من "سعد حداد" إلى "أبو شباب": إسرائيل تعيد استنساخ العملاء
في عام 2000، وتحت وطأة ضربات المقاومة اللبنانية بقيادة "حزب الله"، أعلن الجيش الإسرائيلي انسحابه الكامل من مناطق جنوب لبنان بعد احتلال دام قرابة عقدين من الزمن (1982 ـــ 2000).لم يكن مشهد انسحاب القوات الإسرائيلية مثيرًا بقدر مشاهد الهلع والفزع التي انتابت الميليشيات التي زرعتها وكونتها تل أبيب في مناطق الجنوب اللبناني، خاصة ما يُعرف باسم ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" الذي أسسه سعد حداد عام 1978، وبرز دوره بصورة كبيرة عقب الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 كمتعاون مع الجيش الإسرائيلي.
بإتمام عملية الانسحاب، تدفق المئات من منتسبي "جيش لبنان الجنوبي" إلى المعابر الحدودية مع إسرائيل من أجل الانتقال والعيش فيها، خشية عمليات التنكيل التي قد تمارسها فصائل المقاومة اللبنانية بقيادة "حزب الله". وعدد قليل من منتسبي تلك الميليشيات هم من استطاعوا اللجوء إلى إسرائيل والعيش بها تحت ظروف قهرية، وعلى رأسهم أنطوان لحد، قائد الميليشيات وخليفة "سعد حداد"، إذ انقطع عنهم التمويل والدعم، فيما رأى الباقون تسليم أنفسهم للسلطات اللبنانية.

استنساخ سعد حداد من جديد
خلال الحرب الأخيرة، عملت تل أبيب على استنساخ تجربة "جيش لبنان الجنوبي" مرة أخرى في قطاع غزة، من خلال تجنيد العديد من العناصر المعادية لحركة حماس في القطاع، وذلك من أجل ملء الفراغ الأمني في القطاع نتيجة حالة الضعف التي باتت عليها حركة حماس بسبب الضربات الإسرائيلية التي طالت العديد من قياداتها المؤثرين مثل محمد الضيف ويحيى السنوار.
في سبيل تحقيق تلك الغاية، جند الشاباك "جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي" العديد من العناصر المعادية، مثل "ياسر أبو شباب"، الذي قضى قرابة ثمانية أعوام كاملة في سجون الحركة في خان يونس على خلفية تهم متعلقة بالاتجار في المخدرات، كما ينحدر أبو شباب من قبيلة الترابين التي نزح بعض أفرادها إلى قطاع غزة عقب نكبة 1948.
ارتكزت مهام ميليشيات أبو شباب (القوات الشعبية) في البداية على مسح الأنفاق ومداهمة الأماكن المشتبه بها والتنسيق مع القوات الإسرائيلية قبل أية عملية عسكرية، وتُجرى تلك العمليات بمقابل مادي يدفعه الشاباك إلى تلك العناصر بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر تمكينها من السيطرة على شاحنات المواد الإغاثية.
ومن ناحية أخرى، تم دفع عائلة "دغمش" التي لديها ماضٍ غير جيد مع حماس للاشتباك مع الحركة، مستعيدة الثارات القديمة بين الطرفين. فأحد أبرز قيادات العائلة ومؤسس ميليشياتها المسلحة ممتاز دغمش كان ضمن العملية التي تمكنت فيها حماس من أسر الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط" عام 2006، وما لبث أن انقلب عليها في عام 2007، وتصاعدت الاشتباكات بين الطرفين، ولاحقًا بايع دغمش تنظيم القاعدة ووسع عملياته العسكرية داخل القطاع وشبه جزيرة سيناء، الأمر الذي أدى لمقتله عام 2015 على يد قوات الجيش المصري.

ولعل أصول "أبو شباب" البدوية هي ما رفعت أسهمه لدى الشاباك ليتم تجنيده لصالح إسرائيل، فتل أبيب، منذ عقود نجحت في تدجين العديد من العناصر والقبائل البدوية في النقب، كما أن العديد من الأسرى الإسرائيليين الذين أسرتهم حماس في 7 أكتوبر مسلمو الديانة وتعود أصولهم إلى بدو النقب.
في البداية، عمل "أبو شباب" على تنظيم ميليشياته في جنوب قطاع غزة، مستوليًا على المواد الإغاثية الواردة إلى القطاع، فارضًا نفسه وميليشياته كبديل في حال الإطاحة بحركة حماس من القطاع، وذلك بالتعاون الوثيق مع ميليشيات أخرى مثل ميليشيات حسام الأسطل.
اقتلاع أذناب إسرائيل
عقب التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر 2025، سادت حالة من الغموض حول مصير العناصر التي دربتها إسرائيل في قطاع غزة، وما المصير الذي ستؤول إليه تلك المجموعات.
ففي البداية رفضت قوى اليمين الإسرائيلي اصطحاب تلك الميليشيات إلى تخوم تمركز الجيش الإسرائيلي نظرًا لانخراط العديد من أفرادها في عمليات إجرامية سابقة، أو حتى انخراطهم في تنظيمات جهادية مثل القاعدة أو داعش، وهو ما قد يؤثر على سلامة وأمن المعسكرات الإسرائيلية.
ربما كانت تقديرات الموقف حينها تشير إلى ضعف حركة حماس وفقدان قدرتها على بسط سيطرتها الكاملة على قطاع غزة، الأمر الذي سيسمح لتلك الميليشيات بالتمدد الشامل والسيطرة الفعلية على القطاع.
ما حدث فعليًا كان مفاجأة من حركة حماس، وتحديدًا قوة أمن المقاومة "رادع"، التي تمكنت خلال أيام قليلة من محاصرة العناصر المعادية لها، والتي تتهمها بالتعاون مع العدو الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة، وتنفيذ إعدامات ميدانية بحق هؤلاء المتهمين.
في بداية العمليات الأمنية في غزة لم تُعر تل أبيب وواشنطن أي اهتمام بها، خاصة في ظل المواجهات مع عائلة دغمش، فالرئيس الأمريكي ترامب وقتها وصف تلك العناصر التي صفتها حماس بأنها خارج عن القانون، لكن مع تزايد الحملة الأمنية وتمكنها من حركة أبو شباب بدا القلق يتسارع، إذ سرعان ما تغيرت لهجة الخطاب الأمريكي، وطالبت واشنطن من حماس ضرورة التوقف عن قتل المدنيين، والتلويح بإمكانية التدخل في حال استمرار استهداف المدنيين.
وحاليًا بات مصير "ياسر أبو شباب" غامضًا في ظل تواتر الأنباء عن اعتقاله من قبل عناصر حركة حماس في جنوب قطاع غزة، إذ نشرت العديد من الفيديوهات التي تدعي إلقاء القبض على أبو شباب، إلا أنه حتى الآن لم يتم التأكد من مصيره.

خرق اتفاق وقف إطلاق النار
وإزاء الوضع المرتبك في قطاع غزة، نقضت إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار بقيامها بغارات جوية على مناطق جنوب غزة ومدينة رفح، الأمر الذي أدى إلى استشهاد 7 مواطنين وإصابة العشرات، كما تم إغلاق معبر رفح أمام دخول المساعدات الإنسانية.
وفي سبيل تبريرها للغارات، ادعت إسرائيل أن حماس هي من خرقت وقف إطلاق النار باستهدافها مركبة عسكرية أدت إلى مقتل جندي، وهو ما يعني أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يصمد سوى عشرة أيام فقط.
تصعيد غير شامل
يبدو أن الغارات حاليًا تأتي في إطار خطة تصعيد غير شامل، هدفها في الأساس إحباط تحركات حماس الأمنية، وعدم الدخول مرة أخرى في الوقت الحاضر في حرب برية على غرار العمليات التي سبقت وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر الماضي. وحاليًا حثت إدارة الرئيس ترامب تل أبيب على ضبط النفس لتجنب انهيار اتفاق غزة والدخول في حرب شاملة أخرى.
وعلى جانب آخر، يدفع اليمين الإسرائيلي إلى شن حرب برية موسعة لاقتلاع حركة حماس، ويتصدر المشهد حاليًا وزير المالية سموتريتش ووزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير، اللذان وصما حماس بالنازية، مطالبين بدخول الجيش لدحر الحركة تمامًا.
وأخيرًا، يبدو أن تقديرات إسرائيل لموقف وحالة حماس عشية التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار غير دقيقة تمامًا، إذ كان من المتوقع أن تكون الحركة منهارة ومفككة تنظيميًا بعد الضربات التي تلقتها، وأن الميليشيات التي خلفتها قوات الاحتلال ستتمكن من ابتلاع ما تبقى من حماس، إلا أن الواقع أثبت غير ذلك تمامًا؛ فجهاز الأمن التابع للحركة «رادع» تمكن خلال عشرة أيام فقط من استعادة السيطرة على كامل القطاع وتصفية الميليشيات والحركات المعادية.
لذا يبدو أن مصير "أبو شباب" بات أقرب إلى مصير ما يسمى "جيش لبنان الجنوبي" الذي انهار عقب الخروج الإسرائيلي، وتدرك إسرائيل حاليًا أخطاء الماضي حين تركت قوات جيش لبنان الجنوبي تواجه مصيرها بمفردها، الأمر الذي سمح بهيمنة كاملة لحزب الله على مناطق جنوب لبنان واستمراره إلى اليوم في تهديد أمن واستقرار إسرائيل.لذا ترغب تل أبيب حاليًا في ألا يواجه "أبو شباب" مصير "أنطوان لحد"، وأن يظل على الأقل مناوئًا لحركة حماس في قطاع غزة ومعرقلًا لتحركاتها في القطاع، فضلًا عن كونه مصدرًا استخباراتيًا هامًا داخل القطاع.



