رهانات ما قبل الصناديق: نتنياهو يعيد تشغيل دبلوماسية إبراهام
بعد التوقيع على اتفاق غزة، لاحت في الأفق أزمات النظام السياسي الإسرائيلي المتكررة، حيث تشرذم الائتلاف الحاكم والخلافات المتصاعدة بين أعضائه، والتلويح الدائم باللجوء إلى انتخابات نيابية مبكرة.
عُدّ التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار وزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى الكنيست الإسرائيلي بمثابة انتصار سياسي كبير لرئيس الوزراء وزعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو، الأمر الذي قد يعزز من فرص نجاحه في انتخابات الكنيست المقبلة.
كواليس ما بعد التوقيع على الاتفاق من عمليات تسليم الأسرى ورفاتهم ومراقبة سلوك حركة حماس دفعت إلى تحقيق تماسك مؤقت للحكومة الحالية، وجعلت من الصعب على نتنياهو إجراء مناورته السياسية الأبرز وهي فضّ الائتلاف القائم والولوج إلى انتخابات مبكرة قد تعزز حصول حزبه "الليكود" على أكبر قدر من المقاعد، الأمر الذي قد يدفعه إلى تشكيل ائتلاف محدود أو حتى الانفراد بالحكومة.

الدفاتر القديمة: نتنياهو يعود إلى اتفاقات إبراهام
يبدو أن نتنياهو حاليًا يسعى إلى إيجاد وسيلة أو ترتيبات أخرى تعزز من فرص نجاحه في الانتخابات المقبلة عام 2026، وفي سبيل ذلك قرر العودة إلى اتفاقيات إبراهام من جديد وإعادة تفعيلها وتوسيعها بمحاولة مدّ جسور مع السعودية وإندونيسيا التي كان رئيسها قاب قوسين أو أدنى من زيارة تل أبيب عقب مشاركته في مؤتمر شرم الشيخ للسلام.
تشير تقارير وتسريبات إسرائيلية إلى أن نتنياهو قرر تبكير موعد الانتخابات لتُجري في يونيو 2026 بدلًا من إجرائها في موعدها المقرر في نوفمبر 2026، إذ تتعلق آماله بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مع السعودية أو إندونيسيا قبل هذا الموعد مباشرة.
الأمر الذي قد يحدث زخمًا سياسيًا في إسرائيل يمكنه هو وحزبه من الحصول على أكبر قدر من المقاعد في انتخابات الكنيست المقبلة، وتمكينه من تشكيل حكومة بأريحية بعيدًا عن تحكمات الأحزاب الصغيرة التي عادة ما يلجأ إليها لتعزيز ائتلافه والحصول على النصاب القانوني لتشكيل الحكومة.
رهان على النجاح الدبلوماسي قبل صناديق الاقتراع
يسعى نتنياهو إلى تكرار مكتسبات اتفاقيات إبراهام التي وُقعت في خريف عام 2020 مع كل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، وهو ما عزز موقفه السياسي مرة أخرى في الداخل الإسرائيلي ومكّنه من تحقيق تقدم كبير لائتلافه السياسي المنتمي إلى قوى اليمين خلال انتخابات 2022.
وتأتي محاولة التطبيع مع السعودية بمثابة انتصار كبير للسياسة الخارجية الإسرائيلية نظرًا للمكانة الدينية والنفسية التي تحظى بها الرياض في نفوس المسلمين في شتى بقاع الأرض؛ لاحتضانها المدن المقدسة (مكة والمدينة). لذا لن يفوّت نتنياهو أي نجاح في هذا الملف لتعزيز مكانته السياسية داخل النظام الإسرائيلي.
ورغم ضيق الوقت، إلا أن نتنياهو يعوّل على دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في رعاية أي اتفاقية سلام إقليمية سواء مع السعودية أو إندونيسيا، على غرار رعايته لاتفاق غزة الأخير ومؤتمر شرم الشيخ، فالرعاية والوساطة الأمريكية قد تساعد في تذليل العوائق والعقبات في وقت زمني محدود.
تخوّفات نتنياهو قبل الانتخابات
رغم الحالة الإيجابية التي يعيشها نتنياهو حاليًا، إلا أن ثلة من التخوفات تلوح في الأفق قد تنهي مساره السياسي أو تعرقل طموحه الأكبر في تشكيل حكومة محدودة الائتلاف أو منفردة من الليكود، ومن أبرزها:
إدانته في قضايا الفساد
تُجرى حاليًا محاكمة نتنياهو في ثلاث قضايا متهم فيها بالفساد وتلقّي ودفع رشاوى. وفي حال إدانته في واحدة منها، فإن مستقبله السياسي سينهار تمامًا، خاصة إذا تلقّى حكمًا بالسجن. وتُمارس محاولات للضغط على الرئيس الإسرائيلي "إسحاق هرتسوغ" – خاصة من نظيره الأمريكي – لمنح نتنياهو عفوًا رئاسيًا، إلا أن "هرتسوغ" يناور سياسيًا ويطالبه بالاعتراف بجرائمه وإبداء الندم مقابل الحصول على العفو، وهو ما يضعف مكانته السياسية. وجدير بالذكر أن هرتسوغ ينتمي سياسيًا إلى حزب العمل، أبرز المعارضين لنتنياهو وحزبه الليكود.
تحركات اليمين المتطرف
نشط بعض الوزراء المنتمين إلى الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل وزير المالية سموتريتش ووزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير في توجيه انتقادات لاتفاق غزة، مطالبين بخرق وقف إطلاق النار واستعادة غزة، بالإضافة إلى الضفة الغربية.
وتعد تحركات اليمين المتطرف من أبرز العوائق أمام تفعيل اتفاقيات إبراهام، فالنظرة العدائية لأنصار ذلك التيار تجاه العرب والمسلمين تحجم الحكومات العربية عن التعامل مع الحكومة الإسرائيلية. كما أن سياساتهم تجاه الفلسطينيين، خاصة تهجير سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، قد تزيد حالة الغضب الشعبي في الدول العربية، الأمر الذي سيشكّل عامل ضغط على تلك الحكومات لفضّ شراكاتها ضمن اتفاقيات إبراهام.

المزاج السلبي تجاه إسرائيل
تتمتع إسرائيل بصورة سلبية في نفوس الشعوب العربية، وتزايدت تلك الحالة عقب حرب الإبادة الأخيرة التي ارتُكبت ضد المدنيين في قطاع غزة. ونتيجة لهذه الصورة السلبية، ستحجم العديد من الأنظمة السياسية الإسلامية والعربية عن تفعيل وتوسيع اتفاقيات إبراهام.
احتمال انهيار اتفاق غزة
في حال انهيار اتفاق غزة – خاصة أن هناك أطرافًا إسرائيلية تسعى لذلك – فإن أية محاولات لتحقيق تقارب بين تل أبيب والعواصم العربية والإسلامية ستبوء بالفشل الذريع. كما أن اتفاقيات إبراهام السابقة مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب قد تكون هي الأخرى مهددة بالانهيار.
ختامًا:
يقف نتنياهو اليوم على مفترق طرق حاسم بين طموح سياسي يسعى من خلاله لترسيخ إرثه كمهندس للتطبيع في الشرق الأوسط، وبين واقع داخلي متأزم قد يطيح بمستقبله السياسي. فبين اتفاق غزة واتفاقات إبراهام، تتقاطع مصالح الداخل والخارج، ويظل السؤال الأهم:هل يستطيع نتنياهو أن يصنع من اتفاق سلام جديد طوق نجاة من أزماته القضائية والسياسية، أم أن الانتخابات المبكرة ستكون بوابة النهاية لزعيم اليمين الإسرائيلي الأطول بقاءً في الحكم؟



