رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تناقض المواقف بين تركيا وإسرائيل.. صدام سياسي ومصالح اقتصادية

الرئيس التركي رجب
الرئيس التركي رجب أردوغان - أرشيفية

تعد معركة غزة الأخيرة أو ما يسمى "طوفان الأقصى" نقطة مفصلية كاشفة لكافة السياسات والادعاءات التي تروجها الحكومات والجماعات السياسية المختلفة، فخلال الحرب الماضية انطلقت المئات من الإدانات الدولية المناهضة للعدوان على غزة مستنكرة الإبادة الإنسانية المستمرة.

وفي الواقع كانت المقاتلات والدبابات والمركبات العسكرية خلال عملياتها التدميرية في غزة تدور بنفط تلك الدول التي تعالت بياناتها السياسية المنددة بالمجازر الإنسانية في غزة، بل الأدهى من ذلك أن المركبات والآليات العسكرية التي أصابها العطب كانت تُعالج وتتم صيانتها أيضًا بواسطة الفولاذ المستورد من تلك الدول.

حافظت تلك الدول على حالة عدائية مع إسرائيل جهارًا، فالبيانات السياسية كثيرًا ما تتوالى بالتنديد المستمر لتلك الجرائم، لكن في الواقع كان هناك تعاون اقتصادي مشترك ومستتر بين الجانبين وإن اتخذ أشكالًا وأنماطًا متعددة.

برز في هذا الاتجاه العديد من الدول مثل أذربيجان وتركيا وجنوب إفريقيا، فالأخيرة مثلًا رفعت دعوى أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا للتنديد بجرائم إسرائيل، في الوقت نفسه الذي كانت تدور فيه محطات الكهرباء الإسرائيلية بالفحم الخام المستورد من بريتوريا.

الرئيس أردوغان
الرئيس أردوغان

صدام تركي ـ إسرائيلي وشيك

يبدو أن هناك صدامًا تركيًا إسرائيليًا وشيكًا، فالعديد من المصادر الإعلامية الإسرائيلية توضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال لقائه مع المبعوثين الأمريكيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، أبدى رفضه التام لمشاركة تركيا في القوة الدولية المزمع إنشاؤها وانتشارها في قطاع غزة بعد سريان وقف إطلاق النار مؤخرًا، مستندًا في ذلك إلى العديد من المواقف الصدامية بين البلدين خلال الحرب الماضية، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزير خارجيته هاكان فيدان خلال الحرب أطلقا العنان للعديد من التصريحات المناهضة للعدوان على غزة، بل تطور الأمر إلى اتخاذ سياسات تبدو في شكلها عقابية لتل أبيب على تلك المجازر مثل وقف التبادل التجاري وكافة العلاقات التجارية، فضلًا عن إلغاء المجال الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية وغيرها من السياسات الأخرى التي خلقت توترًا عامًا في العلاقات.

وفي المقابل شهدت العاصمة القطرية الدوحة اجتماعات بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم غالن وعدد من قيادات حركة حماس، أبرزهم محمد درويش رئيس المجلس القيادي، والعديد من القيادات الأخرى مثل خالد مشعل وسامي خاطر وزاهر جبارين لمناقشة اتفاق وقف إطلاق النار وتداعيات المرحلة المقبلة.

رغم القرارات التركية المناهضة لإسرائيل، إلا أن ثمة تقارير اقتصادية مختلفة تفيد عكس ذلك وتوضح أن هناك التفافًا من الجانبين على تلك القرارات، وأن العلاقات ما زالت مستمرة إلى الآن ولكن في صور أخرى وطرق ملتوية، فالعديد من التقارير ميّز العلاقات التجارية والاقتصادية بالمرونة والقدرة على التكيف السريع بعيدًا عن أية قرارات سياسية أو اقتصادية تبدو في شكلها قرارات عقابية تصادمية.

ماذا حدث؟

شهدت العلاقات الإسرائيلية التركية خلال حرب غزة الأخيرة تصاعدًا دراميًا مثيرًا بين الطرفين، ففي 26 أغسطس 2025 وخلال لقائه في بودكاست أمريكي أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعترافه بما يسمى "الإبادة الأرمينية"، وهي سلسلة من الأحداث التي تتهم فيها دولة "أرمينيا" جارتها الغربية "تركيا ـ العثمانية" بارتكاب مجازر ومذابح بحق الشعب الأرميني خلال الحرب العالمية الأولى وتحديدًا عام 1915، وهو ما لا تعترف به الدولة التركية الحديثة "الأتاتوركية".

وفي غضون يومين من اعتراف نتنياهو الإعلامي بمذابح الأرمن، اتخذت أنقرة العديد من السياسات المناوئة لإسرائيل، اقتصادية أو بالأحرى تم تجديد تلك السياسات، وهي كالتالي:

إعلان وزير الخارجية التركي (29 أغسطس) هاكان فيدان إنهاء علاقة بلاده التجارية بإسرائيل بصورة نهائية كاملة، منها عدم السماح للسفن والحاويات التركية بالرسو في الموانئ الإسرائيلية، وغلق المجال الجوي التركي أمام الطائرات الإسرائيلية، ومطالبة سلطات الموانئ التركية شركات وكلاء الشحن بتقديم تعهدات تفيد بأن سفنها غير مرتبطة بإسرائيل ولا تحمل أي مواد عسكرية متجهة إلى تل أبيب، ومنع السفن المملوكة لشركات إسرائيلية أو المرتبطة بها من الرسو في الموانئ التركية.

سبق أن أعلنت أنقرة في إبريل 2024 إيقاف تصدير 1019 سلعة منتشرة في 54 قطاعًا إلى إسرائيل، وفي الشهر التالي تم إيقاف تصدير واستيراد جميع السلع من وإلى إسرائيل، وفي إطار الحظر الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية، سبق أن منعت أنقرة طائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي في نوفمبر 2024 من عبور الأجواء التركية خلال مشاركته في قمة المناخ في باكو بأذربيجان، وتجدد الرفض في زيارة أخرى لباكو في مايو 2025.

نتنياهو
نتنياهو

خطة لاهاي كاشفة لعمق تناقضات المواقف التركية

رغم القرارات التركية المثيرة والمناهضة لإسرائيل علنًا، إلا أن بعض المواقف الدولية أثارت الحيرة حول جدية تلك القرارات، ومنها عدم التوقيع على ما يسمى "خطة لاهاي" المناهضة لإسرائيل وتعد "خطة لاهاي" امتدادًا لسياسة جنوب إفريقيا حين تقدمت في ديسمبر 2023 بشكوى في محكمة العدل الدولية تتهم إسرائيل بارتكاب مجازر وإبادة كاملة في قطاع غزة، وعليه في 15 يوليو 2025 تم إعلان "مجموعة لاهاي" خلال مؤتمر طوارئ دولي عقد في العاصمة الكولومبية "بوغوتا"، وخلص المؤتمر إلى دعوة دول العالم إلى فرض عقوبات على إسرائيل، أبرزها: منع تصدير الأسلحة والذخيرة والوقود إلى إسرائيل، ومنع تصدير المواد ذات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري إلى إسرائيل، ومنع السفن المحملة بمواد عسكرية لإسرائيل من دخول موانئ دول مجموعة لاهاي وعدم السماح لها بالتزود بالوقود أو أية خدمة أخرى، ومراجعة جميع الاتفاقيات مع إسرائيل وإلغاؤها حسب الضرورة، فضلًا عن تنفيذ جميع القرارات الدولية والعقوبات الموجهة لإسرائيل، ويقصد هنا قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف نتنياهو ووزير الدفاع السابق بن غالانت، وحث الدول الموقعة على خطة لاهاي على محاكمة مرتكبي جرائم الحرب في غزة.

لم تعر أنقرة مؤتمر بوغوتا ولا خطة لاهاي اهتمامًا يُذكر، فاكتفت بتمثيل منخفض على مستوى نائب وزير الخارجية، كما لم توقع على الخطة المنبثقة عن قمة الطوارئ الدولية في بوغوتا.

موقف أنقرة الرسمي من مؤتمر بوغوتا أثار انتقادات قوى وأحزاب المعارضة في ذلك الوقت مثل حزب الشعب الجمهوري وحزب الطريق الجديد، معتبرين أن تلك الخطوة تعبّر عن رغبة الرئيس التركي  رجب طيب أردوغان، في فتح قنوات اتصال وثيقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدم إثارة استيائه، وأيضًا الحفاظ على شعرة معاوية مع إسرائيل.

التفاف على العقوبات

نتيجة القرارات الرسمية التركية، فإن الأرقام الرسمية لحجم التبادل التجاري تأثرت بشكل كبير، فطبقًا لدائرة الإحصاء الرسمية الإسرائيلية، فإن واردات تل أبيب من السلع التركية تراجعت من 4.6 مليار دولار في عام 2023 إلى 2.2 مليار دولار في عام 2024، كما تراجعت الصادرات الإسرائيلية من 1.4 مليار دولار عام 2020 إلى 600 مليون دولار عام 2024.

رغم الأرقام الرسمية التي تشي بانهيار العلاقات التجارية، إلا أن الموقف من مؤتمر بوغوتا ومخرجاته أثار العديد من الشكوك حول جدية العقوبات التركية المفروضة على إسرائيل في ظل وجود تقارير صحفية منسوبة إلى المعارضة التركية وصحيفة "زمان" تؤكد وجود التفاف بعلم السلطات التركية على تلك العقوبات، وأبرزها على سبيل المثال:

أولًا:  استمرار تزويد إسرائيل بالنفط الأذربيجاني عن طريق خط أنابيب "باكو ـ تبليسي ـ جيهان"، وفي هذا السياق بررت وزارة الطاقة التركية موقفها بادعاء أن الشركة التركية المسؤولة عن الخط لا تتدخل في عملية بيع النفط.

ثانيًا: استمرار تصدير المبيعات والصلب والفولاذ ومواد البناء إلى إسرائيل عبر أطراف ثالثة، فالسوق الإسرائيلية تعتمد بشكل أساسي على مواد البناء والحديد والفولاذ المستورد من تركيا (20% من حجم سوق مواد البناء في إسرائيل)، ومن المتوقع أنه في حال قطع إمدادات مواد البناء يحدث تضرر عظيم لقطاع البناء والسكن في إسرائيل، إلا أن تل أبيب بمرونة نجحت في استيراد تلك المواد من تركيا عبر موردين وسطاء من اليونان وقبرص والصين وتايلاند، فالدولة الأخيرة على سبيل المثال وفق تقرير مجلة غلوبس الاقتصادية تجاوزت صادراتها إلى إسرائيل في يوليو 2025 لتصل إلى 798 مليون دولار بعد أن كانت 337 مليون دولار في عام 2024، أي أن السوق التايلاندية كانت بمثابة محطة تحويل المنتجات التركية إلى إسرائيل.

أردوغان ونتنياهو
أردوغان ونتنياهو

ثالثًا: السوق الفلسطينية والأردنية كبديل للسوق الإسرائيلية، فالعديد من المواد والسلع التي كانت تُصدر إلى إسرائيل أصبحت تُصدر لفلسطين والأردن ومن ثم إعادة توجيهها مرة أخرى إلى السوق الإسرائيلية. فوفق تقرير صادر عن مجلة غلوبس الاقتصادية بتاريخ 26 سبتمبر 2025، ارتفعت الواردات الإسرائيلية من الأردن لتبلغ في عام 2025 حوالي 323 مليون دولار بعد أن كانت 200 مليون دولار في عام 2024، أما السوق الفلسطينية في عام 2024 فوصل حجم وارداتها الشهرية من تركيا إلى حوالي 180 مليون دولار بعد أن كانت لا تُذكر في الأعوام السابقة. فعلى سبيل المثال بلغت واردات فلسطين من الصلب التركي خلال الربع الأول من عام 2023 حوالي 177 ألف دولار تقريبًا، وخلال الفترة نفسها من عام 2024 بلغت واردات فلسطين من الصلب التركي حوالي 41 مليون دولار تقريبًا.

ختامًا 

تناقض السياسات المتبادلة بين تركيا وإسرائيل، يبدو فيه الطرفان في حالة عداء سياسي من خلال البيانات والبيانات المضادة، لكن الواقع الاقتصادي عكس ذلك تمامًا، فالعلاقات التجارية رغم مرورها بأزمات متعاقبة إلا أن كلا الاقتصاديين يمتلكان المرونة الكافية للتغلب على العقبات السياسية، وهو ما وضح في حالات الالتفاف على العقوبات التركية.

ونقطة هامة ينبغي الإشارة إليها، وهي مسألة خطة لاهاي التي تعد اختبارًا حقيقيًا لجدية القرارات التركية، فالخطة نوهت لمسألة الأطراف الوسيطة في العلاقات التجارية مع إسرائيل، وهو ما رفضته تركيا.

أما فيما يخص مسألة المشاركة التركية في القوة الدولية المشاركة في تأمين قطاع غزة، فمن الممكن أن تشهد تصعيدًا سياسيًا بين الجانبين، خاصة في ظل تخوف تل أبيب من أن تستخدم تركيا تواجدها في غزة من أجل ممارسة المزيد من الضغوط السياسية على إسرائيل مع الإبقاء على العلاقات الاقتصادية في حالة استقرار بين الجانبين، خاصة بعد انتهاء الحرب وانقضاء سبب وقف التبادل التجاري الرسمي بين الجانبين.

ولعل التخوف أيضًا لا يشمل الجانب الإسرائيلي، إذ من الممكن أن يمتد إلى أطراف أخرى في المنطقة مثل مصر، التي قد تنظر بعين الارتياب إلى الوجود الأمني والعسكري التركي في غزة نظرًا لوجود العديد من الملفات العالقة بين الجانبين منذ سنوات، ولم يتم التوصل إلى حل فيها مثل أزمات غاز شرق المتوسط والوجود التركي في السودان، خاصة في سواكن.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء