من المقاومة إلى صراع المخيمات: غزة بين سلام هش وحرب أهلية تلوح في الأفق
تدور الأحداث التاريخية وفق نواميس خاصة تتكرر دومًا إذا توافرت لديها الشروط والعوامل المناسبة، فعادة ما تتشابه أحداث الماضي مع الحاضر، فمن الماضي يمكن استنتاج وفهم الحاضر والتنبؤ بالأحداث المستقبلية، فالأخطاء البشرية، خاصة السياسية، هي نفسها التي ارتُكبت في الماضي ولا تزال مستمرة إلى يومنا الحاضر.
ولعل الحاضر وواقعه يكون أكثر مرارة من الماضي، إذ يكون عقابًا لعدم استلهام الماضي ودروسه. فبعد يومين تقريبًا من التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في 9 أكتوبر 2025، وقبيل مؤتمر شرم الشيخ للسلام في غزة، والذي من المقرر أن يُكوِّن المشهد السياسي لغزة بعد الحرب، اندلعت الاشتباكات الفلسطينية–الفلسطينية داخل قطاع غزة بين مقاتلي حركة حماس وميليشيات عائلية في جنوب القطاع، خاصة التابعة لعائلة "دغمش"، مما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص، من بينهم الناشط والصحفي "صالح الجعفراوي".
عودة إلى الماضي
أحداث الاشتباكات الأخيرة داخل قطاع غزة تعيدنا إلى ما حدث في الماضي، حيث مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، مثل مخيمات صابرا وشاتيلا وبرج البراجنة. فمع انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان في أغسطس/سبتمبر 1982، اندلعت الاشتباكات الفلسطينية–الفلسطينية في عام 1984 بين الفصائل الفلسطينية فيما عُرف تاريخيًا باسم حرب المخيمات الفلسطينية (1985–1988).
ما لم تستطع إسرائيل ارتكابه من مجازر خلال حربها على منظمة التحرير الفلسطينية أثناء حصار بيروت، ارتكبته الفصائل الفلسطينية ذاتها، التي لم تتورع عن توجيه العنف اللامحدود ضد أشقائها الفلسطينيين المكتظين في المخيمات، مرتكبةً أبشع الجرائم من قتل وتشريد وتجويع للأطفال والنساء الفلسطينيين.
في عجالة سريعة، تعود أصول حرب المخيمات إلى مرحلة ما بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية، وتسابق الميليشيات الفلسطينية الأخرى، وأيضًا منظمة التحرير والميليشيات المارونية والشيعية المتمثلة في حركة أمل الشيعية بقيادة نبيه بري، في ملء الفراغ الذي تسبب فيه خروج فتح ومنظمة التحرير من الجنوب اللبناني.
ففي عام 1983، بدأت منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات سياسة جديدة مزدوجة هدفها إطلاق العنان لمسألة المفاوضات والتوصل إلى حل سلمي، ومن ناحية أخرى حاولت إعادة التمركز والتوطن من جديد في المخيمات الفلسطينية بتجنيد عناصر جديدة من الشباب، مما أثار حفيظة بعض الأطراف اللبنانية مثل حركة أمل، والفلسطينية مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "القيادة العامة"، وحركة فتح الانتفاضة، وذلك بدعم كامل من الجيش السوري المتواجد في لبنان.
دوافع الاقتتال الأهلي عقب الحروب الكبرى
بعد انتهاء الحروب والثورات والأحداث الكبرى، عادة ما تنشأ حالة اقتتال واحتراب أهلي كبير بين أبناء الوطن، مثلما حدث في الحرب الأهلية الأيرلندية التي اندلعت رحاها عقب تحقيق الاستقلال فورًا في عام 1920، وأيضًا حرب المخيمات في جنوب لبنان بعد حرب 1982، وأخيرًا بوادر الاقتتال الناشئ في غزة عقب انتهاء معارك طوفان الأقصى.

ترجع سرعة اندلاع الاشتباكات إلى العديد من العوامل، أبرزها:
حالة الفراغ السياسي:
في الحالة الفلسطينية، نجد أن المجتمع الفلسطيني عانى قديمًا ويعاني حاليًا من سياسة الفراغ التي تسببت بها الحرب. ففي حرب 1982، تسبب قصف بيروت في إخراج مقاتلي منظمة التحرير، مما أدى إلى إفراغ المخيمات من حُماتها على مدار عقد من الزمان، الأمر الذي أسال لعاب العديد من الميليشيات والتكوينات الأخرى في محاولة ملء ذلك الفراغ.
وتجدد هذا الأمر حاليًا في قطاع غزة، فبعد الضربات المتتالية التي طالت كتائب الشهيد عز الدين القسام واغتيال أبرز قيادات الصف الأول والثاني بها، أدى ذلك إلى حالة إضعاف وإنهاك شديد للحركة ومقاتليها، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل قدرة الحركة على فرض سيطرتها داخل قطاع غزة. وهو الأمر الذي عزز إمكانية ظهور ميليشيات مناوئة للحركة في القطاع في ظل الحرب السابقة وبعدها. فخلال الحرب السابقة ظهرت ما يسمى "ميليشيات ياسر أبو شباب" وميليشيات "حسام الأسطل"، وعقب الحرب مباشرة اندلعت اشتباكات بين مقاتلي الحركة ومقاتلي عائلة دغمش في القطاع. لذا من الممكن أن يكون الاقتتال الحالي في القطاع مقدمة لما هو أسوأ، وهو حرب أهلية فلسطينية–فلسطينية حول سياسة ملء الفراغ في القطاع.
عدم الرضا عن التصرفات السابقة:
سابقًا، سيقت الاتهامات إلى منظمة التحرير الفلسطينية بأنها السبب في الخروج الفلسطيني من جنوب لبنان، وأن قادة الحركة لم يكونوا على استعداد كافٍ لرد العدوان الإسرائيلي في يونيو 1982، وهو ما دفع الغاضبين وقتها إلى الاقتتال مع منظمة التحرير.
وحاليًا، توجه الانتقادات والاتهامات بشدة إلى حركة حماس باعتبار فشل تقديراتها فيما يخص أحداث السابع من أكتوبر 2023، والتي أدت إلى تدمير كلي لقطاع غزة ومقتل 67 ألف شهيد وتشريد مليوني شخص تقريبًا، ما قد يدفع العديد من القوى الفلسطينية إلى خوض غمار حرب واقتتال أهلي ضد حركة حماس، باعتبارها المتسببة في أحداث 7 أكتوبر، وعليها أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية وتتراجع عن سدة المشهد السياسي.

سياسة "فرق تسد":
في حال الفشل في القضاء التام على أي فصيل سياسي أو عسكري، تلجأ القوى الإقليمية عادة إلى سياسة "فرق تسد" من أجل الإمعان في إضعاف تلك الفصائل وكتابة نهايتها بأيدي نظرائها. ففي حرب المخيمات 1982، سعت سوريا بقيادة حافظ الأسد إلى القضاء على استقلالية الرأي الفلسطيني ومنظمة التحرير بدعم العناصر والميليشيات الفلسطينية المناوئة للمنظمة. وحاليًا قد تسعى إسرائيل إلى توجيه الدعم أو غض الطرف عن الميليشيات الأخرى المناوئة لحركة حماس في القطاع من أجل إضعاف الحركة وتقزيم دورها في الداخل الفلسطيني.
أبرز الميليشيات المناهضة لحماس
تواجه حركة حماس عددًا من الميليشيات المناهضة لوجودها في القطاع، متمثلة أولًا في المجموعات التابعة لمنظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية، وتلك المجموعات سبق أن تم سحقها في عام 2006 إبان الاقتتال بين قوات السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) وبين حركة حماس. ومن المحتمل أن تحاول السلطة الوطنية الفلسطينية إعادة التمركز من جديد ولم شمل عناصرها في القطاع لأجل مواجهات محتملة مع حماس في المستقبل القريب.
ومن ضمن المجموعات الأخرى تلك التي ظهرت خلال الحرب السابقة، والتي ارتبطت بصورة كبيرة بتعاونها مع قوات الجيش الإسرائيلي واستلامها مسألة توزيع المساعدات الإنسانية، مثل مجموعة ياسر أبو شباب، والتي ترجح بعض المصادر الإخبارية احتمالية اعتقال قائدها من قبل مقاتلي حماس، وأيضًا مجموعة حسام الأسطل في خان يونس، والتي عملت هي الأخرى في مسألة توزيع المساعدات الإنسانية. وأخيرًا برزت مجموعات عائلية مثل عائلة دغمش، التي اشتبكت مؤخرًا مع مقاتلي حماس، وتعد مسألة عائلة دغمش مربكة للغاية.
ففي البداية كانت عائلة دغمش مناصرة للسلطة الوطنية الفلسطينية وقيادتها، ثم ما لبثت أن تحولت لمناصرة حركة حماس ومقاتلة حركة فتح، وأخيرًا انشق بعض أفرادها عن حركة حماس في عام 2007، وحدوث اقتتال بين أفراد العائلة وبين حركة حماس.
وعقب الانشقاق عن حركة حماس، بايع أحد أفراد العائلة وهو "ممتاز دغمش" تنظيم القاعدة، وأسس تنظيم "جيش الإسلام"، وعمل على توسيع دائرة نشاطاته المسلحة إلى خارج قطاع غزة، وتحديدًا شبه جزيرة سيناء، مما أدى إلى مقتله في سيناء عام 2015 على يد القوات المصرية. ومن المفارقات أيضًا بخصوص تلك العائلة، أن إسرائيل استهلت قصفها لقطاع غزة بقصف عائلة دغمش في أكتوبر 2023، مما أدى إلى مقتل أكثر من 100 شخص من أفراد العائلة.
وجدير بالذكر أن ميليشيات عائلة دغمش سبق أن شاركت في عملية أسر الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط" في عام 2006، وهو ما استغلته حركة حماس في إتمام صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011، التي تمكنت فيها من مقايضة تل أبيب والإفراج وقتها عن أكثر من ألف أسير فلسطيني، منهم يحيى السنوار، قائد الحركة الراحل الذي اغتالته إسرائيل في عام 2024.
تضع الاشتباكات الأخيرة في قطاع غزة الساحة الفلسطينية أمام اختبار بالغ التعقيد، فالتاريخ يعيد نفسه ولكن بثوب جديد، حيث تتقاطع الصراعات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية لتشكّل مشهدًا قد يعيد إلى الأذهان مآسي "حرب المخيمات" في لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي. إن الانهاك العسكري لحركة حماس، وتراجع سلطتها الميدانية، واتساع رقعة الفصائل والميليشيات ذات الولاءات المتباينة، كلها عوامل تنذر بمرحلة من الفوضى السياسية والأمنية قد تهدد ما تبقى من البنية الاجتماعية في القطاع.
ورغم أن تجربة الاقتتال الفلسطيني–الفلسطيني في الماضي كانت كافية لتلقين الفصائل دروسًا قاسية حول خطورة الانزلاق نحو الحرب الأهلية، فإن الواقع الراهن يوحي بأن هذه الدروس لم تُستوعَب بعد. فغياب المشروع الوطني الموحد، واستمرار التدخلات الخارجية، وتنامي النزعات الفصائلية والمناطقية، قد يجعل من غزة ساحة جديدة لتصفية الحسابات الداخلية والإقليمية معًا.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح القوى الفلسطينية في تفادي تكرار مأساة "حرب المخيمات"، أم أن التاريخ سيفرض منطقه من جديد، لتتحول غزة إلى مسرح لصراع الإخوة الأعداء؟



