رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الدراجات النارية في استراتيجيات الجماعات المسلحة بدول الساحل الإفريقي

عناصر مسلحة في الداخل
عناصر مسلحة في الداخل الإفريقي

 في شوارع مالي والنيجر وبوركينا فاسو، لا تمثل الدراجات النارية مجرد وسيلة نقل، بل هي شريان حياة للمجتمعات الريفية، وركيزة لاقتصاد يومي قائم على التنقل السريع. غير أن هذه الوسيلة البسيطة تحولت، في نظر الحكومات، إلى تهديد أمني خطير بعد أن استغلتها التنظيمات الإرهابية في شن هجماتها وتنفيذ عملياتها. هكذا نشأ جدل متصاعد في دول الساحل حول حظر الدراجات النارية أو تقنينها.

أولًا: الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للدرجات البخارية في دول الساحل

نظراً لطبيعة النشاط الاقتصادي والحياة الاجتماعية التي تتميز بها دول الساحل الافريقي، والتي تعتمد أساسا على الزراعة والرعي وصيد الأسماك، وتماشياً مع حقيقية ان دول الساحل تفتقر للبنية التحتية والطرق المعبدة، فتعتبر الدراجات النارية وسيلة نقل أساسية في كل من المناطق الحضرية والريفية في دول الساحل وبخاصة مالي والنيجر وبوركينافاسو، حيث تعد ركيزة أساسية للعديد من الاقتصادات المحلية. يعود ذلك إلى أنها تُمثل أرخص وسائل النقل، وعادة ما تكون الأكثر موثوقية، للمواطنين الذين لا يستطيعون أو لا يرغبون في الاعتماد على النقل العام، أو لا يستطيعون تحمل تكلفة سيارة. وقد حلت في كثير من الأحيان محل عربات الحمير أو الجمال أو الدراجات الهوائية كوسيلة نقل، وأصبحت عنصرًا أساسيًا في الحياة التجارية والأسرية في منطقة الساحل، أضف الى ذلك انها تتمتع بمزايا مثل وملاءمتها للطرق غير المعبدة أو الوعرة أو الرملية من معظم السيارات. كما أنها أكثر كفاءةً في استهلاك الوقود وأسهل إصلاحًا، مما يجعلها ضروريةً في المناطق الريفية. وقد أصبحت بعض أنواع الدراجات النارية الثقيلة أو الكبيرة وسيلة النقل الأكثر شيوعًا للمزارعين والرعاة في بوركينا فاسو ووسط مالي، نظرًا لقدرتها على اجتياز الطرق الرديئة أو الأسطح الرملية.

الدراجات البخارية في الساحل الإفريقي
الدراجات البخارية في الساحل الإفريقي

ثانيًا: التحديات الأمنية والمؤسسية في دول الساحل

تعاني منطقة الساحل الافريقي من ظاهرة هشاشة الدولة والتي بدورها أثرت على الحالة الأمنية وتحقيق التنمية الاقتصادية، فواقع دول الساحل في المؤشرات الدولية يضعها ضمن الدول الأكثر تأثرًا بالإرهاب وذلك بفضل تحولها لبؤر الإرهاب العالمي ومركز للجريمة المنظمة، بفضل انتشار تنظيمات الإرهاب التابعة للقاعدة وداعش، حيث منطقة الساحل، متوسط دخل منخفض، و يعيش ما يقرب من 31% من السكان تحت معدل الفقر الدولي، تُصنَّف غالبية دول الساحل الإفريقي، ولا سيما مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ضمن فئة "الهشاشة العالية"، حيث تُعد بوركينا فاسو ومالي من بين الدول الأكثر هشاشة على مستوى العالم نتيجة تصاعد حدة العنف المسلح وتكرار الانقلابات السياسية.. وفيما يتعلق بمؤشر مدركات الفساد، فقد سجلت دول الساحل أدنى المعدلات عالميًا؛ إذ أحرزت مالي المرتبة 135 من أصل 180 دولة، والنيجر في المرتبة 107، في حين سجلت بوركينا فاسو في المرتبة 82.

ووفقاً لمؤشر الجريمة المنظمة في إفريقيا (Africa Organized Crime Index) الذي يكشف عن حجم التحديات المرتبطة بانتشار أنشطة التهريب والجريمة المنظمة في منطقة الساحل، حيث يبلغ متوسط معدل الإجرام في القارة 5.25 نقاط من أصل 10. ووفقًا للمؤشر، تندرج دول الساحل ضمن الفئة التي تسجل معدلات مرتفعة للجريمة المنظمة، في مقابل مستويات منخفضة من "المرونة"، وهو ما يعكس ضعف القدرات المؤسسية والأمنية والرقابية والقضائية في مواجهة هذه الظاهرة. فعلى سبيل المثال، سجلت بوركينا فاسو 5.83 نقاط في جانب "الأسواق الإجرامية"، و6 نقاط في "الجهات الإجرامية"، بينما لم تتجاوز درجتها في "المرونة" 3.46 نقاط، الأمر الذي يعكس محدودية قدرتها على مواجهة التحديات المرتبطة بالجريمة المنظمة، ويكشف مقدار السوق الاجرامي في دول الساحل عن حجم التجارة غير المشروعة التي تعتبر الدرجات البخارية جزء كبير منها، ونظراً لكون بوركينا فاسو ومالي والنيجر دولاً غير ساحلية، فإن ارتفاع الأسعار هي السمة المميزة لدول الساحل الحبيسة، أدى هذا  إلى ظهور العديد من طرق التهريب ومراكز معروفة لشراء السلع غير المشروعة والمختصة بتجارة الدرجات البخارية. وفي نفس السياق، تُعد منطقة الساحل أكثر مناطق العالم تضررًا من الإرهاب، حيث استحوذت في عام 2024 على أكثر من نصف الوفيات الناجمة عن العمليات الإرهابية، إضافةً إلى نسبة 19% من إجمالي الهجمات عالميًا. 

الدراجات النارية في الساحل الإفريقي
الدراجات النارية في الساحل الإفريقي

ثالثًا: الدرجات البخارية كعامل مزعزع للاستقرار في منطقة الساحل

على الرغم من مكانتها الأساسية في الحياة المنزلية والاقتصادية، تُعدّ الدراجات النارية أيضًا بؤرةً توترٍ في منطقة الساحل التي تعاني من انعدام الأمن. وتعني أهمية الدراجات النارية في الحياة اليومية ارتفاع الطلب عليها باستمرار، مما يجعلها هدفًا مرغوبًا للصوص. وغالبًا ما تكون سرقة الدراجات النارية في منطقة الساحل عنيفةً بطبيعتها، ولها عواقب اقتصادية وخيمة على المواطنين. كما أن فقدان دراجة نارية يُمكن أن يُلحق ضررًا بالغًا بقدرة الأسرة على الصمود في وجه الصدمات الأخرى، لا سيما في منطقةٍ تشهد عدم استقرار متزايدًا وتعاني من آثار الصراع.

وبطبيعة الحال، أصبحت الدرجات البخارية سلاح لا غنى عنه لدى التنظيمات الإرهابية، وغالبًا ما تُظهر الصور الدعائية للجماعتين المتطرفتين العنيفتين الرئيسيتين في منطقة الساحل، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، راكبي دراجات نارية أو على متن شاحنات صغيرة مسلحة. وبدورها، تُصدر سلطات دول الساحل بيانات صحفية بشكل متكرر عند مصادرة كميات كبيرة من الدراجات النارية، مُصوّرةً هذه المصادرات على أنها جهود ناجحة لمكافحة التمرد، والسؤال المطروح، كيف طورت التنظيمات الإرهابية تكتيكاتها باستخدام الدرجات النارية؟

(1)  المساهمة في عمليات القتل، حيث ارتكِبَت عمليات قتل أكثر من 100 مدني على يد تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل في يناير 2021 في قريتي "تشوما بانغو" و"زاروماداريي" بمديرية "أولام" بدولة "النيجر"، على يد إرهابيين وصلوا على متن مائة دراجة نارية، وقد توطدت هذه الصلة بين الجماعات المسلحة والدراجات النارية في منطقة الساحل لدرجة أن الأسرة التي تفقد دراجتها النارية بسبب السرقة غالبًا ما يُشتبه في تواطؤها مع الجماعات المسلحة، وتعتبر درجات من الماركات الصينية مثل Aloba ، Boxer  ، Sanili، وهي نفس الماركات التي تعتمد عليها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" وهي نفس الماركات التي حظرتها بوركينا فاسو.

(2)  تُعد الدراجات النارية جزءًا لا يتجزأ من الاقتصاد الإجرامي في منطقة الساحل، وتُعتبر على الأرجح واحدة من أكثر السلع التي يتم الاتجار بها على نطاق واسع في منطقة الساحل، وتذهب بعض التقارير انه من بين 40-50% من الدرجات التي تصل لموانئ نيجيريا وبنين وتوجو، يتم تهريبه ولا ينتظم في سلسلة التوريد الرسمية، ويتم تهريب الدرجات واخفائها داخل سلع وبضائع أخرى.

الاستجابة الحكومية لمواجهة تحديات الدرجات النارية 

حاولت دول الساحل الاستعانة بفرض الحظر على الدرجات البخارية، تنوع هذا الحظر ليشمل نطاق “زماني ومكاني ونوعي" فضلًا عن زيادة فرض الضرائب على استيراد هذا النوع من السلع الاستهلاكية، إذ سعت مالي وبوركينافاسو والنيجر ومؤخرًا بنين، لتطبيق مجموعة إجراءات لحظر الدراجات النارية: مثل تحديد أنواع الدراجات النارية التي يمكن استخدامها في منطقة معينة، وتحديد ساعات قيادتها، أو حظر بيع أو استيراد الدراجات النارية. ووفقًا للبيانات التي جمعتها المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة العابرة للحدود الوطنية لجريمة المنظمة (GI-TOC)، طُبِّقت مثل هذه المحظورات فيما يتعلق بالصراع في جميع أنحاء منطقة الساحل منذ عام 2012، وهو العام الذي بدأ فيه الصراع في مالي. وعادةً ما تُصدر السلطات الإقليمية حظرًا على الدراجات النارية، بهدف مساعدة قوات الأمن على التمييز بين الجماعات المسلحة والمدنيين. ونظرًا لافتراض التزام المدنيين بالحظر، يُمكن استهداف راكبي الدراجات النارية المخالفين بغارات برية أو جوية. عمليًا، لم تُحقق هذه المحظورات سوى نجاحات قليلة واضحة، وفي بعض الحالات كانت لها عواقب وخيمة، وقد كانت الإجراءات التي اتخذتها الدول على النحو الاتي:

بوركينا فاسو: 

فرضت حظرًا ليليًا على استخدام الدراجات النارية في المقاطعات الشرقية المتأثرة بالنزاع، وحظرًا على بيع واستيراد بعض ماركات الدراجات النارية.

مالي:

 فرضت حظرًا على استخدام الدراجات النارية في مناطق محددة، مع التركيز على الدراجات النارية الكبيرة.

النيجر: 

فرضت حظرًا متنوعًا على استخدام الدراجات النارية في مناطق معينة، مع العلم أن بعض الحظر قد رُفع وأُعيد فرضه.

بنين: 

فرضت مؤخرًا حظرًا مؤقتًا على استخدام الدراجات النارية في بعض البلديات في الشمال الغربي للحد من نشاط المتطرفين.

الدراجات البخارية في الساحل الإفريقي
الدراجات البخارية في الساحل الإفريقي

وعلى جانب أخر، فإن حظر المتاجرة في الدرجات النارية او استخدامها، لم يكن الوسيلة الفاعلة، فمن جهة تحظرها الدولة ومن جهة أخرى، تقوم الجماعات الإرهابية والتنظيمات المسلحة بإغراء الشباب بالتزود بها في حالة قبول التجنيد لديها، وهو ما حدث فعلًا في منطقة "ديفا" بالنيجر حيث سعت "جماعة بوكو حرام" لإعطاء ميزات للشباب المستهدفين للانضمام للجماعة، والواقع ان فكرة حظر هذا النوع من وسيلة المواصلات يعتبر ركيزة أساسية تعتمد عليها اقتصادات المجتمعات المحلية لهو خطوة غير دقيقة، أضف الى ذلك ان افتراض التزام المدنيين بهذا الحظر يفرض تحديات كبيرة على وصول المزارع البسيط الى سبل العيش، ومن جهة ثالثة فأن التوترات بين المجتمعات المحلية وافراد الشرطة تفرض تحدي اخر، إذا لم يلتزم هؤلاء بتطبيق الحظر، وهنا يمكن تذكر أن بداية اندلاع شرارة التوترات بين افراد من اتباع "محمد يوسف" الزعيم الروحي "لبوكو حرام"  وبين قوات الشرطة قد اندلعت عند تطبيق نيجيريا تقليد لبس الخوذة عند قيادة الدراجات البخارية وهذا كان في وقت متقدم جدًا من عام 2002، أي قبل اندلاع التمرد الكامل عام 2009.

بهذا الإطار، يطرح ملف "الدراجات النارية في الساحل" معضلة متكررة في مناطق النزاعات: كيف يمكن التوفيق بين ضرورات الأمن واحتياجات المجتمع؟ الإجابة تكمن في مقاربة شاملة، لا تقتصر على الحظر الأمني، بل تدمج بين التنمية والحوكمة الفعّالة والسياسات الإقليمية المشتركة.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراة متخصصة في الشأن الإفريقي 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء