اقتصاد الدم والذهب.. الدولة الموازية للعصابات المسلحة في غرب نيجيريا
تُعد اللصوصية المسلحة في شمال غرب نيجيريا من أخطر التهديدات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. فهي ليست مجرد أعمال سطو أو سرقة ماشية، بل تطورت لتصبح منظومة معقدة من العنف والجريمة المنظمة، تتشابك فيها المصالح الاقتصادية بالمظالم الاجتماعية، والتنافس على الموارد بالتدخلات العسكرية. هذه الظاهرة، التي تعود جذورها إلى فترات ما قبل الاستعمار، تحولت مع مرور الزمن إلى أزمة بنيوية تهدد استقرار الدولة والمجتمعات على حد سواء. والسؤال الجوهري هو: كيف انتقلت الظاهرة من شكلها التقليدي البسيط إلى شبكات عنف عابرة للمناطق وقادرة على تحدي الدولة؟

أولًا: الجذور التاريخية للظاهرة اللصوصية
اللصوصية المسلحة في شمال غرب نيجيريا ليست ظاهرة جديدة؛ بل تعود جذورها إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فقد كانت المنطقة نقطة تقاطع لطرق التجارة العابرة لغرب إفريقيا، ما جعلها عرضة لعصابات مسلحة تستهدف القوافل والتجار. آنذاك، كانت عمليات السطو تتركز على الاستيلاء على الماشية أو الممتلكات الصغيرة، لكنها كانت كافية لتعطيل النشاط التجاري وإجبار التجار على البحث عن طرق بديلة. ومع دخول الحقبة الاستعمارية، تراجعت أنشطة اللصوصية بفعل السيطرة الإدارية، لكنها لم تختفِ تمامًا، بل بقيت كامنة حتى برزت بقوة من جديد بعد الاستقلال.
ثانيًا: التحول من قوافل التجارة إلى الميليشيات الحديثة
التحول الأكبر جاء مع عودة نيجيريا إلى الحكم الديمقراطي عام 1999، حيث تصاعدت النزاعات الطائفية بين المزارعين والرعاة بسبب التنافس على الموارد الشحيحة مثل الأراضي والمياه. تدخلت مجموعات المتطوعين المحلية، المعروفة باسم "يان ساكاي"، لمواجهة موجات السرقة، لكنها اعتمدت على العنف المفرط والقتل خارج نطاق القانون. هذه السياسات العقابية دفعت المجتمعات الفولانية، التي فقدت ماشيتها وسبل عيشها، إلى الرد بتشكيل عصابات مسلحة للدفاع عن نفسها. ومن هنا، أخذت اللصوصية طابعًا جديدًا: من مجرد سطو فردي إلى حركة عنف منظم تسعى للانتقام وحماية المصالح.
ثالثًا: التشابك مع الجماعات المتطرفة
ابتداءً من عام 2011، شهدت الظاهرة تصعيدًا غير مسبوق. تحولت سرقة الماشية من نشاط محدود إلى عمليات واسعة النطاق، ثم برز الاختطاف مقابل الفدية كأحد أكثر الأنشطة ربحية، خاصة بعد تراجع جدوى السطو التقليدي. ومع مرور الوقت، تطورت شبكات اللصوص لتصبح أكثر تسليحًا وتنظيمًا، حيث امتلكت القدرة على شن هجمات كبيرة والتوسع جغرافيًا إلى ولايات مثل "كادونا" و"كاتسينا" و"سوكوتو". وقد ساهمت العلاقات المتشابكة بين اللصوص والجماعات المتطرفة، مثل "أنصارو ANSARU" و"جماعة أهل السنة للدعوة والقتال JAS" و"تنظيم داعش في غرب إفريقيا ISWAP"، في زيادة تعقيد المشهد، حيث اختلطت الدوافع الإجرامية بالأهداف السياسية والعقائدية.

رابعًا: الاقتصاد الموازي.. بنية تمويل مدمجة في الواقع المحل
أحد أسباب استمرارية الظاهرة هو قدرتها على توليد موارد مالية ضخمة. تاريخيًا، اعتمدت العصابات على سرقة الماشية كمصدر دخل رئيسي، لكن مع تراجع أعداد القطعان وهروب الرعاة، أصبح الاختطاف مقابل الفدية النشاط الأهم منذ عام 2019. ورغم تراجع الاختطاف الفردي مؤخرًا، فإن عمليات الاختطاف الجماعي (مثل خطف الطلاب) أثبتت ربحيتها العالية. إلى جانب ذلك، برز تعدين الذهب الحرفي كأحد أهم مصادر التمويل، حيث تفرض العصابات "رسوم حماية" على عمال المناجم، أو حتى تشارك مباشرة في استخراج الذهب. كما فرضت ضرائب على المزارعين والمجتمعات، مستغلة ضعف الدولة وحاجة السكان إلى الحماية. هذا الاقتصاد الموازي جعل العصابات قادرة على الاستمرار والتوسع، حتى دون الحاجة إلى ممارسة العنف المستمر.
خامسًا: الاستجابات الحكومية.. نجاحات محدودة وتحديات عميقة
استجابت الدولة بعمليات عسكرية متكررة شملت الضربات الجوية واستخدام الطائرات المسيّرة، خاصة منذ 2018. ورغم النجاحات المحدودة، فإن الطبيعة اللامركزية للعصابات – التي يصل عددها إلى أكثر من 100 مجموعة مختلفة – جعلت من الصعب القضاء عليها. كثيرًا ما أدى الضغط العسكري إلى إعادة تموضع العصابات في ولايات أخرى أو العودة بعد هدوء العمليات. وفي الوقت نفسه، ظل السكان المحليون عالقين بين عنف العصابات وقسوة الدولة، ما عمّق أزمة الثقة وأضعف شرعية الحكومة في نظر المجتمعات المتضررة.

الخاتمة
وختامًا، تعد ظاهرة اللصوصية المسلحة في شمال غرب نيجيريا ليست مجرد مشكلة أمنية؛ بل هي انعكاس لأزمات أعمق مرتبطة بالفقر، والتهميش، وضعف مؤسسات الدولة. إن تراجع العنف في بعض المناطق مؤخرًا لا يعني انتهاء التهديد، بل يشير إلى انتقال العصابات إلى آليات أقل عنفًا وأكثر رسوخًا للسيطرة الاقتصادية. وبالتالي، فإن الحل لن يكون عسكريًا فقط، بل يتطلب معالجة جذرية تشمل تعزيز التنمية المحلية، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمعات، وإيجاد بدائل اقتصادية للشباب الذين يشكلون الوقود الأساسي لهذه العصابات.



