رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رغم اتفاق غزة.. غوش قطيف والسامرة تراود أحلام اليمين الإسرائيلي

 اليمين الديني المتطرّف
اليمين الديني المتطرّف في إسرائيل- أرشيفية

رغم التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في 9 أكتوبر الماضي، الذي نصّ صراحة على ترتيبات ما بعد الحرب وتضمّن عدم احتلال إسرائيل لقطاع غزة وانسحابًا تدريجيًا للقوات الإسرائيلية من محاور القطاع والعودة إلى تموضع ما قبل السابع من أكتوبر، تُجرى في المقابل ترتيبات داخل قطاع غزة، أبرزها إحداث منطقة آمنة على الحدود مع غزة وتشكيل قوة دولية هدفها تدريب عناصر الشرطة المحلية في غزة وتحقيق نزع سلاح حركة حماس عبر تدمير الأنفاق تمامًا وتدمير ورشّ تصنيع الأسلحة.

حظي الاتفاق بمباركة واشنطن من خلال حضور وترؤس رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، مؤتمر شرم الشيخ للسلام والتوقيع على الاتفاق، وهو ما يعدّ أكبر ضامن لإسرائيل على تنفيذ بنود الاتفاق وكافة تطلعات تل أبيب.

ورغم ذلك، ما زالت هناك قوى إسرائيلية تسعى جاهدة لتخريب الاتفاق بشكل أو بآخر، خاصة قوى اليمين الديني. فبعد التوقيع على اتفاقية غزة، أبدى وزراء يمينيون في حكومة نتنياهو، مثل وزير المالية سموتريتش ووزير الأمن الداخلي إيتامار بن غفير، معارضتهم للاتفاق دون التلويح بالانسحاب من الحكومة، وذلك من أجل الحفاظ على تماسكها وتجنّب اللجوء إلى انتخابات مبكرة.

 اليمين الديني المتطرّف في إسرائيل - أرشيفية
 اليمين الديني المتطرّف في إسرائيل - أرشيفية

عودة غوش قطيف

وإمعانًا في تأكيده رفض اتفاق غزة الأخير، صرح وزير المالية سموتريتش خلال مشاركته في عيد فرحة التوراة في مدينة سديروت المحاذية لقطاع غزة بأنه سيكون هناك مستوطنات داخل قطاع غزة خلال الفترة المقبلة، وأنه لا أمن في سديروت دون تحقيق استيطان غزة. أي أنه يرغب في نقل مستوطنات غلاف غزة إلى داخلها. كما أكّد أن خطط الاستيطان في غزة قد أُعدّت بالفعل وتنتظر لحظة التنفيذ الفعلي.

حاليًا يسعى سموتريتش وإيتامار بن غفير إلى نقض اتفاق غزة واستئناف الحرب من جديد من خلال استغلال تعثّر حركة حماس في تسليم جثث الرهائن القتلى؛ وفي المقابل يؤكد الوزيران الإسرائيليان إمكانية أن تسلّم حماس ما بين 15 و20 جثة خلال أيام قليلة.

يرى سموتريتش أن غزة فرصة عقارية لا تعوض ويجب عودة الجيش مرة أخرى إلى القطاع عقب تسليم الرهائن، وأنه يجب منع دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة وإشعار سكانه باليأس الشديد ودفعهم لمغادرة القطاع نهائيًا؛ إذ يرى سموتريتش أن قطاع غزة بمثابة غنيمة حرب لإسرائيل.

سابقًا كانت مستوطنة غوش قطيف أكبر مستوطنة إسرائيلية في قطاع غزة قبل تفكيكها عام 2005 بفعل قانون فك الارتباط الذي دعمه في ذلك الوقت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إريئيل شارون، وهو الأمر الذي رفضته القوى اليمينية في ذلك الوقت، خاصة سموتريتش الذي اعتُقل عام 2005 بتهم ارتكاب جرائم إرهابية بسبب معارضته لخطة فك الارتباط. وبعد خروجه من السجن أسس عام 2006 منظمة ريجافيم التي تشجّع عملية الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 اليمين الديني المتطرّف في إسرائيل - أرشيفية 
 اليمين الديني المتطرّف في إسرائيل - أرشيفية 

ابتلاع يهوذا والسامرة

يسعى اليمين الديني المتطرّف في إسرائيل إلى ابتلاع الضفة الغربية (يهوذا والسامرة) تمامًا؛ فاستيطان الضفة الغربية يعدّ مرتكزًا رئيسًا لفكر اليمين الديني الإسرائيلي. ويسعى وزير المالية حاليًا، رفقة وزير الدفاع إسرائيل كاتس، إلى بناء 22 مستوطنة في الضفة الغربية تمهيدًا للسيطرة الكاملة عليها.

ويخطط سموتريتش لإحداث تغييرات سياسية وديموغرافية في الضفة الغربية من خلال إنهاء حكم السلطة الوطنية الفلسطينية على الضفة ودفع الفلسطينيين إلى الخروج نهائيًا منها بمقابل مادي، وأن من يرغب في البقاء سيفقد جميع حقوقه السياسية مثل المواطنة وحق التصويت في الانتخابات، أي سيُعامل معاملة الأجانب وفي أفضل الأحوال معاملة العمالة الوافدة.

جذور اليمين المتطرف

لم يحظ اليمين المتطرّف بتمثيل معقول في الكنيست خلال العقود الماضية، إذ كان عادة لا يتجاوز عدد مقاعده أصابع اليد الواحدة، الأمر الذي جعله شريكًا ضعيفًا في ائتلاف حكومي في الماضي. لكن مع تصاعد الأزمة السياسية في تل أبيب خلال الفترة من 2019 حتى 2022 ارتفع عدد مقاعد اليمين المتطرّف إلى 16 مقعدًا، الأمر الذي جعله شريكًا مميّزًا في أي ائتلاف حكومي.

وبسبب التصاعد السياسي لليمين الديني المتطرّف، برزت أفكاره إلى الواجهة بشكل أكثر جدية؛ إذ يرى أتباعه أن التوراة منحت شعب إسرائيل أرض فلسطين لتكون وطنًا قوميًّا لإسرائيل من دون الانتظار لخروج المخلّص، وذلك خلافًا لعقائد تنظيمات أخرى التي ترى أن يهودية إسرائيل تتحقّق بمجيء المسيح المخلّص.

وتستند أفكار اليمينيين المتطرّفين أساسًا إلى تعاليم الحاخام مئير كاهانا، الذي هاجر إلى إسرائيل عام 1971، وأسّس حزب كاخ اليهودي الذي حُظر عام 1988 بسبب عنصريته الشديدة، ثم صُنّف كمنظمة إرهابية عام 1994 بعد حادث مذبحة الحرم الإبراهيمي حين قتل باروخ جولدشتاين، المنتمي لحزب كاخ، 29 مصليًا فلسطينيًا في الحرم الإبراهيمي.

 اليمين الديني المتطرّف في إسرائيل - أرشيفية 
 اليمين الديني المتطرّف في إسرائيل - أرشيفية 

تدور أفكار كاهانا حول تحقيق الفصل العنصري وطرد الفلسطينيين تمامًا من كافة الأراضي، كما حذّر من اليهودية العلمانية والليبرالية داعيًا إلى تحقيق دولة ثيوقراطية في "أرض إسرائيل التوراتية".

رغم حظر نشاط كاهانا وحزبه كاخ في إسرائيل، إلا أن أفكاره ما زالت مستمرة إلى اليوم وترددها أحزاب يمينية مثل حزب "عوتسما يهوديت" بزعامة وزير الأمن الداخلي إيتامار بن غفير، وتبرز أيضًا بصورة كبيرة في التجمعات والحركات الاستيطانية مثل حركة «شباب التلال» الاستيطانية التي تستهدف تكوين بؤر استيطانية على قمم تلال الضفة الغربية وترهيب سكان المدن والقرى الفلسطينية، وذلك عبر عمليات القتل والتشريد. وترتبط حركة «شباب التلال» بمايير إيتنغر، حفيد مئير كاهانا.

لا تتوقف أفكار مئير كاهانا عند حركة «شباب التلال» فحسب، بل تمتد أيضًا إلى جماعة «ليهافا» التي تأسست عام 2009 لمنع اختلاط اليهود بالعرب والمسيحيين. أدينت مؤسِسة «ليهافا» بنتسي غوبشتاين عام 2024 بالتحريض على العنصرية وحرق مساجد وكنائس، وتعدّ المنظمة من أكبر داعمي حزب «عوتسما يهوديت» ورئيسه بن غفير.

ولا تورع حركة «ليهافا» في إظهار جرائمها العنصرية؛ ففي حفل زفاف ابنة مؤسس الحركة عام 2013 نُشر فيديو احتفالي لمنتسبي الحركة يظهرهم وهم يطعنون صورة طفل رضيع لم يتجاوز 18 شهرًا، كما أقدم عناصر الحركة على حرق مدرسة يهودية-عربية وكتبوا على جدرانها عبارة "كاهانا كان على حق".

أخيرًا.. آفاق التصعيد

يبدو أن اليمين المتطرّف هو القادم في إسرائيل خلال المرحلة المقبلة نتيجة تسارع وتيرة صعوده السياسي في الانتخابات التشريعية، الأمر الذي سوف يدفع بشكل كبير إلى تحقيق صدامات عنيفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ومن المرجح أن تشتعل جبهة قطاع غزة من جديد مع تقدم مشروعات استيطان غزة ووضعها موضع التنفيذ، الأمر الذي سيهدد اتفاق السلام الموقع في مدينة شرم الشيخ مؤخرًا.

وبعيدًا عن قطاع غزة، فإن الضفة الغربية وتحت وطأة تحرّكات اليمينيين المتطرّفين تجاهها باتت على شفير الانفجار، مستعيدة ذاكرة الانتفاضتين الأولى والثانية، وهو ما قد يهدد ليس فقط المستقبل السياسي الإسرائيلي بل أيضًا مستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية التي تمكنت خلال العقدين الماضيين من إحجام التطلعات الثورية في الضفة. وفي حال تحقق انفجار ثوري في الضفة، سيكون هناك مناخ مناسب وأرض خصبة لفصائل المقاومة من أجل إعادة الانتشار من جديد في الضفة الغربية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء