الترسانة الهجينة: لماذا يصعّب تفكيك البنية العسكرية لحماس؟
في غارة جوية خاطفة، خرقت إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار قبل أن تعود مرة أخرى وتعلن التزامها بضبط النفس وإيقاف الغارات وفتح معبر رفح البري أمام قوافل الإغاثة الإنسانية. ولا حديث يعلو في تل أبيب حاليًا على مسألة نزع سلاح حركة حماس والآليات التي ستتبع لتنفيذ ذلك الغرض، ولعل الآلية الوحيدة التي تدركها إسرائيل هي استعمال لغة القوة والحرب لفرض إرادتها السياسية.
ربما تدخل الغارة الأخيرة للطيران الإسرائيلي في إطار الخطة الموضوعة لنزع سلاح الحركة وتفكيكها، إذ أسفرت الغارات الجوية عن اغتيال قائد سرية النخبة في لواء شمال غزة "يحيى المبحوح - أبو العبد" في مقهى الزوايدة وسط القطاع، كما تم مهاجمة مواقع عسكرية وبنية تحتية للحركة ونفق بطول ستة كيلومترات تستخدمه الحركة في عملياتها العسكرية.
مطالِبات أوروبية ـ أمريكية بنزع السلاح
يواصل العديد من المسؤولين الغربيين مطالبة الحركة بضرورة الإسراع في نزع سلاحها خشية عودة الحرب من جديد، وفي هذا الإطار يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حركة حماس باستخدام العنف في حال رفضها أو تلكؤها في نزع سلاحها.
ويرى المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر ضرورة تأسيس قيادة آمنة في قطاع غزة هدفها منع سيطرة حماس على القطاع وإعادة ملء الفراغ فيه، ويؤكد كوشنر أن بلاده بدأت في وضع أسس لإنشاء إدارة مؤقتة في غزة تكون تابعة لمجلس السلام العالمي الذي سيرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وعلى جانب آخر، تسعى بريطانيا وقيادتها إلى لعب دور أكثر أهمية في مسألة نزع سلاح الحركة، عارضة تجربتها في نزع سلاح "الجيش الجمهوري الأيرلندي" كنموذج يمكن الاحتذاء به في غزة. وتسعى بريطانيا حاليًا إلى إعداد مشروع قرار في مجلس الأمن بدعم أوروبي ـ أمريكي يهدف إلى إنشاء قوة استقرار دولية في غزة بصلاحيات موسعة لفرض الأمن في القطاع وتملّك كافة الصلاحيات الميدانية الكاملة.
تجربتا الفارك والجيش الجمهوري الأيرلندي
تُطرح حاليًا العديد من التجارب الدولية في مسألة نزع السلاح، فبريطانيا تحث العالم ومجلس الأمن على انتهاج نموذج "اتفاق الجمعة العظيمة" في أبريل 1998 الذي أنهى القتال في أيرلندا الشمالية بين الجيش البريطاني وقوات الجيش الجمهوري الأيرلندي بعد عقود من الاقتتال.
وهناك أطراف أخرى تطرح تجربة الأمم المتحدة والحكومة الكولومبية في نزع سلاح منظمة فارك المتمردة في عامي 2016 ـ 2017، والتي أنهت عقودًا من الاقتتال الأهلي وأفضت في النهاية إلى احتواء المنظمات المتمردة في العملية السياسية في كولومبيا.
هاتان التجربتان مرّتا بظروف خاصة، وتتشاركان في عدة عوامل ومن ثماراتهما حصول أنصار الجيش الجمهوري الأيرلندي ومتمردي الفارك على اعتراف حكومي من ناحية، وإدماجهم في العملية السياسية والأمنية من ناحية أخرى. كلا التجربتين مرّتَا بأوقات حرجة كادت تفسد الاتفاق لولا وجود إدراك سياسي وإرادة سياسية واعية تمكنت من التغلب على المخاوف التي انتابت أعضاء التنظيمين المتمردين.

معوقات استلهام الدروس
مع طرح التجربتين يدور تساؤل: هل يمكن فعلاً استلهام الدروس والعبر منهما في عملية نزع سلاح حركة حماس؟ توجد تداعيات كثيرة تعيق تحقيق تلك الغاية، أبرزها:
تنوع سلاح حماس:
عملت حماس منذ تحكّمها بقطاع غزة عام 2006 على تحويل ترسانتها العسكرية من ترسانة عصابات وميليشيات إلى ترسانة هجينة. الترسانة الهجينة لحماس تشمل صواريخ متوسطة وقريبة المدى، وطائرات مسيّرة وشراعية خفيفة، فضلاً عن قوات نخبة بحرية وبرية، وقذائف مضادة للدروع، ومركبات مجهزة، وقنابل وعبوات ناسفة مضادة للدروع؛ بالإضافة إلى امتلاكها جهازًا للاستخبارات والتعقب الأمني وسلسلة طويلة من الأنفاق التي تستخدمها الحركة في إدارة عملياتها العسكرية.
في هذا الإطار يوضح نائب الرئيس الأمريكي "جاي دي فانس" صعوبة الأمر الذي أدى إلى عدم وجود خطة أو جدول زمني لنزع السلاح، موضحًا أن الأوضاع على الأرض ما تزال غير معروفة، وهو ما يفسر إصرار الإدارة الأمريكية والبريطانية على ضرورة تشكيل قوة دولية في غزة تكون مهمتها الأولى حصر سلاح الحركة.
ومن المتوقع أن تتخلى الحركة عن ترسانتها الثقيلة من الصواريخ والمسيرات وتكشف عن بعض أنفاقها دون المساس بالأسلحة الصغيرة والشخصية لعناصرها، إذ يمكن ببساطة إخفاء تلك الأسلحة وإبعادها عن أعين المراقبين.
البناء الهيكلي لحماس:
نظراً لحالة التعقّب الأمني الإسرائيلي المستمر للحركة وقيادتها، فإن الهيكل التنظيمي لحماس عادة ما يكون عنقوديًا يتكون من خلايا منفصلة إداريًا تعمل جميعها في سبيل تحقيق أهداف الحركة، فإذا سقطت خلية لا تتأثر بقية الخلايا. وإزاء هذا التركيب العنقودي يصبح من الصعب على قيادة الحركة بسط سيطرتها الكاملة على جميع الخلايا، إذ قد تحدث انشقاقات وتتوجه بعض الخلايا إلى الاحتفاظ بأسلحتها دون الرجوع إلى القيادة.

اختلاف المواقف:
تختلف طبيعة موقف حركة حماس وصراعها مع إسرائيل عن طبيعة الصدامات التي خاضها كل من الجيش الجمهوري الأيرلندي ومنظمة الفارك؛ فالأخيرتان خاضتا صراعًا داخليًا في بريطانيا وكولومبيا، فكلاهما حركات متمردة طالبت بتحسين أوضاعها السياسية داخل دولهما، أما حماس فليست جزءًا من إسرائيل، وإنما تصف نفسها وفق اعتبارات القانون الدولي على أنها حركة تحرر وطني تطالب بإنشاء دولة فلسطينية.
وفي التسوية في أيرلندا الشمالية وكولومبيا تم إدماج الفصيلين في الحياة السياسية وحصل التنظيمان على اعتراف حكومي، كما خففت الإجراءات العسكرية والأمنية الموجهة ضدهما.
غياب الضمانات السياسية:
في ضوء النقطة السابقة لا توجد أية ضمانة سياسية لحماس في حال نزع سلاحها، ولا أية ضمانة للشعب الفلسطيني، خاصة أن اللهجة الإسرائيلية الدائرة حاليًا هي لهجة المنتصر الذي يفرض قراراته ورؤيته على المغلوب، فضلاً عن إصرار اليمينيين الإسرائيليين عبر تصريحات قادتهم على ضرورة إبادة حماس تمامًا واستعادة الاستيطان.
وما يثير الذعر حول انعدام الضمانات هو قرار رئيس الشاباك الأخير المتعلق بتعليمات لقيادات الجهاز بعدم استخدام مصطلح "الضفة الغربية" واستبداله بمصطلح "يهودا والسامرة" الذي يشير تاريخيًا إلى مملكة يهوذا القديمة، وهو تغيير لغوي وسياسي ذو دلالات عميقة.
خروقات أوسلو:
تُشكّل خروقات إسرائيل المتكررة لاتفاقية أوسلو 1993 مصدر قلق لدى حركة حماس؛ فتل أبيب لم تحترم تعهداتها السياسية مع منظمة التحرير الفلسطينية، بل وصل الأمر إلى استعداد اليمينيين الإسرائيليين لضم الضفة الغربية في المستقبل القريب.
الصبر السياسي:
خطط نزع السلاح يجب أن تشمل عملية صبر سياسي واسعة المدى، فالنفوس عادة ما تكون مرتابة بسبب انعدام الثقة المتبادلة. فمثلاً اتفاق الجمعة العظيمة في أيرلندا وقع في 1998 لكن لم يعلن الجيش الجمهوري الأيرلندي إنهاء كفاحه المسلح إلا في 2005، أي بعد نحو سبع سنوات. وفي شأن الفارك، تم التوقيع على الاتفاق في يناير 2016، إلا أنه تم تنفيذًا فعليًا خلال منتصف 2017، وفي عام 2019 حدثت بعض الخروقات وسعى بعض المنشقين إلى استعادة السلاح، لكن في أكتوبر 2025 سلم المنشقون عن فارك سلاحهم الذي يُقدَّر بنحو 14 طنًا من الأسلحة، مما يعني أن تنفيذ اتفاق الفارك استغرق حوالي تسع سنوات.
وبالنسبة لحماس، يبدو أنها لن تحظى بمثل هذا الصبر في ظل حالة العجلة والتلهف لدى الإدارة الأمريكية والإسرائيلية لضرورة نزع سلاح الحركة تمامًا وإنهاء وجودها.
خاتمة
مع دخول المرحلة الثانية من اتفاق غزة نجد أنفسنا أمام تحد خاص حول سبل نزع سلاح حركة حماس، الأمر الذي سيزيد من الضغوط السياسية على الدول الضامنة لاتفاق غزة. كلا التجربتين الأيرلندية والكولومبية لا يمكن في الظرف الراهن استلهام دروسهما حرفيًا في نزع سلاح حماس، كما أن الحركة نفسها ستحاول التملص من نزع سلاحها وربما تلجأ إلى التخلي عن سلاحها الثقيل فقط مع طلب ضمانات سياسية من الإدارة الإسرائيلية بعدم اندلاع خروقات مستقبلية.



