سلمية برنامجها النووي، وهو ما تنصلت منه إيران بعد ذلك تمامًا، مما جعل برنامجها النووي بمعزل عن المراقبة الدولية الدقيقة.
تناقض القوانين الداخلية
وختامًا، فإن العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية تبدو متجهة نحو مرحلة جديدة تتسم بمزيد من الغموض والتوتر، سواء على المستوى القانوني أو السياسي أو الأمني، فطهران تجد نفسها اليوم في موقعٍ أكثر تعقيدًا، إذ تواجه تناقضًا واضحًا بين التزاماتها الدولية بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وبين قوانينها الداخلية التي فرضها مجلس الشورى الإيراني وأقرها الرئيس مسعود بزشكيان.

هذا التناقض يُضعف الموقف القانوني لها أمام المجتمع الدولي، ويزيد من احتمالات المواجهة الدبلوماسية وربما العقوبات الجديدة، فإلغاء اتفاق القاهرة لم يكن مجرد خطوة إدارية أو تقنية، بل انعكاسًا لتحوّل استراتيجي في رؤية إيران لطبيعة تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فبعد أن فقد الاتفاق النووي لعام 2015 فعاليته بانتهاء مدته في أكتوبر 2025، عادت طهران لتتعامل مع الوكالة على أساسٍ محدودٍ ومحسوب، مقتصرٍ على الحد الأدنى الذي تفرضه معاهدة منع الانتشار دون التزامات إضافية بالتحقق أو المراقبة.
ومع ذلك، فإن تعليق التعاون الكامل، بما في ذلك اتفاقيات الضمانات، يعني عمليًا انسحابًا غير معلن من أهم أدوات الشفافية التي يعتمد عليها المجتمع الدولي لضمان سلمية البرنامج النووي الإيراني.
سياقٍ إقليمي متفجر
وتزداد خطورة هذا المسار إذا ما نظرنا إليه في سياقٍ إقليمي متفجر، حيث ترتفع حدة التوتر بين إيران وإسرائيل، وتزداد الاتهامات المتبادلة بشأن استخدام المنشآت النووية في الصراعات غير التقليدية، ويكشف قرار مجلس الشورى تعليق التعاون مع الوكالة غلبة الدوافع الأمنية الداخلية على الاعتبارات القانونية الدولية، ما يفتح الباب أمام مواجهة محتملة بين إيران من جهة، والوكالة والمجتمع الدولي من جهة أخرى.
ورغم أن القيادة الإيرانية، ممثلة بالمجلس الأعلى للأمن القومي، لا تزال تحتفظ بمرونة تسمح لها بإعادة فتح قنوات التواصل متى ما اقتضت الظروف السياسية أو الأمنية، إلا أن الوضع الحالي يجعل تلك المرونة محدودة ومرهونة بحسابات داخلية متقلبة. فإيران تحاول في الوقت نفسه طمأنة الداخل بأنها تحافظ على سيادتها واستقلال قرارها النووي، وطمأنة الخارج بأنها لا تسعى لتصنيع السلاح النووي، وهو توازن صعب قد لا يصمد طويلًا أمام الضغوط الدولية المتصاعدة.
إذ فقد أضحت التزامات إيران تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أضيق نطاق ممكن منذ عقدين، ومع استمرار انعدام الثقة بين طهران والغرب، وغياب أي أفق لاتفاق جديد شامل، فإن الملف النووي الإيراني مرشح لأن يبقى بؤرة توتر إقليمي ودولي في السنوات المقبلة، وربما يكون أحد المفاتيح الأساسية لإعادة رسم خريطة الأمن في المنطقة بأسرها.



