رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قانون كالنر.. غطاء قانوني لهروب نتنياهو من العدالة

نتنياهو في المحكمة
نتنياهو في المحكمة - أرشيفية

قبيل عملية "طوفان الأقصى" بأيام قليلة، وتحديدًا في سبتمبر 2023، كانت تل أبيب على وشك الانفجار السياسي، إذ ارتفع صخب المظاهرات المناوئة لرئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" بسبب تدخله في أعمال القضاء، مثل محاولة السيطرة على التعيينات القضائية وإلغاء بعض الأحكام التي يرى أنها لا تمثل أي معقولية.

وسبق أن دخل الثنائي المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية "نتنياهو" ووزير الدفاع السابق "يوآف غالانت" في صراع سياسي حول ما يسمى بالإصلاحات القضائية. ففي مارس 2023 تصاعدت الأزمة السياسية بينهما إلى حد كبير، مما دفع نتنياهو إلى إقالة غالانت، وهو ما أدى إلى تزايد الغضب الشعبي حينها.

جاءت عملية "طوفان الأقصى" في أكتوبر 2023 لتكون بمثابة طوق نجاة لنتنياهو وتحالفه اليميني، إذ وفرت الحرب مساحة زمنية كافية أمامه لتعديل أوضاعه السياسية، وخفض الصخب الشعبي المناهض له، والأهم من ذلك تعطيل إجراءات محاكمته في تهم متعلقة بالفساد والرشوة وتحريض وسائل إعلام عبرية.

كان نتنياهو، وهو في خضم معركته السياسية تحت شعار "الإصلاح القضائي"، مطلوبًا على ذمة ثلاث قضايا متعلقة بالفساد والرشوة، مما أدى إلى الربط بين القضيتين: الإصلاح القضائي وتهم الفساد، إذ ذهبت أغلب التحليلات إلى الادعاء بأن محاولاته للإصلاح القضائي ما هي إلا وسيلة للتملص من المحاكمة.

ولنتنياهو سوابق في قضايا الإصلاح القضائي تكشف عن نياته السياسية في إعادة تشكيل النظام السياسي الإسرائيلي. فمنذ ولايته الأولى (1996 ـ 1997) خاض معارك سياسية وإعلامية وقضائية هدفها تعزيز السلطات في يده وإضعاف باقي مؤسسات الدولة.

نتنياهو خلال محاكمته - أرشيفية
نتنياهو خلال محاكمته - أرشيفية

الإصلاح القضائي

تعود قضية الإصلاح القضائي إلى يناير 2023، حينما تقدم وزير العدل ونائب رئيس الوزراء "ياريف ليفين" ورئيس لجنة القانون في الكنيست "سيمحا روثمان" بمجموعة من القوانين هدفها تغيير شكل النظام القضائي في البلاد والحد من صلاحياته. ومن أبرز تلك الإصلاحات:

1- تشكيل لجنة تكون مسؤولة عن اختيار وعزل القضاة، بما فيهم قضاة المحكمة العليا أنفسهم، وتتكون من قضاة عاملين وممثلين عن نقابة المحامين وأعضاء في الكنيست ووزراء، بواقع ثلاثة قضاة واثنين من نقابة المحامين وعضوين من الكنيست ووزيرين.

2-  إلغاء أو الحد من المراجعة القضائية للتشريعات، وتقليص صلاحيات المحكمة العليا في مراجعة القوانين الأساسية، مع اشتراط الإجماع لإبطال أي تشريع، مقابل منح الكنيست أفضلية الأغلبية البسيطة (60 صوتًا من أصل 120) لإلغاء قرار المحكمة.

3- جعل تعيين المستشارين القانونيين في الوزارات من قبل الوزراء أنفسهم وليس من وزارة العدل، على أن تصبح قراراتهم توصيات غير ملزمة.

4- توسيع صلاحيات المحكمة الحاخامية (المحاكم الدينية) بحيث تكون قادرة على الفصل في المسائل المدنية بشرط موافقة الطرفين.

5- مشروع قانون يحظر أي إجراءات جنائية ضد رؤساء الوزراء أثناء وجودهم في الحكم.

إزاء تلك المقترحات اندلعت التظاهرات الصاخبة في تل أبيب رفضًا لسياسات نتنياهو، ومُنع الأخير من تنفيذ الخطة نظرًا لتضارب المصالح كونه متهمًا في قضايا فساد، ما دفع وزير العدل "ياريف ليفين" إلى تصدر المشهد.

وبلغ التراشق بين الحكومة والمحكمة العليا ذروته في يوليو 2023 حين أقر الكنيست مشروع قانون يحد من سلطات المحكمة في إبطال قرارات الحكومة، وفي يناير 2024 ألغت المحكمة القرار، لترد الحكومة في مارس 2025 بمشروع قانون جديد لتغيير شكل لجنة اختيار القضاة.

 

التملص من اتهامات الفساد

تزامنًا مع الاضطرابات الشعبية والقضائية، واجه رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في عام 2020 اتهامات متعلقة بالفساد في ثلاث قضايا منفصلة حملت الأرقام 1000 و2000 و4000، فالقضية 1000 تتعلق بتلقي رشاوي من رجال أعمال بقيمة 260 ألف دولار مقابل تقديم خدمات لهم، أما القضية 2000 فيُتهم فيها بالتفاوض مع "أرنون موزيس"، ناشر صحيفة "معاريف"، للحصول على تغطية إيجابية، أما القضية 4000 فيُتهم فيها بتقديم تسهيلات لـ"شاؤول إلوفيتش"، مالك موقع "واللا" العبري، للحصول على تغطية إيجابية أيضًا.

وفي سبيل التملص من تلك الاتهامات، انبرى أعضاء حزب الليكود في تقديم مشروعات قوانين هدفها منع محاكمة نتنياهو. فقد تقدم النائب "أريئيل كالنر" بمقترح قانون لتقليل عدد جلسات محاكمة نتنياهو بحجة تعارضها مع العدالة ومصالح الدولة العليا، ولمنحه الوقت الكافي لإدارة شؤون الدولة.

وينص مشروع القانون على أنه في حال وجود جلسة محاكمة لرئيس الوزراء، يحق لوزير الدفاع ووزير العدل التشاور وتقديم خطاب كتابي إلى هيئة المحكمة يفيد بضرورة تأجيل المحاكمة لمدة 180 يومًا قابلة للتجديد، إذا رأوا في ذلك خطرًا على أمن البلاد.

وبالنهج ذاته، يحاول نتنياهو تبرير عدم حضوره جلسات المحاكمة، فتارة يحتج بانشغاله بزيارات رسمية لرؤساء دول، وتارة أخرى بأعذار صحية مثل إصابته بالتهاب القصبة الهوائية والرشح الشديد.

ضغوط أمريكية

سعى نتنياهو لاستغلال علاقاته بالرئيس الأمريكي للتأثير على القضاء الإسرائيلي. ففي يونيو 2025 أبدى الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" استياءه من استمرار محاكمة نتنياهو، وطالب خلال خطابه في الكنيست نظيره الإسرائيلي "إسحاق هرتسوغ" بضرورة العفو عنه.

ومن ناحية أخرى، حدثت مشادات بين الرئيس الإسرائيلي "هرتسوغ" ورئيس الكنيست "أمير أوحانا" بسبب استبعاد رئيس المحكمة العليا "يتسحاق عاميت" والمستشارة القانونية للحكومة "غالي بهاراف-ميارا" من حضور جلسة خطاب ترامب، وهو ما اعتبره الرئيس مساسًا بالوحدة الوطنية.

نتنياهو خلال محاكمته- أرشيفية
نتنياهو خلال محاكمته- أرشيفية

محاكمات سابقة

لا تُعد محاكمة نتنياهو الأولى من نوعها، إذ سبقه كل من رئيس الوزراء الأسبق "إيهود أولمرت" والرئيس الإسرائيلي الأسبق "موشيه كاتساف".

فـ"أولمرت" حُكم عليه بالسجن عام 2014 بتهمة تلقي رشاوي إبان رئاسته لبلدية القدس (1993 ـ 2003)، ثم خُفف الحكم إلى 18 شهرًا عام 2015.

أما "كاتساف" فأدين بارتكاب جرائم اغتصاب عندما كان وزيرًا في التسعينيات، والتحرش الجنسي بامرأتين أثناء توليه الرئاسة بين عامي 2000 و2007، وحُكم عليه بالسجن سبع سنوات، وقد تمت التحقيقات أثناء توليه المنصب.

إصلاح قضائي أم توسيع سلطات نتنياهو؟

لا شك في أن التهم الموجهة إلى نتنياهو تثير السخرية لدى الكثير من أعضاء حزب الليكود، خاصة المتعلقة بالرشاوى التي كانت على هيئة دُمى وقنينات مشروبات روحية وسجائر وغيرها من الهدايا التذكارية. وتكشف محاكمة نتنياهو والأزمة القضائية في إسرائيل عن أزمة بنيوية في النظام السياسي، وصراع بين رؤيتين حول شكل الحكم. فالنظام السياسي الإسرائيلي بُني عام 1948 على غرار النظام البرلماني البريطاني الذي يمنح الأولوية للسلطة التشريعية (الكنيست) مع مكانة متميزة للقضاء، وتخضع الحكومة لهما بشكل مباشر.

لكن منذ التسعينيات ظهرت دعوات لتحويل النظام إلى نموذج رئاسي على الطريقة الأمريكية يمنح رئيس الوزراء صلاحيات أوسع، وقد بدأ ذلك بتعديل قانون الانتخابات عام 1992، ليُنتخب رئيس الوزراء مباشرة من الشعب بجانب الكنيست. جرى تطبيق القانون في انتخابات 1996 التي فاز فيها نتنياهو، صاحب الرؤية الأقرب للنظام الأمريكي، فأنشأ مجلسين للأمن القومي والتخطيط الاقتصادي بصلاحيات تفوق الحكومة نفسها. ومنذ 2009 وحتى اليوم، سعى نتنياهو لتشكيل حكومات يمينية خالصة للسيطرة على الكنيست وتوسيع صلاحياته. ولم يتبقَّ أمامه سوى عقبة المحكمة العليا التي تقف أمام مشروعه في توسيع سلطات رئاسة الحكومة.

وأخيرًا، يمكن القول إن نتنياهو سيحاول استغلال نتائج الحرب الأخيرة والزخم الشعبي بعد تسلم الرهائن من أجل توسيع صلاحياته وتقليص نفوذ السلطة القضائية، التي لم يتبقَّ لها سوى ورقة واحدة للمساومة السياسية: تهم الفساد والرشوة الموجهة له. لكن تلك الورقة نفسها باتت على وشك السقوط إذا أقر الكنيست قانون "كالنر" الذي يهدف إلى تعطيل جلسات محاكمة نتنياهو.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء