رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

القمة المصرية الأوروبية.. دبلوماسية التوازن بين الشرق والغرب

الرئيس السيسي في
الرئيس السيسي في قمة بروكسل

انعقدت القمة الأوروبية المصرية، في العاصمة البلجيكية بروكسل، في توقيت بالغ الدقة والحساسية، سواء بالنسبة لمصر أو للاتحاد الأوروبي، إذ تشهد منطقة الشرق الأوسط اضطرابات على خلفية الحرب في غزة، إلى جانب العديد من التوترات الاقتصادية العالمية، ما جعل قمة بروكسل تتحول من كونها لقاءً ثنائيًا إلى حدث يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية إلى إعادة صياغة العلاقة بين شمال المتوسط وجنوبه، وقد خرجت القمة بإعلان مشترك ارتقى بالعلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مما يعكس رغبة الطرفين في توطيد التعاون في مجالات السياسة والاقتصاد والطاقة والأمن والهجرة والتعليم والبحث العلمي.

الرئيس السيسي في قمة بروكسل
الرئيس السيسي في قمة بروكسل

وقد كانت أبرز نتائج القمة ما تضمنته من اتفاقات مالية واستثمارية مهمة، إذ جدّد الاتحاد التزامه بحزمة تمويلية تتجاوز سبعة مليارات يورو، تشمل منحًا واستثمارات تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مصر، في لحظة تحتاج فيها إلى تدفقات مالية واستثمارية لمواجهة أعباء الديون والتضخم.

كما أعلنت المفوضية الأوروبية انضمام مصر رسميًا إلى برنامج هورايزون أوروبا، للبحث والابتكار، وهو ما يعد نقلة نوعية تجعل من المؤسسات الأكاديمية والعلمية المصرية جزءًا من شبكة بحثية أوروبية متقدمة، وتمنحها فرص تمويل وتبادل علمي وتكنولوجي فريدة، فضلًا عن إطلاق برامج للهجرة المنظمة ضمن ما يسمى "شراكة المواهب"، بحيث تُفتح قنوات للهجرة القانونية والتدريب المهني وتبادل العمالة الماهرة بما يحد من الهجرة غير النظامية ويعزز التنمية البشرية داخل مصر.

وقد جاءت هذه القمة لتؤكد إدراك الاتحاد الأوروبي بأن استقرار منطقة جنوب البحر المتوسط لا يمكن تحقيقه دون مصر، فقد أُعيد التأكيد على الدور المصري المحوري في إدارة الملف الفلسطيني بصفة عامة وملف قطاع غزة تحديدًا، بوصفها وسيطًا أساسيًا بين كل الأطراف، وكذلك على دورها في تأمين الملاحة في البحر الأحمر ومحاربة الإرهاب والهجرة غير الشرعية عبر مياه المتوسط. وهذه المكانة الإقليمية منحت مصر موقعًا تفاوضيًا مهمًا مع الاتحاد وجعلته أكثر ميلًا لتقديم دعم اقتصادي مقابل استمرار مصر في أداء دورها كصمام أمان للمنطقة.

وتشكل نتائج القمة فرصة كبيرة أمام مصر لتنشيط اقتصادها وجذب استثمارات أوروبية مهمة، خاصة في مجالات الطاقة الخضراء والبنية التحتية الرقمية والتحول الصناعي، فالمباحثات شملت مشروعات مشتركة في الطاقة المتجددة، خصوصًا الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، إلى جانب دعم للموانئ التي تعزز دور قناة السويس كممر عالمي حيوي، كما أن الانخراط في برامج الابتكار والبحث الأوروبي يفتح الباب أمام نقل التكنولوجيا ورفع كفاءة الكوادر المصرية، الأمر الذي قد ينعكس إيجابًا على سوق العمل المصري والقدرة التنافسية للمخرجات الصناعية.

الرئيس السيسي في قمة بروكسل
الرئيس السيسي في قمة بروكسل

وتمثل الإدارة المؤسسية لبرامج التمويل تحديًا مهمًا، إذ يتطلب تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع واقعية وجود جهاز إداري كفء وآليات متابعة دقيقة تضمن التنفيذ الفعلي بأفضل كفاءة ممكنة للاقتصاد المصري.

وقد شهدت العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي خطوة نوعية جديدة تمثلت في التوقيع رسميًا على مذكرة التفاهم بشأن الدعم المالي الكلي بقيمة 4 مليارات يورو، إلى جانب التوقيع على الاتفاق التمويلي لبرنامج "دعم الاتحاد الأوروبي لتنفيذ الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية على المستوى المحلي" بقيمة 75 مليون يورو، كما تم التوقيع على اتفاقية انضمام مصر كدولة شريكة في برنامج "أفق أوروبا"، بما يعزز التعاون في مجالات البحث والابتكار. وفي إطار التوجه نحو التنمية المستدامة، أعلن الاتحاد الأوروبي عن تقديم دعم مالي بقيمة 110.5 مليون يورو خلال عام 2025 بهدف دعم التنمية المستدامة، وتحسين الحوكمة الاقتصادية، ودعم التدريب المهني والتقني، وتنمية المهارات اللازمة لوظائف المستقبل، كما تم الإعلان عن تخصيص 50  مليون يورو لدعم مشروعات استثمارية في مصر خلال العام الجاري، تستهدف تعزيز التحول الأخضر وتمكين القطاع الخاص، كما تم الإعلان خلال القمة عن تفعيل المشروعات الرئيسية الممولة من الاتحاد الأوروبي ضمن حزمة الـ200 مليون يورو الخاصة بملف الهجرة في إطار الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الجانبين، على أن يبدأ تنفيذ أولى هذه المشروعات خلال الفترة 2025/2026، مما يعكس جدية وسرعة تنفيذ هذه المشروعات.

الرئيس السيسي في قمة بروكسل
الرئيس السيسي في قمة بروكسل

وتظل القمة خطوة متقدمة في مسار استعادة مصر لدورها الإقليمي، فهي لم تُعد تأكيد الشراكة مع أوروبا فحسب، بل أعادت رسم صورة مصر كشريك فاعل ومهم، مما يزيد من أهمية استثمار هذه اللحظة عبر تحسين بيئة الاستثمار وتوجيه التمويلات إلى قطاعات إنتاجية مستدامة استغلالًا لهذه المستجدات المهمة، فالشراكة الجديدة يمكن أن تتحول إلى رافعة لإعادة بناء الاقتصاد وتعزيز مكانة مصر في محيطها العربي وكذلك المتوسطي والإفريقي.

ويمكن اعتبار القمة نقطة انعطاف في مسار العلاقة بين الجانبين، فقد منحت مصر اعترافًا أوروبيًا بدورها القيادي في المنطقة، وأتاحت لها نافذة للتنمية والتحول الاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه حمّلتها مسؤولية كبرى تجاه إدارة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بذكاء واستقلالية. وإذا تمكنت مصر من تحقيق التوازن بين الانفتاح على الدعم الخارجي والحفاظ على مصالحها الوطنية، فإن هذه الشراكة قد تصبح نموذجًا ناجحًا لتعاون شمالي-جنوبي يقوم على المنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل، ويؤسس لمرحلة جديدة من الحضور المصري المؤثر في الإقليم والعالم.

إسلام جمال*

 باحث دكتوراه متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء