ضم الضفة الغربية.. الشاباك يُعيد صياغة المصطلحات ويفرض الواقع الجديد
تحتل الضفة الغربية موقعًا مركزيًا في الوجدان الديني والسياسي الإسرائيلي، فهي بحسب النصوص التوراتية أرض "يهوذا والسامرة" التي وُعد بها بنو إسرائيل، والسيطرة عليها تمثل، في الوعي الصهيوني، تحقيقًا للنبوءة بعودة "المسيح المخلّص" وقيام مملكة يهوذا مجددًا.
من هذا المنطلق، لم تغب الضفة الغربية يومًا عن المشاريع التوسعية الإسرائيلية، إذ تشكل جوهر ما تسعى تل أبيب لفرضه عبر سياسات الضم والاستيطان المستمرة منذ عقود.
في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، تصاعدت الأصوات داخل الائتلاف اليميني الإسرائيلي مطالبةً بضم الضفة الغربية، والتنصل من اتفاقيات أوسلو، وإلغاء أي وجود سياسي فلسطيني فيها.
برز في هذا الاتجاه كلٌّ من بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، وإيتمار بن غفير، وزير الأمن الداخلي، واللذان يروّجان لرؤية تقوم على فرض السيادة الكاملة لإسرائيل على الضفة، وإجبار الفلسطينيين على مغادرتها، ومن يبقَ فيها يخسر حقوقه السياسية والمدنية.

تغيير المصطلحات
بدأت بواكير الخطط الإسرائيلية لتغيير الوضع السياسي بصفة نهائية في الضفة الغربية، فقد أصدر "زيني أمر" رئيس جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" المعين حديثًا أمرًا بمنع تداول اسم الضفة الغربية في المخاطبات الرسمية بين قادة الجهاز، مفضلاً استخدام الاسم التوراتي القديم "يهودا والسامرة" في مكاتبات جهاز الشاباك.
قرار رئيس الشاباك سبقته مقدمات كثيرة واضحة تشي بنية الائتلاف الحاكم المضي قدمًا في تنفيذ مخططاته الاستعمارية بالاستيلاء الكامل على الضفة الغربية. ففي يوليو 2025 صادق الكنيست على مقترح يدعو الحكومة إلى فرض سيادتها الكاملة على كافة أراضي الضفة الغربية وغور الأردن باعتبارهما أراضٍ إسرائيلية.
المقترح حاز على أغلبية لم تحظ بها الحكومة نفسها؛ إذ دعمه حوالي 71 عضوًا من أعضاء الكنيست، منهم أعضاء حزب الليكود وباقي الأحزاب اليمينية المتطرفة، وأيضًا نواب ممثلون عن أحزاب المعارضة.
وفي إطار ذلك قامت وزارة الدفاع الإسرائيلية في أغسطس 2025 بإعطاء الضوء الأخضر وموافقتها على الخطة "إي 1" الاستيطانية، والتي تهدف إلى بناء أكثر من 3,400 وحدة سكنية ما بين القدس ومستوطنة "معاليه أدوميم" في الضفة الغربية.
وتأتي أهمية تلك الخطة لكونها تشكل فصلًا تامًا ما بين شمال الضفة وجنوبها، الأمر الذي سيدمر أي فرصة مستقبلية لقيام الدولة الفلسطينية سواء كانت عاصمتها القدس أو رام الله، ولقي هذا المشروع ترحيبًا واسعًا من الأوساط اليمينية الإسرائيلية التي رأت أن هذه الخطة ستجهض أي محاولة لبناء دولة فلسطينية.

تأرجح الضفة الغربية
على مدار التاريخ الحديث تأرجحت مصير الضفة الغربية؛ ففي البداية خضعت لسلطات الانتداب البريطاني وشهدت العديد من الانتفاضات ضد سلطات الانتداب والعصابات الصهيونية خلال الفترة الممتدة من عام 1920 حتى 1938.
وبعد نكبة عام 1948 آلت الضفة الغربية إلى الأردن في مؤتمر أريحا 1951 وبقيت جزءًا من الأردن في وحدة سياسية، لكن تغيّرت الأمور مرة أخرى مع نكسة 1967 وبسط الجيش الإسرائيلي سيطرته الكاملة عليها.
في عام 1988 أعلن الملك الأردني الراحل حسين بن طلال فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية، فنزل مصيرها في يد الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية من ناحية، وإسرائيل من ناحية أخرى.
دخل الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي سلسلة مفاوضات معقدة للغاية بدأت بمدريد 1991 وانتهت بمشاورات واتفاقيات أوسلو (1993–1995)، والتي بموجبها تم تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية لتشرف إداريًا على بعض مناطق الضفة الغربية، والتي يقدر تعداد سكانها حاليًا حوالي 3,257,000 نسمة بحسب إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وطبقًا لاتفاقيات أوسلو فإن الضفة الغربية تُقسم إداريًا إلى ثلاث مناطق؛ أحدها تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية وتمثل 18% من مساحة الضفة، وأخرى تتبع سيادة مشتركة فلسطينية–إسرائيلية وتبلغ مساحتها أيضًا 18% من مساحة الضفة، وتوزعت السيادة المشتركة كالتالي: اختصاص السلطة الوطنية بالشؤون الاقتصادية والصحة والتعليم، واحتفاظ إسرائيل بالشؤون الأمنية.
وثالثة تتبع السيادة الإسرائيلية الأمنية الكاملة وتمثل 60% من مساحة الضفة وتشمل تجمعات المستوطنات الإسرائيلية، هذا مع احتفاظ إسرائيل بسيطرتها الكاملة على الحدود والمعابر والأمن الخارجي ومدينة القدس.

نقض اتفاقيات أوسلو
رغم أن اتفاقيات أوسلو أتت معظم بنودها لصالح إسرائيل إذ سيطرت إسرائيل بصفة رئيسية على 80% من أراضي الضفة الغربية وتركت الفتات (18%) من مساحة الضفة تحت سيادة السلطة الوطنية، إلا أن تل أبيب منذ الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 سعت إلى الاستحواذ الكامل على الضفة من خلال العديد من الإجراءات، أبرزها:
تقويض صلاحيات السلطة الوطنية:
سعت تل أبيب إلى إفراغ السلطة الوطنية الفلسطينية من أي أدوات يمكن استخدامها في بسط سيطرتها الكاملة على المناطق التي حددتها اتفاقيات أوسلو، وذلك من خلال حرمان سكان الضفة من العديد من الموارد الاقتصادية وفرض حصار اقتصادي بإغلاقات متكررة لمعبر الكرامة الحدودي مع الأردن، والذي يعد شريان الحياة الرئيسي لسكان الضفة الغربية.
بناء الجدار العازل:
بعد الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 وتسارع وتيرة الهجمات الفدائية الفلسطينية داخل العمق الإسرائيلي سارعت تل أبيب إلى بناء جدار عازل بينها وبين الضفة الغربية، لكن المثير في الأمر أن الجدار لم يتماشى مع حدود ما قبل 5 يونيو 1967؛ إذ تم زحزحة الجدار ليقع داخل أراضٍ من الضفة الغربية، فـ85% من الجدار يقع داخل أراضٍ بالضفة، الأمر الذي أدى إلى عزل 10% من مساحة الضفة وإلحاقها بإسرائيل.
نهم المستوطنات:
لا يوجد وصف لتفسير النهم الإسرائيلي في بناء المستوطنات منذ التوقيع على اتفاقيات أوسلو، فنمو المستوطنات والمستوطنين في الضفة الغربية يفوق بناء المستوطنات في الداخل الإسرائيلي. فبحلول عام 2021 بلغ عدد المستوطنات حوالي 151 مستوطنة و25 حيًا تابعًا لتلك المستوطنات، فضلًا عن انتشار بؤر استيطانية تصل إلى 163 بؤرة استيطانية تسعى إلى اعتراف الحكومة الإسرائيلية بها.
وبلغ إجمالي السكان المستوطنين وفقًا لإحصائيات فلسطينية حوالي 719,452 مستوطنًا، وفي عام 2022 وقبل عملية طوفان الأقصى وافقت الحكومة على بناء 83 مستوطنة لتشمل 22 ألف وحدة استيطانية في الضفة الغربية.

تردد حكومي
باتت الخطط الإسرائيلية الأخيرة، التي تدفع إلى فرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية، على وشك التنفيذ، بل إن بعض الجهات الإسرائيلية ومنها الشابات سارعت إلى اتخاذ خطوات تقدمية لتنفيذ تلك المخططات.
ومما يعطل تلك المخططات حاليًا هو تردد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خاصة بعد تعهّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعديد من القادة العرب والإسلاميين بعدم السماح لإسرائيل بضم الضفة الغربية؛ فمثل هذه القرارات من شأنها تأليب المجتمع الدولي والإقليمي على إسرائيل، التي لا تزال تعاني من أزمات دبلوماسية وسياسية على خلفية الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلال حرب غزة الأخيرة.
رغم تردد نتنياهو في إعلان السيادة على الضفة الغربية خشية الانتقادات الأمريكية والدولية لمثل هذا القرار، إلا أنه في نفس الوقت أطلق العنان للعديد من السياسات البديلة التي من شأنها تهيئة الأرض لابتلاع الضفة، منها على سبيل المثال إطلاق يد الجيش في العديد من المداهمات في مخيم جنين وبلاطة ونابلس، ووأد أية محاولات للانتفاضة في الضفة، وتنفيذ اغتيالات موسعة بحق الناشطين في تلك المدن، وإطلاق العنان للمستوطنين في إيذاء الفلسطينيين، والإغلاق المكرر لمعبر الكرامة الحدودي مع الأردن.
ختامًا:
التحركات الأخيرة لجهاز الشاباك، والتغييرات الرمزية في الخطاب الرسمي، ليست مجرد تفاصيل إدارية، بل مؤشرات على بداية مرحلة جديدة من مشروع "الضم الناعم" الذي يسبق الإعلان الرسمي عن السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية. وفي المقابل، يبدو الموقف الفلسطيني منقسمًا ومحدود الأدوات، فيما يكتفي المجتمع الدولي ببيانات الشجب والقلق. وبين "يهودا والسامرة" في اللغة الإسرائيلية و"الضفة الغربية" في اللغة الأممية، تتجه الجغرافيا المقدسة نحو واقع جديد قد يطوي آخر صفحة في ملف الدولة الفلسطينية.



