لبنان وحزب الله.. بين صراع السيادة الوطنية وتحدي النفوذ الإقليمي
يواجه حزب الله اللبناني مأزقًا كبيرًا بعد حربه الخاسرة مع إسرائيل وما أعقبها من تسويات أضرت بنفوذه بشكل بالغ، ووضعته أمام تحدٍ لاستعادة نفوذه السياسي الذي تآكل بفعل تكاليف الحرب على المجتمع المحلي، وسط تزايد المطالب المحلية والإقليمية والدولية بإنهاء دوره المعروف وتسليم سلاحه، خاصة مع تحول هذه الضغوط إلى مبادرات سياسية رسمية وخطط حكومية تتطلب استجابة أو مواجهة.
أبعاد الأزمة
لفهم الأزمة يجب العودة إلى وظيفة سلاح حزب الله في منظوره، إذ يعتبر سلاحه سلاح مقاومة ضد إسرائيل، وفي منظوره الداخلي هو غطاء نفوذ سياسي واجتماعي يوفر له ميزات انتخابية ومالية وخدماتية وسط حاضنته الشعبية.
واليوم تطالب الدولة، كأي دولة، بامتلاك احتكار القوة، مما يتصادم مع رواية الحزب التي تصوغ سلاحه كجزء من منظومة الدفاع الوطني، خاصة ما دام هناك احتلال حقيقي أو تهديد استراتيجي للبنان.وقد كانت هذه المعادلة قابلة للاحتواء ما دام الردع الذي يوفره الحزب قائمًا، لكن الأوضاع اليوم غير قابلة للاحتواء بنفس الشكل بعد تصاعد المطالبات الدولية والإقليمية بإنهاء وجود السلاح خارج سلطة الدولة.

محاولات حزب الله لاستعادة النفوذ
لم يقف الحزب الموالي لطهران مكتوف اليدين أمام هذا الوضع، بل سعى إلى إعادة بناء روايته الإعلامية والسياسية عبر التشديد على أن سلاحه حماية وطنية وليس أداة طائفية أو أداة نفوذ إيراني فقط، كما لجأ إلى إعادة ترتيب شبكاته الاجتماعية والخدماتية في القواعد الشعبية لتجديد رابط الولاء لدى من تعرضوا إلى الحصار الاقتصادي والدمار الناتج عن الحرب والتهجير بعد دمار مناطقهم، خاصة في جنوب البلاد والضاحية الجنوبية لبيروت، كما لجأ إلى محاولة الانخراط في صيغ تفاوضية تتيح له الحفاظ على بعض القدرات كوسيلة للضغط للحصول على مكاسب سياسية في المرحلة الجديدة.
وفيما يتعلق بأسلوب العمل العسكري، تحول حزب الله من النشاط العسكري المعلن في الجنوب إلى الوجود في أماكن سرية تفاديًا للاستهداف، خاصة مع استمرار الغارات الإسرائيلية ضده.
وتعكس تلك الخطوات قراءة الحزب لحقيقة مفادها أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية ولن تضمن عودة الهيمنة السياسية بالشكل الذي كانت عليه قبل السابع من أكتوبر وما تلاه.

مطالبات تسليم السلاح وأجندات الضغط
لم تبدأ مطالبات تسليم سلاح حزب الله خلال الفترة الأخيرة، بل كان ذلك مطلبًا داخليًا لبنانيًا على الدوام منذ اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية، ورسخ احتكار حزب الله للسلاح في الجنوب بحجة المقاومة، وذلك بدعم من النظام السوري الحليف مع إيران، لكن الطلب يتجدد اليوم.
ويحمل أبعادًا دولية وإقليمية تتراوح بين رغبة إسرائيل في إزالة التهديد القادم من الشمال، إلى حرص الولايات المتحدة على استقرار نسق سياسي يمكنهم التعامل معه، ويعتمدون في ذلك على تعزيز دور الجيش اللبناني كقوة رسمية تحتكر السلاح الثقيل، وهو توجه ترى دول غربية وإقليمية أنه شرط لإعادة الإعمار وتدفق المساعدات بعد الحرب وعودة الاستثمارات، بل أيضًا يتم وضع هذا المطلب كشرط لانسحاب إسرائيل من النقاط الخمس في الجنوب.
مأزق الشرعية والسيادة
ينقسم اللبنانيون حول مسألة نزع سلاح حزب الله، فجزء منهم يخشى أن تسليم السلاح يمثّل تنازلاً عن قدرة الدفاع أمام إسرائيل، خاصة إذا لم تلتزم الأخيرة بسحب مواقعها أو وقف الضربات، وهو تخوف مبرر بالنظر إلى عدم احترام إسرائيل لأي اتفاقات أو معاهدات. وهناك فريق لبناني آخر يرى في السلاح معيقًا لإعادة بناء دولة فاعلة توفر الخدمات وتبني الاقتصاد، وعائقًا كذلك أمام إعادة الإعمار.
والخلاف حول هذه المسألة يعقد أي حلول، لأن أي مسعى لتجريد السلاح بلا ضمانات دولية وإقليمية متوازنة قد يقود إلى اشتعال داخلي أو انتقاص من سيادة الدولة. بمعنى آخر، الموضوع ليس تقنية عسكرية بقدر ما هو معضلة شرعية وتوازن بين خوف من العدوان وحاجة للسيادة الوطنية، واختلاف على تفسير مفهوم السيادة.

الدور الإيراني
يبدو دور إيران محوريًا في المعضلة، لأن الدعم المالي واللوجستي والسياسي يجعل من إضعاف سلاح حزب الله عملية لا يمكن فصلها عن التوازن الإقليمي. لذلك يجد حزب الله نفسه بين رغبة طهران في إبقائه ورغبة إقليمية ودولية بل ومحلية في تجريده من السلاح، مما يفتح نافذة تفاوضية ربما تسمح بصيغ حلول ناقصة لكنها قابلة للتنفيذ إذا ما رُبطت بسقف ضمانات إقليمية.
سيناريوهات محتملة
تتنازع المشهد عدة سيناريوهات محتملة، فمن المحتمل أن يتم الاتفاق على خطة زمنية لدمج بعض القدرات تحت سيادة الدولة مع احتفاظ الحزب بقدرات رمزية مقابل ضمانات لانسحاب إسرائيل وتقديم مزايا اقتصادية، وهذا السيناريو يتطلب طول نفس ومرونة من كل الأطراف.
وهناك احتمال اشتعال المواجهة العسكرية، وهي الأخطر، وتتضمن عملية لتجريد السلاح بالقوة أو محاولات محلية لفرض سيطرة الدولة، وهذا قد يجر لبنان إلى صراع أهلي محدود أو توتر إقليمي مع تداعيات إنسانية كبيرة.
وهناك أيضًا احتمال الحل الجزئي، حيث يتم تسليم أجزاء من الترسانة والسماح بوجود قوة شبه منظّمة تحت إطار خاص لزمن طويل، وهذا هو سيناريو التفاف يجعل المشكلة عالقة دون حل جذري. كل خيار من هذه الخيارات يحمل تبعات سياسية وأمنية واقتصادية مختلفة.

مخاطر محتملة
تكتنف هذه الأزمة عدة مخاطر، تتمثل في عامل الثقة المفقود بين الفاعلين اللبنانيين والدوليين، مما يجعل تنفيذ أي خطة أمرًا هشًا، وكذلك شرط ضمانات إسرائيلية بعدم العودة إلى الأعمال العدائية أو الانتقام السياسي، وهو محور حساس ستقاومه كثير من القوى الإقليمية، وثالثًا ضعف قدرة الجيش اللبناني على استيعاب أصول سلاح ميليشياوي وتحويله إلى سلاح نظامي، وهو أمر يحتاج إلى تمويل وتدريب وإصلاحات مؤسسية قد تأخذ سنوات.
كل هذه العوامل تضع سقفًا واقعيًا أمام حلول سريعة، وتُبرز الحاجة لنهج متعدد المراحل، وكذلك ربط أي عملية تسليم سلاح بحزمة ضمانات متعددة الأبعاد سياسية وأمنية واقتصادية وإغاثية، تضمن للبنانيين أن البديل أفضل من البقاء في ظل النزاع.
كما يتطلب الوضع خلق آلية إشراف دولية متدرجة تحت مظلة عربية وإقليمية، مع مشاركة مبدئية للجامعة العربية أو مجلس أمني إقليمي لتخفيف الوصاية الخارجية المباشرة، وكذلك برامج نقل تدريجي للتقنيات والقدرات إلى الجيش اللبناني مع برامج إصلاح مؤسسي وتعزيز الخدمات في مناطق النفوذ، ومن المهم أيضًا التشجيع على حوار داخلي لبناني شامل يقترن بآليات عدالة انتقالية وحماية حقوق الطوائف والمكونات لمنع انزلاق المجتمع إلى منطق مواجهة داخلية.
ختامًا:
أزمة حزب الله بين محاولات استعادة النفوذ ومطالبات تسليم السلاح ليست أزمة لحظة عابرة، بل هي إعادة تكوين علاقة الدولة بالمجتمع وبالعالم الخارجي، وهي اختبار لقدرة لبنان على تحويل منطق القوة المسلحة إلى منطق الدولة متعددة الوظائف. الحل ممكن، لكنه يحتاج إلى مداركة أن الحل السياسي طويل وصعب ويتطلب مزيجًا من الضمانات الدولية والإصلاحات الداخلية ومرونة في المواقف من جميع الأطراف، وإلا فإن لبنان سيبقى ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية على حساب استقرار داخلي طويل الأمد.



