رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفاوضات شرم الشيخ .. سلام على رمال متحركة

وفد حماس في شرم الشيخ
وفد حماس في شرم الشيخ

على الرغم مما أثارته خطة ترامب من جدل واسع في الأوساط السياسية، فإن حركة المقاومة الإسلامية حماس تعاملت معها بقدر من المرونة التكتيكية، لا بالرفض القاطع ولا بالقبول المطلق. في ظل مفاوضات معقدة وحصار قاسٍ وضغوط عربية وإقليمية ودولية متشابكة. لكنها اختارت الرد على المقترح الأمريكي بمراوغة سياسية عبر استراتيجية "نعم، ولكن؟"، أي القبول المشروط الذي يجعلها في دائرة المعادلة السياسية.

مرونة تكتيكية ومراوغة سياسية

وفي هذا الشأن أعلنت قياداتها، وعلى رأسهم "محمد نزال" و"محمود مرداوي" و"اسامة حماد"، أن نزع سلاح المقاومة لن يتم إلا في إطار إقامة دولة فلسطينية حقيقية، وأن إدارة القطاع يجب أن تكون بأيدٍ فلسطينية خالصة، دون أي وصاية خارجية أو دولية.

<span style=
ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في مفاوضات شرم الشيخ

كما شددت الحركة على أن تسليم السلطة يجب أن يتم عبر هيئة انتقالية فلسطينية مستقلة، لا عبر شخصيات مفروضة من الخارج. وبهذا الموقف، تسعى حماس إلى تحقيق توازن سياسي وميداني، مع عدم التفريط بالثوابت الوطنية من جهة أخرى. وفي مفاوضات شرم الشيخ الأخيرة، كشفت حركة حماس عن رؤيتها بوضوح، محددة أولوياتها في هذه المرحلة الحساسة: الوقف الفوري للحرب، رفض التهجير القسري، الإفراج عن الأسرى، إدخال المساعدات، والبدء بإعادة إعمار غزة تحت إدارة فلسطينية مستقلة من التكنوقراط.

 

أولويات المفاوضات

 جاء هذا الموقف على لسان القيادي فوزي برهوم، الذي شدد في بيانه على أن هدف الحركة الأساسي هو إنهاء حرب الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، والتصدي لأي محاولة لإفراغ القضية من مضمونها السياسي والوطني. لكن على الطرف الآخر، قدّم بنيامين نتانياهو قراءة مغايرة تماماً للخطة الأمريكية، قائمة على الانسحاب البطيء وإعادة تأهيل السلطة الفلسطينية وفق الرؤية الإسرائيلية.

ويرى بعض المحللين أن هذا التناقض بين الموقفين يجعل من خطة ترامب مشروعًا هشًا بلا أرضية سياسية واقعية، إذ تسعى حماس للتمسك بموقفها، بينما يحاول نتانياهو استثمار الخطة لتجميل صورة حكومته اليمينية المتطرفة، وتقديمها كأنها منفتحة على الحلول، في حين أنها عمليًا تؤسس لحرب مؤجلة جديدة. والواقع أن هذه هي الرؤية الإسرائيلية، فمنذ أن بشّر شيمون بيريز في تسعينيات القرن الماضي بفكرة "الشرق الأوسط الجديد"، ظلّ مشروع التطبيع العربي–الإسرائيلي هدفًا استراتيجيًا تسعى تل أبيب وواشنطن لترسيخه كمدخل لإدماج إسرائيل في المنطقة.

وتبنّت إدارة ترامب هذه الفكرة تحت عنوان أكثر بريقًا، يتمثل في "صفقة القرن"، التي أفضت لاحقًا إلى "اتفاقات إبراهام" مع عدد من الدول العربية والخليجية. لكن أحداث 7 أكتوبر وطوفان الأقصى قلبت الموازين رأسًا على عقب.

سقوط رواية التطبيع 

فالمشهد الذي كان يُراد له أن يُظهر إسرائيل كدولة منفتحة تسعى للتطبيع، تحوّل إلى صورة دولة تمارس الإبادة والتدمير، مما جعل الحديث عن "السلام الإقليمي" فاقدًا للمصداقية الأخلاقية والسياسية.

تأكد هذا الموقف حينما رفض نتنياهو فكرة التطبيع مع السعودية مقابل إيقاف الحرب، اتضح أكثر من ردود فعله هو وقادة اليمين الإسرائيلي العدوانية ضد المؤتمر السعودي الفرنسي لإعادة احياء "حل الدولتين"، وعلى أية حال، لم نكن بانتظار رده فعل نتنياهو على الاعتراف الغربي بالدولة الفلسطينية، من دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وكندا، فالحكومة اليمينة لم تدخر جهدًا في فصل الضفة عن غزة، وإقامة المزيد من المستوطنات في الضفة وعزل مدينة القدس واستمرار مسلسل التقسيم الزماني والمكاني للمقدسات الإسلامية "المسجد الأقصى" بعد تنفيذ هذا التقسيم في المسجد "الابراهيمي".

هذا التعنت الإسرائيلي الذي يريد التخلص من المقاومة ويسعى لتهجير الفلسطينيين، ويسعي لضم الضفة الغربية، بل ويحاول ان يضع عبئ التعامل مع حركة المقاومة على العرب من بوابة تصدير المشاكل للحلفاء، ليتولوا مهمة التخلص من المقاومة، ويكشف عن الرؤية المتصلبة لليمين الإسرائيلي، اذ فعليا توقف مسلسل التطبيع -وفي ظل استمرار الحرب- لا يمكن استكمال هذا المسلسل بفضل عزلة إسرائيل دوليًا وإقليميًا، وإعادة الزخم للقضية الفلسطينية عالميًا، وكسب القضية الفلسطينية معركة الوعي، والواقع ان كل هذا قد تحقق بفضل تضحيات الشعب الفلسطيني.

واجمالًا، يسعى ترامب لتحقيق رؤيته للسلام عبر تحقيقه من خلال القوة، كما أن "خطة السلام" لا تعدو عن أنها حلقة من حلقات سلسلة المشاريع الأمريكية التي تُجمّل الاحتلال وتُعيد انتاجه في شكل مشروع شرق اوسطي جديد، بينما يسعى الفلسطينيون بإنهاء الاحتلال، والحصول على حقوقهم المشروعة وانهاء الإبادة الجماعية وإعادة الاعمار، وهكذا تظل القضية عالقة ونظل في حلقة مفرغة من الصراع، ومهما تغيّرت الصيغ والعناوين، ستبقى الحقيقة ثابتة: لا استقرار في الشرق الأوسط دون عدالة للفلسطينيين، ولا شرعية لأي خطة تتجاهل حقهم في الحرية والسيادة.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراة متخصصة في الشأن الإفريقي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء