مرشحون هاربون من ثأر الناخبين.. التجوال الحزبي ملاذ أم وهم؟
تشهد العملية الانتخابية في أي بلد ترتيبات معقدة لم تعد مقتصرة فقط على حمية التنافسية العلنية، بل صارت تمتد إلى كواليس إستراتيجيات المرشحين في اختيار ساحة المعركة.
وهنا برزت ظاهرة "التجوال الحزبي" أو التنقل الانتخابي للمرشحين بين الدوائر كإحدى التكتيكات اللافتة للنظر، مثيرةً تساؤلات حول دوافعها الحقيقية وفائدتها على أرض المعركة الانتخابية.
فبدلاً من أن يكون النائب معبرًا عن مصالح وتحديات منطقة محددة، ويطور خبرته وعلاقاته لخدمة أهلها، أصبح من "المألوف أن نرى نائبًا يترشح في دورة عن محافظة، ثم في الدورة التالية عن محافظة أخرى، وفي الثالثة عن محافظة ثالثة".
هذا الترحال، الذي يتم غالباً عبر نظام القوائم لا الفردي، هو الدليل الأبرز على الأزمة.
في هذا التقرير المفصل عبر إيجبتكٍ نناقش الفقيه القانوني عصام شيحة رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حول ظاهرة التجوال الحزبي عبر الدوائر الانتخابية.
سليمان وهدان وياسر الهضيبي.. نماذج للترحال السياسي
"رحالة سياسيين"
- سليمان وهدان: كان ممثلاً لمحافظة بورسعيد في برلمان 2015، ثم نُقل ترشحه في 2020 إلى محافظة الشرقية، ورغم ذلك ظلت خدماته مرتبطة ببورسعيد، واليوم نراه مرشحًا عن محافظة الإسماعيلية.
- هذا التنقل المتعدد يؤكد أن المقعد أصبح تنسيقاً حزبيًا عابراً.
- ياسر الهضيبي: نائب حزب الوفد الذي كان نائبًا عن محافظة القليوبية، وأعلن ترشحه مؤخرًا عن محافظة قنا.
- هذا الانتقال من الدلتا إلى صعيد مصر يمثل "نموذجًا واضحًا على حالة الترحال السياسي".
وهناك أمثلة أخرى عديدة تؤكد حالة "الارتباك وفقدان الهوية التمثيلية"، مثل نواب من الفيوم ترشحوا في الدقهلية، وآخرين من القليوبية نقلوا إلى الشرقية، ونائب عن عابدين وجدناه مرشحًا في البحيرة.
كما يشمل هذا التحول نوابًا بارزين انتقلوا جغرافياً بشكل كامل: طارق رضوان من سوهاج للقاهرة، محمد يسري عبادة من البحيرة للقاهرة، وأحمد البنا من الشرقية إلى القاهرة.
هذه القائمة، التي تتضمن تنقلات بين الصعيد (سوهاج، قنا) والدلتا (البحيرة، الشرقية) ومحافظات القناة (بورسعيد، الإسماعيلية) والعاصمة (القاهرة)، تؤكد أن التمثيل لم يعد مرتبطًا بالتواصل المباشر مع الناخبين واحتياجاتهم، بل بـ "ترتيبات المقاعد" داخل القوائم الحزبية.
البحث عن "فرصة أفضل" في المجهول ومحدودية التأثير
الفقيه القانوني عصام شيحة رئيس المنظمة المصرية لحقوق الانسان ، وضع يده على العصب المحرك لهذه الظاهرة، كاشفًا عن أن جوهرها يكمن في سعي المرشحين للهروب من عبء الماضي في محاولة لـ "غسل سجلاتهم" الانتخابية في مناطق جديدة.
الهروب الكبير... التكتيك وراء التنقل
في تحليل عميق لسلوك بعض المرشحين، أكد الفقيه القانوني عصام شيحة أن قرار تغيير الدائرة الانتخابية ليس مجرد بحث عن موطئ قدم جديد، بل هو في المقام الأول خطوة دفاعية.
وأشار إلى أن هذا التكتيك يعكس حالة من القلق لدى المرشحين من محيطهم الأصلي، حيث إن “بعض المرشحين فضلوا الابتعاد عن دوائرهم الأصلية هروبًا من محاولات «الناخبين الذين يرغبون في النيل منهم» بسبب مواقف أو أداء سابق”.
يوضح شيحة أن تاريخ المرشح، سواء كان في الخدمة البرلمانية أو حتى في المناصب العامة أو الحزبية، بات يمثل عائقًا أو عبئًا يهدد فرصه في النجاح. فالناخبون، الذين أصبحوا أكثر وعيًا ورقابة، يملكون "ذاكرة انتخابية" قوية تسجل الأداء وتترصد الإخفاقات.
وعليه، فإن دائرة المرشح الأصلية تتحول إلى بيئة "معادية" يصعب فيها ضمان الولاء أو حتى الحياد، ما يدفع المرشحين إلى البحث عن أرض بكر لا تعرف سجلهم.
يشار إلى أن قانون مجلس النواب الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 2014 يبيح للمواطنين الترشح بأي دائرة انتخابية على مستوى الجمهورية شرط أن يكون اسمه مدرج بقاعدة بيانات الناخبين.
البحث عن "فرصة أفضل" في المجهول
يوضح شيحة أن الهدف المعلن لهؤلاء المرشحين الهاربين هو السعي وراء "فرص أفضل".
فبالانتقال إلى دائرة انتخابية أخرى، يأمل المرشح في تحقيق عدة مزايا:
- الهروب من التقييم المسبق: الدوائر الجديدة توفر للمرشح فرصة لتقديم نفسه بصورة جديدة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة التي ترسخت عنه في دائرته الأم.
- استغلال التكوين الديمغرافي: قد يستهدف المرشحون دوائر ذات تركيب سكاني أو قبلي أو مهني يظنون أنه سيكون أكثر تقبلاً لبرنامجهم أو أقل دراية بماضيهم.
- تجنب الخصومات القديمة: الانتقال يجنّبهم مواجهة الخصوم السياسيين أو العائلات التي كانت لها عداوات سابقة معهم، مما يقلل من حدة المعركة الانتخابية الشخصية.
وهم الأمان ومحدودية التأثير الفردي
على الرغم من الدوافع القوية وراء هذا التكتيك، يضع الفقيه القانوني عصام شيحة رئيس المنظمة المصرية لحقوق الانسان علامات استفهام كبيرة حول فعاليته وجدواه الحقيقية.
ويقدم عصام شيحة تحذيرًا إستراتيجيًا للمرشحين المهاجرين، مؤكدًا أن هذا التكتيك:
"قد لا يضمن لهم الحماية الكاملة أو فرص الفوز الكبيرة، خاصة في ظل طبيعة القوائم الانتخابية الكبيرة التي تضم عشرات الأسماء، ما يجعل التأثير الفردى محدودًا داخلها."
يشير هذا التحذير إلى أن آليات الانتخابات الحديثة، خاصة تلك التي تعتمد على نظام القوائم الكبيرة والمغلقة أو النسبية، تقلل بشكل كبير من أهمية الجهد الفردي للمرشح داخل القائمة.
فالفوز في نظام القوائم يعتمد على شعبية القائمة الحزبية بأكملها ووزنها السياسي، وليس بالضرورة على مدى قبول الناخبين لاسم معين في مكان غير دائرته الأصلية.
انعكاسات الظاهرة على العلاقة بين الناخب والممثل
ظاهرة "التجوال الحزبي" تحمل في طياتها دلالات سلبية على العلاقة الأساسية بين الناخب وممثله.
فالمُرشح، الذي يفقد ارتباطه الاجتماعي، بالمنطقة التي يفترض أنه سوف يمثلها، يصبح "مرشحًا عابرًا" أو "نائبًا بلا قاعدة شعبية ثابتة"، مما يثير شكوكًا حول قدرته على تمثيل المصالح الحقيقية للناخبين في الدائرة الجديدة.
ويُعد هذا التكتيك، وإن كان يوفر راحة نفسية مؤقتة للمرشحين الهاربين، بمثابة اعتراف ضمني بفشلهم في تلبية توقعات الناخبين في دوائرهم الأصلية.
وبدلاً من مواجهة هذا الفشل والعمل على تصحيح الأداء، يختار المرشح مسار الهروب، الذي يؤكد الفقيه القانوني عصام شيحة أن نتائجه لن تكون بالضرورة كما يشتهي، خاصة في ظل البنية المعقدة للخرائط الانتخابية المعاصرة.
"التجوال الحزبي" يظل استراتيجية سياسية محفوفة بالمخاطر، فهي تُعد محاولة للهروب من المحاسبة أكثر منها بحثًا عن فرصة حقيقية للتمثيل.
ومع تحول النظام الانتخابي نحو القوائم ذات التأثير الأكبر، يظل النجاح في الانتخابات رهنًا بعوامل أعمق من مجرد تغيير موقع المعركة، وعلى رأسها القبول الحزبي والشعبية العامة للقائمة، وليس فقط الابتعاد عن "ثأر" الناخبين الغاضبين.





