الصراع على العقول: تل أبيب تراهن على الإسلام الإفريقي
في خضم الحديث عن اتفاق غزة والتكهنات المصاحبة له من احتمالية فشله أو استمراره وتعثر حركة حماس في تسليم رفات الرهائن لديها، وتعالي أصوات اليمين الديني المتطرف في إسرائيل بضرورة فض الاتفاق وعودة القتال مرة أخرى والسيطرة الكاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة.تتبع تل أبيب تكتيكات حذرة في تعاملها مع مسلمي غرب إفريقيا، إذ نجحت إلى حد ما في استقطاب تعاطف بعض مسلمي السنغال تجاهها، وإلقاء اللوم على حركة حماس ومنظمات المقاومة الفلسطينية على ما يحدث من انتهاكات إنسانية في الأراضي المحتلة.
ففي سبيل استدراج تعاطف مسلمي السنغال تجاهها، أقامت السفارة الإسرائيلية في داكار خلال الأيام الماضية حفلاً تأبينيًا بمناسبة الذكرى الثانية لأحداث عملية "طوفان الأقصى"، وخلال الحفل تم عرض قصة المختطف الإسرائيلي "علي الزيادنة" وابنه "حمزة" اللذين أُسرا في السابع من أكتوبر 2023 على يد مقاتلي حركة حماس.

التماهي مع الحالة الإسلامية
يعود استخدام السفارة الإسرائيلية في داكار لقصة "علي الزيادنة" وولده "حمزة" من أجل شحذ التأثير العاطفي لمسلمي السنغال مع قضيتهم وترويع شكل المقاومة في مخيال السنغاليين، فـ"الزيادنة" إسرائيلي الجنسية، مسلم الديانة، وبدوي العرق، أي أن الرسالة الإسرائيلية تشير بوضوح إلى أن حماس لا تفرّق بين من هو إسلامي وغير إسلامي، على غرار أسلوب الجماعات الإرهابية في غرب أفريقيا التي اكتوت شعوب تلك المنطقة بنارها رغم انتمائهم لنفس الدين والملة.
لم يكن الزيادنة وابنه ضمن الصفقة الأخيرة لتبادل الأسرى والرفات، إذ سبق أن عُثر على رفاتهما في يناير 2024، لكن قصتهما احتُفظ بها في أروقة الدعاية الصهيونية لأجل استغلالها من جديد في الأوساط الإسلامية البعيدة والمغيبة عما يحدث في غزة، وذلك من أجل تحسين صورتها الدولية.
تسلل خفي
منذ نشأتها في عام 1948 ظلت العلاقات الإفريقية الإسرائيلية في مرحلة شد وجذب طوال العقود الماضية؛ فمن الانفتاح الكامل الإفريقي على إسرائيل في الستينيات إلى المقاطعة التامة في السبعينيات، ثم العودة مرة أخرى لتبادل العلاقات في بداية التسعينيات والألفية الجديدة.
نحت تل أبيب مسألة الدبلوماسية جانبًا في علاقتها مع إفريقيا، خاصة جنوب الصحراء، فالكثير من المواقف السياسية الإفريقية مؤخرًا ما تزال غير مُرضية لتل أبيب، مثل توجه جنوب إفريقيا مؤخرًا إلى رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية بسبب الأحداث والمجازر الإنسانية في قطاع غزة، وفي المقابل نجد أن كيب تاون من أهم مصدّري الفحم المستخدم في محطات الكهرباء في إسرائيل، إذ إن 17% من احتياجات إسرائيل من الفحم تأتي من جنوب إفريقيا.
وكذلك الحال بالنسبة لنيجيريا التي تؤيد الحق الفلسطيني علنًا، ووصل بها الأمر إلى التهديد العلني بقطع العلاقات مع إسرائيل، بل تخطى الأمر إلى إلغاء زيارة رئيس الوزراء التشيكي "بيتر فيالا" إلى نيجيريا بحجة دعمه لإسرائيل ورفض بلاده قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 2023 بوقف إطلاق النار في غزة، وفي المقابل نجد أن 9% من إجمالي واردات إسرائيل من النفط الخام أتت من نيجيريا وما زالت تلك الواردات تتدفق على الموانئ الإسرائيلية لتستغل في تشغيل الآلة الحربية الإسرائيلية.

عوامل التمدد الإسرائيلي في غرب إفريقيا
منذ عام 2017، وهو العام الذي شهد حضور رئيس الوزراء الإسرائيلي قمة الإيكواس (المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا) في ليبيريا، تحاول إسرائيل التقرب إلى دول غرب إفريقيا تحديدًا، معتمدة في ذلك على العديد من العوامل، أبرزها على الإطلاق هو حالة التخوف الإفريقي من تمدد ظاهرة الجماعات المسلحة المنتمية إلى تنظيمي القاعدة وداعش في دول الغرب الأفريقي.
لعب نتنياهو على مفصلية التقارب الأيديولوجي بين تلك الجماعات المنتشرة في غرب إفريقيا وبين فصائل المقاومة الفلسطينية، خاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وتمرير صورة أن إسرائيل ودول الإيكواس في خندق واحد ضد الجماعات المتطرفة.
وعامل آخر متمثل في التمدد الشيعي اللبناني في دول غرب إفريقيا مثل نيجيريا والسنغال وكوت ديفوار، الأمر الذي جعل تل أبيب تهرول جادة في تعزيز علاقتها بتلك الدول لمراقبة أنشطة حزب الله وإيران في تلك المنطقة.
ولتعزيز حضورها الأمني في تلك المنطقة، عملت تل أبيب على إيفاد بعثاتها الأمنية إلى تلك الدول من أجل السيطرة الفعلية على التحركات الإيرانية؛ فمثلًا توغلت إسرائيل كثيرًا في الكاميرون من خلال تدريب عناصر الحرس الرئاسي والقوات الخاصة الكاميرونية، وفي كوت ديفوار تولّت شركات الأمن الإسرائيلية مثل شركة "فيجوال ديفينس" –وهي شركة إسرائيلية كندية– مسألة مراقبة مطار وميناء أبيدجان.

خصوصية سنغالية
وبالعودة إلى الوضع السنغالي، نجد أن داكار حظيت باهتمام إسرائيلي بالغ الأهمية بعيدًا عن الدبلوماسية والعلاقات السياسية، إذ تمركزت العلاقات مع داكار حول الزراعة، فمن خلال الفلاحة والزراعة تمكنت تل أبيب من اختراق المجتمع السنغالي.
وبرز في هذا الاتجاه السفير الإسرائيلي السابق في داكار بول هيرشسون الذي عزز علاقات بلاده مع السنغال من خلال مجال الزراعة، ففي داكار تنشط وكالة "ماشاف" وهي وكالة إسرائيلية تتبع وزارة الخارجية هدفها تقديم الخدمات التنموية.
ساهم هيرشسون ووكالة ماشاف في تنمية العديد من القرى السنغالية خارج العاصمة داكار، ناقلين الخبرات الإسرائيلية في الزراعة وأنماط الري الحديثة إلى تلك القرى، الأمر الذي ساهم في رفع أسهم إسرائيل في الأوساط الشعبوية السنغالية.
وفي محاولة أيضًا للتقرب والتودد والسيطرة على مسلمي السنغال، تقوم السفارة الإسرائيلية في داكار في كل عام بتقديم الأغنام احتفالًا بعيد الأضحى لدى المسلمين، الأمر الذي جعل العديد من الأئمة وأقطاب الطرق الصوفية يتمتعون بعلاقات جيدة مع السفارة الإسرائيلية، بل إن بعضهم أقدم على زيارة تل أبيب.
خلاصة
يتضح من السلوك الإسرائيلي الأخير تجاه أفريقيا أن تل أبيب أصبحت لا تبالي كثيرًا بالمواقف الرسمية للحكومات، بل بدأت تسعى إلى السيطرة الفكرية والنفسية على الأوساط الشعبوية في تلك الدول من أجل خلق المزيد من التأييد الشعبي لها في أفريقيا. وفي المنظور القريب والمتوسط، من الممكن أن تؤدي تلك السياسات إلى تعزيز الهوة السياسية والثقافية بين الشعوب العربية والإفريقية.



