رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إيران وإسرائيل.. صراع مفتوح يترقب لحظة الانفجار

المرشد الإيراني ونتنياهو
المرشد الإيراني ونتنياهو

تشهد العلاقات بين إيران وإسرائيل حالة توتر تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية في إطار صراع حول موازين القوة والشرعية والهيمنة في المنطقة العربية، وتبدو احتمالات اندلاع حرب جديدة بين الطرفين قائمة، ويتحدد وزن كل احتمال بناءً على مجموعة من العوامل التي تؤثر في قرارات إشعال الحرب أو تجنبها.

ورغم أن تل أبيب أرسلت تطمينات إلى طهران عبر روسيا بأن إسرائيل لا تسعى إلى شن حرب ضدها، فإنه لا توجد مؤشرات على أن الإيرانيين أخذوا هذه التطمينات بجدية، بل استمروا في تعزيز القدرات الدفاعية لقواتهم المسلحة، فبدلًا من أخذ التعهد الإسرائيلي على محمل الجد والركون إليه، تم تفسيره كخطوة لإثناء الروس عن دعم طهران عسكريًا وتقليص حجم الشحنات العسكرية لها، خاصة وأن الرسالة الإسرائيلية جاءت بعد أيام قليلة من تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأن تهديد تل أبيب بشن هجوم ضد إيران لا يزال قائمًا، كاشفًا عن حصوله على معلومات تفيد بأن تل أبيب تدرس خيارات عسكرية جديدة ضد طهران.

ترامب ونتنباهو
ترامب ونتنباهو

احتمالات المواجهة

على المدى القريب، تبدو إمكانية اندلاع حرب شاملة منخفضة، وذلك لأن الطرفين ما زالا يستوعبان آثار الاشتباكات الكبيرة التي اندلعت في الفترة الأخيرة، والتي أظهرت حدود القوة والتكاليف الباهظة لأي مواجهة مباشرة، وقد سعى الجانب الإيراني إلى تثبيت معادلة ردع جديدة تجعل كلفة الهجوم أكبر من مكاسبه، كما أن القوى الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة، تضغط بشكل مباشر لتفادي الانفجار الكبير خشية انهيار الأمن الإقليمي وتضرر المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل وجود دوافع تدفع نحو الاحتكاك من جديد، فهناك اعتبارات سياسية داخلية في كل من طهران وتل أبيب، حيث قد يستخدم القادة العمل العسكري لتقوية الجبهة الداخلية أو لإعادة تشكيل الخطاب السياسي في لحظات الضغط أو التراجع، كما أن ساحة الصراع غير المباشر عبر الوكلاء تمثل بيئة قابلة للاشتعال السريع، إذ إن أي خطأ في الحساب أو رد مفرط من أحد الأطراف قد يتحول إلى مواجهة أوسع من المتوقع.

ورغم أن شبكة القوى المرتبطة بإيران، مثل حزب الله اللبناني وفصائل الحشد الشعبي في العراق، تم إضعافها بحيث لم يعد لها قدرة على الرد كما كان في السابق، إلا أن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة.

أما على المدى الأطول، فإن احتمالات المواجهة بين تل أبيب وطهران قد ترتفع بصورة أكبر مع استمرار تطور البرنامج النووي الإيراني ومشاريع الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، ومع سعي إسرائيل للحفاظ على تفوقها العسكري النوعي. وهذه المعادلة بطبيعتها لا تقبل الفراغ أو التعايش طويل المدى، إذ يسعى كل طرف إلى منع الآخر من الوصول إلى نقطة توازن قوى مريحة، مما يجعل الصراع في حال تحرك مستمر، وإن بدا هادئًا أحيانًا.

فقد لا تتخذ المواجهة المقبلة شكل حرب برية واسعة بسبب البعد الجغرافي، وإنما قد تأتي في صورة ضربات جوية مركزة أو حرب سيبرانية أو استهدافات دقيقة للبنية العسكرية والنووية، أو عمليات عبر وكلاء في مسارح مختلفة، وقد تكون حربًا متقطعة أكثر منها حربًا مستمرة، وقد تكون مزيجًا بين الميدان والإعلام والضغط الاقتصادي والنفسي.

وتجدر الإشارة إلى أن المؤشرات التي تستدعي المراقبة الدقيقة فيما يتعلق باحتمالات اشتعال مواجهة عسكرية بين الطرفين تشمل أي تعبئة عسكرية استثنائية لدى أيٍّ منهما، أو تغيرًا في مستوى التنسيق بين إيران وحلفائها، أو تصريحات سياسية تنزع الغطاء عن مساعي التهدئة، كذلك فإن موقف القوى الكبرى سيكون حاسمًا في تحديد سقف التصعيد وحدوده.

بوتين والمرشد الإيراني
بوتين والمرشد الإيراني

تجهيزات المعركة المرتقبة

يسابق الإيرانيون الزمن لتطوير ترسانتهم الصاروخية وتعزيز دفاعاتهم التي دُمّرت في حرب الاثني عشر يومًا في يونيو الماضي، وتصدر تقارير كثيرة عن إجراء طهران تجارب صاروخية، بجانب تصريحات لمسؤوليها حول اعتماد أنظمة عسكرية جديدة، ويحرصون على التهديد بأنهم لن يترددوا في شن ضربة استباقية إذا شعروا بأن تل أبيب توشك على مهاجمة بلادهم، كما يسعون إلى كسب دعم كلٍّ من موسكو وبكين للحصول على أنظمة دفاع جوي متطورة، بعدما استباح سلاح الجو الإسرائيلي أجواء إيران بلا أي رادع خلال الحرب السابقة، التي استغلت إسرائيل فيها عنصر المفاجأة واستخدمت قدرات متطورة وجهت ضربات قاسية لطهران، وهو ما يبدو غير مرجح الحدوث في الجولة المقبلة، سواء شنت إيران الهجوم أو بادرت إسرائيل به، لأن التحفز والترقب صار سيد الموقف اليوم، ولم تعد التطمينات تجدي نفعًا ولا تنطلي على أحد.

شكوك حول جدوى المواجهة العسكرية

بغض النظر عن الحسابات السابقة، فإن شكوكًا حول جدوى المواجهة العسكرية تثور في إسرائيل بسبب الاعتقاد بأن الحملات الجوية وحدها لا يمكن أن تُسقط نظام الملالي، بل قد تزيد من التماسك الداخلي في إيران، حتى لو تم قتل المرشد الأعلى، بالإضافة إلى غياب أي رؤية إسرائيلية واضحة حول كيفية إنهاء الحرب المقبلة حال اشتعالها، وكيفية تفادي التورط في حرب استنزاف طويلة يُعتقد أن كلفتها على إسرائيل أكبر من كلفتها على إيران، نظرًا للعمق الجغرافي الإيراني الكبير نسبيًا.

أما في الملف النووي بشكل خاص، فمن المشكوك فيه أن حملة جديدة قد تُلحق ضررًا دائمًا بالمفاعلات النووية الإيرانية الثلاثة، كما أن الضربات الجوية مهما كانت حدتها، فلن تمحو المعرفة التي يمتلكها العلماء النوويون الإيرانيون، ولن تقضي على كل المواد النووية المخزنة في أماكن سرية. لكن رغم كل تلك الشكوك والتحفظات، فلا يمكن استبعاد احتمال اندلاع مواجهة عسكرية فجائية بين الطرفين.

 

ختامًا:

 اندلاع حرب جديدة بين إيران وإسرائيل ليس قدرًا محتومًا، لكنه احتمال قائم يتوقف على كيفية إدارة خطوط الاحتكاك، وعلى قدرة الوسطاء الدوليين والإقليميين على الحفاظ على قنوات الاتصال، وعلى استعداد كل طرف لتحمل كلفة التصعيد أو تجنبه. إن الصراع في جوهره صراع نفوذ ورؤية ومكانة في النظام الإقليمي، وهو صراع طويل النفس لا تحسمه جولة واحدة، كما أثبتت الأحداث السابقة، بل يتشكل باستمرار تبعًا لمعادلات القوة والتحالفات والردع المتبادل، ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن الحسابات الإقليمية بصفة عامة.

إسلام جمال*

 باحث دكتوراة متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء