من فاجنر إلى الفيلق الإفريقي.. روسيا تعيد هندسة حضورها في ليبيا
تتعدد المسميات، ولكن المضمون واحد، وهو تعزيز التواجد الروسي في القارة الإفريقية. ففي سبتمبر الماضي، أعلنت شركة "فاجنر (Wagner)" الروسية انتهاء مهامها في بعض الدول الإفريقية، ما فتح الباب أمام التكهنات بشأن النفوذ الروسي في القارة السمراء. وبالتزامن مع هذه الإجراءات، أعلن "الفيلق الإفريقي (Africa Corps)" بقاءه فيها.
وتمثل ليبيا أهمية استراتيجية للتواجد الروسي في قلب القارة السمراء، إذ تعتبر بوابة الدخول إلى مناطق كانت تحت سيطرة النفوذ الفرنسي، كما تستفيد روسيا من التواجد على البحر المتوسط وتحتفظ بقوات وقواعد عسكرية فيه، إضافة إلى استفادتها من الموارد النفطية والثروات المعدنية وتجارة الأسلحة.
ومع استبدال روسيا قوات مجموعة "فاجنر" بقوات "الفيلق الإفريقي"، نحاول رصد ملامح هذا التواجد على النحو الآتي:
أولًا: الشركات العسكرية والأمنية الخاصة
تُعدّ الشركات العسكرية والأمنية الخاصة (Private Military and Security Companies - PMSCs) كيانات تجارية تتخصص في تقديم الخدمات العسكرية والأمنية، وتشمل هذه الخدمات:
الدعم القتالي، وجمع المعلومات الاستخبارية، والدعم التشغيلي واللوجستي، وتدريب قوات الأمن، وحماية السلع والبنية التحتية والأفراد، وصيانة أنظمة الأسلحة.

وفي حين أن بعض الأنشطة مثل القتال ترتبط بالجهات العسكرية، فإن أنشطة أخرى مثل حماية المنشآت ترتبط بالجهات الأمنية. ولا يوجد تمييز عالمي متفق عليه بين الشركات التي تقدم خدمات عسكرية وتلك التي تقدم خدمات أمنية، لذا يُستخدم المصطلح الشامل "الشركات العسكرية والأمنية الخاصة" ليشمل كل هذه الأنشطة.
وتدخل شركة فاجنر ضمن هذا الإطار، إذ تُقدّم خدمات أمنية وعسكرية، وقد أسسها "يفغيني بريغوجين"، الذي كان يُعرف قبل تمرده على "بوتين" بلقب "طباخ الرئيس".
ثانيًا: فاجنر في الصراع الليبي
بدأ ظهور قوات "فاجنر" في مايو 2018 بليبيا مع شنّ الجيش الليبي بقيادة "خليفة حفتر" العملية العسكرية لتطهير الأراضي الليبية من الميليشيات المسلحة، حيث أعلن عن بداية "معركة الكرامة" والهجوم على العاصمة طرابلس. وفي 7 نوفمبر 2018، التقى المشير خليفة حفتر خلال زيارته لموسكو بوزير الدفاع الروسي "سيرغي شويغو" و"يفغيني بريغوجين".
وبحلول مارس 2019، ظهرت تقارير تُبيّن وجود نحو 300 مرتزق من "فاجنر" في قاعدة "بنغازي"، إلى جانب مشاركتهم في عمليات الجيش الوطني الليبي. وكان من نتائج معركة "الكرامة" تعزيز تركيا لنفوذها في العاصمة الليبية، إذ أرسلت مقاتلين وأسلحة فور تقدم قوات الجيش الليبي نحو طرابلس، كما وقّعت حكومة الوفاق اتفاقية أمنية وعسكرية مع أنقرة. وبذلك تمكنت الميليشيات المتحالفة مع حكومة الوفاق من صدّ هجوم "حفتر" وطرد قواته من قاعدة "الوطية" الجوية.

وفي الواقع، عملت "فاجنر" على تجميع مرتزقة من الجوار الليبي وسوريا، حيث شارك مقاتلون من السودان (قوات الدعم السريع) وتشاد (من المعارضة التشادية)، إلى جانب عناصر من الجنوب السوري، وأخرى من إفريقيا الوسطى ودول الساحل. ونقلت الشركة معدات ثقيلة وطائرات وقاذفات صواريخ من قاعدة "حميميم" الروسية في سوريا، وفقًا لقيادة "أفريكوم"، في تحدٍّ واضح لقرار حظر توريد السلاح إلى ليبيا.
ثالثًا: روسيا تستبدل فاجنر بالفيلق الإفريقي
بعد تمرد "يفغيني بريغوجين" على الرئيس "بوتين"، قرر الأخير "مأسسة" الشركة الأمنية والعسكرية وإخضاعها لإشراف وزارة الدفاع الروسية، في خطوة شملت إعادة هيكلتها التنظيمية وقيادتها لتكون تحت إشراف نائب وزير الدفاع الروسي "يونس بك يفكوروف"، وليكون مركزها الرئيس في ليبيا.
وجاءت هذه الإجراءات بعد سقوط نظام الأسد، وأعلنت "فاجنر" رسميًا عن إنهاء أعمالها في بعض دول الساحل.ويرى خبراء عسكريون أن روسيا لن تفرّط في موقعها المتميز على ساحل البحر المتوسط، إذ يعدّ مركزًا لوجستيًا لتجنيد المقاتلين ونقل الأسلحة من قواعدها في سوريا. وتمتلك روسيا قواعد عسكرية جوية في سرت والجفرة وقرضابية وبراك الشاطئ، ومن المحتمل أن تنشئ قاعدة بحرية في طبرق، لتُحكم بذلك وجودها في قلب الشمال الإفريقي وجنوب المتوسط، منافسةً للأوروبيين.

رابعًا: أهداف ومنافع متبادلة
تتوزع قوات الفيلق في خمس دول إفريقية هي: مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وليبيا.وسبق تكوين الفيلق الإفريقي حملة تجنيد للمقاتلين تضمنت عقدًا مدته ستة أشهر، وراتبًا يبلغ 240 ألف روبل (حوالي 3330 دولارًا)، وتأمينًا على الحياة.
وينطوي التعاون الروسي–الإفريقي على منافع متبادلة أبرزها:
(أ) استفادة روسيا من بيع الأسلحة والمعدات والسيطرة على مناجم الذهب واليورانيوم والكوبالت والنحاس، والتفاوض لإنشاء محطات طاقة نووية للتغلب على أزمات الكهرباء، والوصول إلى موارد النفط والطاقة، والانخراط في السوق الاقتصادي الإفريقي.
(ب) توفير الحماية لنظم الحكم الوليدة؛ ففي يناير 2024 تم نشر 100 عسكري في بوركينا فاسو لحماية الرئيس "إبراهيم تراوري" من محاولات الاغتيال، ومن المقرر انضمام 200 آخرين، كما وصلت قوات من الفيلق الإفريقي إلى النيجر في 12 أبريل 2024.
(ج) امتلاك أدوات ضغط على الدول الأوروبية وتهديد أمنها؛ إذ صرّح مسؤول عسكري روسي بأن موسكو يمكنها نشر غواصة نووية بعد الحصول على قاعدة بحرية في طبرق، وهو الموقف ذاته الذي اتخذته أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، كرسالة بتوسيع نفوذها ومنافسة أوروبا.
ورغم هذا التمدد الروسي، تبقى التحديات قائمة، فحتى مع انسحاب فرنسا من قواعدها التقليدية، فإن واشنطن لن تترك الساحة لموسكو. يتضح ذلك في سياسة "ترامب" تجاه دول الساحل، والتي اعتمدت على مقايضة مكافحة الإرهاب بصفقات المعادن النادرة.
وإجمالًا، لا تزال روسيا تتمدد في القارة الإفريقية، سواء عبر الشركات الأمنية والعسكرية مثل "فاجنر" سابقًا، أو من خلال تقنين وجودها رسميًا عبر قوات "الفيلق الإفريقي".



