عسكرة البحر الأحمر: تصعيد حوثي يعيد شبح الحرب بعد مقتل الغماري
جاء خطاب عبد الملك الحوثي، زعيم الميليشيات الحوثية في اليمن، والذي حمل تهديدات بعودة المواجهات البحرية، ليرفع المخاوف من إشعال التوترات في البحر الأحمر وتهديد خطوط الملاحة الدولية، إذ تحدث الحوثي عن بدء مرحلة جديدة من التصعيد العسكري وتكثيف التجنيد والنفير العام في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
ويهدف هذا التحشيد إلى تعزيز قدراتهم العسكرية لمواصلة وتوسيع هجماتهم في البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، ووصف الحوثي عمليات جماعته بأنها "انتصار تاريخي وإذلال" للولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا، مؤكداً أن الضربات الجوية التي تشنها هذه الدول على الميليشيات فاشلة، ولم تحد من قدرتهم على شن الهجمات، بل زادتهم إصرارًا.

ووفقًا لزعمه في خطابه الطويل الذي امتد لما يزيد على ساعة، فقد استهدفت الميليشيات السفن المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، في إطار ما وصفته بـ"معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس"، مبررًا هذه الهجمات بأنها نصرة للشعب الفلسطيني في غزة، مشيرًا إلى أن حالة الميليشيات بعد مقتل رئيس أركانها، محمد الغماري، في غارة إسرائيلية ما زالت قوية، وتحافظ على جهوزيتها للعمليات العسكرية ضد أهداف الاحتلال في حال استئناف الحرب في غزة، متجاهلًا الفظائع الدموية التي ترتكبها الميليشيات ضد السكان الآمنين في اليمن بدوافع طائفية تشبه كثيرًا ما تفعله قوات الاحتلال في أهالي غزة مثل تفجير البيوت على السكان واعتقال المدنيين وحصار وتهجير السكان بما يخالف أبسط حقوق الإنسان.
ويأتي هذا الخطاب التصعيدي في ظل استمرار الهجمات الحوثية التي أدت إلى اضطراب كبير في حركة الملاحة الدولية، وإطلاق الولايات المتحدة وحلفائها عملية "حارس الازدهار" لحماية السفن، وتصنيف واشنطن للميليشيا الموالية لطهران كمنظمة إرهابية عالمية.
ويمكن قراءة تهديدات الحوثي في ضوء تعثر المسارات الدبلوماسية بين طهران والغرب فيما يتعلق بترتيبات الملفين النووي والصاروخي، لذلك يلجأ نظام الملالي إلى تحريك أذرعه الإرهابية في المنطقة لتأجيج التوترات واستخدام ذلك كأوراق ضغط ضد الغرب في حال بدأت المفاوضات بين الطرفين.

التداعيات المتوقعة للتصعيد الحوثي
التأثير الاقتصادي المباشر على قناة السويس
يؤدي التصعيد الحوثي إلى انخفاض حاد في حركة المرور في قناة السويس التي تعد الشريان الذي يربط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، إذ تستهدف الميليشيات المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، مما جعل هذا الطريق محفوفاً بالمخاطر، ونتيجة لذلك، اختارت كبرى شركات الشحن العالمية تحويل مسار سفنها لتسلك الطريق الأطول والأكثر كلفة حول رأس الرجاء الصالح الذي يمر عبر سواحل جنوب إفريقيا، وبالتالي فإن تهديدات الحوثي بعودة المواجهات تمثل تهديداً للدول العربية المتشاطئة في البحر الأحمر التي تتضرر بأضعاف ما تتضرر تل أبيب التي لا تملك سوى ميناء وحيد شبه متوقف في هذه الناحية وهو إيلات.
ويؤدي التصعيد الحوثي إلى خسارة فادحة في الإيرادات للاقتصاد المصري، إذ تشكل رسوم عبور القناة مصدراً رئيسياً للعملات الصعبة في مصر، بينما كشفت تقارير عن انخفاض إيرادات القناة بنسبة تتراوح بين 40% و50% منذ بدء الأزمة، مما يضع ضغطًا هائلًا على الاقتصاد المصري الذي يعاني بالفعل من تحديات مثل التضخم ونقص العملة الأجنبية، فضلًا عن فقدان الميزة التنافسية لقناة السويس التي تختصر مدة الرحلة بين آسيا وأوروبا بحوالي 10 إلى 14 يوماً، فعندما يصبح الطريق المختصر غير آمن، تفقد القناة ميزتها الأهم، حتى لو كان الطريق البديل أطول وأكثر كلفة.
التأثير على سلاسل الإمداد العالمية
مع ازدياد الهجمات على السفن في مضيق باب المندب ترتفع تكاليف الشحن العالمي، لأن الطريق حول إفريقيا يضيف آلاف الأميال البحرية لكل رحلة، مما يعني زيادة هائلة في استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل وأجور الطواقم، مما يزيد الأسعار على المستهلكين، ويؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة في أوروبا وأمريكا الشمالية مثلًا، من السيارات والإلكترونيات إلى الملابس والمواد الغذائية، فضلاً عن تأخير وصول البضائع فيحدث اضطراب في جداول الإنتاج والتوزيع العالمية، مما يخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق، كما يرفع أقساط التأمين على السفن التي تقرر المخاطرة والمرور عبر البحر الأحمر، وتتسبب أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في رفع تكلفة التجارة العالمية.
وتجدر الإشارة إلى أنه حتى قبل أن تبدأ أي مواجهات فعلية، فإن مجرد التهديد من شأنه أن يؤدي إلى وقوع بعض تلك التأثيرات مثل رفع تكلفة التأمين تحسباً لوقوع مواجهات قريبة.

الأبعاد الاستراتيجية للتصعيد الحوثي
تهديد الأهمية الاستراتيجية لموقع مصر الجغرافي:
لطالما كانت قناة السويس ورقة استراتيجية قوية تمنح القاهرة نفوذًا إقليميًا ودوليًا، لكن الأزمة الحالية تظهر أن أهمية القناة مرتبطة بشكل عضوي بأمن الممرات المائية الأخرى مثل باب المندب، مما يقلل من النفوذ المصري مؤقتًا ويجعل أمنها الاقتصادي رهينة لأفعال الميليشيات الموالية لطهران في اليمن.
تعزيز نفوذ إيران وذراعها الحوثي:
فنجاح الميليشيات في تعطيل 12% من التجارة العالمية يمنحها نفوذًا يفوق بكثير حجمها وقدراتها العسكرية التقليدية، ويحولها من طرف محلي في حرب أهلية إلى لاعب إقليمي قادر على التأثير على الاقتصاد العالمي، مما يعطيها ورقة ضغط قوية في أي مفاوضات مستقبلية، وبالتالي يُجير هذا النفوذ لصالح نظام الملالي ويمنحه ورقة تفاوضية قوية.

التدخل العسكري الدولي:
فإن تهديد الملاحة البحرية استدعى تدخلًا عسكريًا أجنبيًا تحت شعار حماية التجارة العالمية، وهذا التدخل يحمل خطر التصعيد واتساع رقعة الصراع في منطقة شديدة الاضطراب بالفعل، مما يزيد من زعزعة استقرار المنطقة بدلاً من إرساء الاستقرار بها.
خلاصة تحليلية
في النهاية، فإن التصعيد الحوثي في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ليس مجرد تهديد للسفن، بل هجوم مباشر على أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، وهي قناة السويس، حيث تواجه مصر خسائر مالية فادحة وضغوطًا اقتصادية متزايدة. ولا يمكن حل هذه الأزمة عبر الوسائل العسكرية فقط، بل يتطلب الأمر حلًا سياسيًا شاملًا للصراع في اليمن ومعالجة للقضية الفلسطينية التي تستخدمها الميليشيات الموالية لطهران ذريعة لهجماتها التي تضر بالدول العربية ولا تساعد أهل غزة كثيرًا.



