رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الجهاد الاقتصادي في الساحل الإفريقي: أدوات الحرب غير التقليدية لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين

جماعة نصرة الإسلام
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بإفريقيا

في غرب مالي، وعلى امتداد الطريق الذي يربط العاصمة باماكو بمدينة "خاي" الحدودية مع "السنغال"، لم تعد حركة الشاحنات كما كانت. إذ فرضت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، الذراع الأقوى لتنظيم "القاعدة" في الساحل الإفريقي، حقيقية الحصار، ومن ثم أعلنت حربًا من نوعٍ مختلف — حربًا بلا قذائف ولا معارك مباشرة، بل حربًا على الاقتصاد نفسه. ومنذ منتصف عام 2025، بدأت الجماعة حصارًا خانقًا على مدينة "خاي"، إحدى أهم البوابات التجارية في مالي، لتقطع بذلك شريان الحياة الذي يمد العاصمة بالوقود والسلع الأساسية.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين 
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين 

 وبهذا الأسلوب، انتقلت المواجهة في مالي من ساحات القتال إلى ميادين الاقتصاد والمعيشة، حيث تستخدم الجماعة أدوات "الحرب الاقتصادية" مثل الحصار والجباية والتهديد لتقويض سلطة الدولة وإظهار نفسها كقوة بديلة قادرة على "التحكم في السوق".

أولاً: مفهوم الجهاد الاقتصادي 

 بشكل عام، يعرف بأنه واجب حددته الشريعة الإسلامية ومطلب يقتضيه الإيمان (العقيدة). إذ يعني حشد كل الطاقة والقوة لتحقيق الهدف المنشود؛ سواء كان جيدًا أم سيئًا؛ في حماية الظلم وفي تحقيق الهدف النهائي المتمثل في جميع الأنشطة البشرية من منظور اقتصادي وهو تحقيق النجاح في هذا العالم والآخرة، أي أن الجهاد الاقتصادي هو جهادٌ لتوفير السلع وضروريات الحياة من مصادر حلال.

أما في السياق الأفريقي، يعني استخدام الوسائل الاقتصادية كأداة صراع لتحقيق أهداف أيديولوجية أو سياسية، سواء عبر السيطرة على الموارد والمعابر التجارية أو تعطيل النشاط الاقتصادي للدولة وخلق حالة من الضغط الاجتماعي والمعيشي تُضعف شرعيتها. 

ويستمد "الجهاد الاقتصادي" جذوره من تصور ديني يعتبر المال أحد أدوات الجهاد في سبيل الله، لكنه في التجربة الإفريقية المعاصرة تطوّر ليصبح آلية عملية للتمويل والسيطرة الميدانية في ظل ضعف الدولة، وانتشار الفقر، وانعدام التنمية في مناطق النزاع.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين 

ثانيًا: الأهمية الاستراتيجية لمدينة "خاي Kaye" 

تعتبر "خاي" من أوائل المناطق الإدارية التي تم إنشائها بعد حصول مالي على الاستقلال، والواقع أن المدينة تحتل موقع استراتيجي هام، إذ تساهم وحدها بحوالي 80% من إنتاج الذهب، ما يجعلها في المرتبة الثانية ضمن المدن المالية اسهاما في الناتج المحلي الإجمالي، ويمثل طريق "باماكو-خاي" أبرز الطرق الاستراتيجية الموصلة للعاصمة المالية، وتمر عبرها معظم واردات الوقود، والمواد الغذائية، والسلع الأساسية، وتشترك المدينة في حدود برية مع السنغال في الغرب، وموريتانيا من الشمال، وغينيا من الجنوب، ما يضع المدينة في موقع استراتيجي هام يربطها بالعاصمة من جهة ومن جهة أخرى يجعلها عرضة لتحديات الهجرة غير الشرعية، وطرق التهريب بكل انواعه، أضف إلى ذلك، أن المدينة لا تختلف عن السياق الافريقي، سواء بوجود توترات اثنية، و صراعات ما بين المزارعين والرعاة، أو حتى التوترات الدينية، لكن ما يزيد التعقيد في هذه المدين هو استمرار المدركات السلبية التي تبرر فكرة "العبودية" والتمييز بين قبائل ضد أخرى، ما يضعف التماسك المجتمعي ويؤثر على الأمن.

ثالثًا: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) والجهاد الاقتصادي

منذ منتصف عام 2024، بدأت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM)، المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، تنفّذ سياسة حصار اقتصادي ممنهج على مدن لم تقع قبل ذلك تحت سيطرتها في غرب مالي، والواقع ان الجماعة قد استهلت حصارها على المدينة منذ الأول من يوليو الماضي، ثم شرعت في تنفيذ عمليات احراق شاحنات الوقود واستهداف حافلات شركات النقل، وذلك على النحو الاتي:

-خلال شهري مايو-يونيو أصدرت الجماعة عدة منشورات وفيديوهات دعائية عبر قناتها "الزلاقة" بيانات تدعو لإقامة "حكومة شرعية" وانتقادات لوجود القوات الروسية، ما مهد للحملة اللاحقة على المحاور الاقتصادية.

-في يوليو بدأت الهجمات على مراكز إدارية ومراكز عسكرية ومواقع بغرب ووسط مالي وبالتحديد في منطقتي منطقة "كايس، وسيغو"، اذ تفيد بعض التقارير الإعلامية، ان فصيل "جبهة تحرير مآسينا" كان مسئولا عن الهجوم الذي استهدف مواقع وثكنات عسكرية وامنية حيث امتدت الهجمات على مساحة 700 كيلومتر.

-وفي مطلع سبتمبر أعلن أنصار الجماعة منع دخول الشاحنات سواء التي تحمل وقود او امدادات غذائية، مع تشديد الرقابة وقطع الطرق الرئيسية المؤدية للعاصمة "باماكو"، وقد زادت وقائع احراق شاحنات الوقود ففي منتصف سبتمبر تم الهجوم على 40 ناقلة وقود، حيث تم احراق بعضها، وتم الاستيلاء على البعض الاخر.

-قامت الجماعة باعتقال 4 من سائقي الشاحنات القادمة من السنغال، ثم أفرجت عنهم بعد ذلك، كما تعرضت الشاحنات القادمة من ساحل العاج للهجوم والاحراق والاستيلاء أيضا.

 

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين 

رابعًا: جدوى الحصار على العاصمة "باماكو".

يتجلّى الجهاد الاقتصادي في "مالي" كاستراتيجية ممنهجة، بهدف تجريد الدولة من مواردها الحيوية وحرمانها من قدراتها اللوجستية والمالية. وقد استغلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) نقاطَ الضعف المؤسسية والاعتماد على خطوط الإمداد العابرة للحدود (عبر محافظة " خاي" والحدود مع السنغال) لفرض حصار على واردات الوقود والسلع الأساسية، وفرض إتاوات وجبايات على التجار وقوافل النقل، والاستفادة من الشبكات غير الشرعية (تهريب، فدية) لتأمين تمويل مستمر لأنشطتها. بهذا الأسلوب تتحوّل السيطرة الاقتصادية إلى "بديل للسيطرة الإدارية": إذ لا تحتاج الجماعة لاحتلال كامل لمدينة ما طالما تمكنت من إيقاف شريانها الاقتصادي، ما يؤدي إلى إضعاف ثقة المواطنين في الدولة، وارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالسلطة بالنسبة للحكومة المركزية، وفتح مساحة للتفاوض أو لفرض "حكم موازٍ" في المناطق المتأثرة.

واجمال، عززت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من سيطرتها على الطرق الرئيسية المؤدية للعاصمة "باماكو"، والاستيلاء على البلدات الحدودية مع موريتانيا والسنغال، في خطوة منها لفرض سيطرتها على مناطق لم تصلها من قبل، وفرض حصار خانق على العاصمة، لزعزعة استقرار النظام الحاكم، وتقويض شريعته، ووقف الامداد اللوجستية وخطوط الاتصال وعزل العاصمة، مما عزز من ارتفاع الأسعار، نقص الامدادات واثارة استياء المجتمعات المحلية، وعلى الرغم من استجابة الجيش المالي باستهداف بعض مواقع الارهابين في الغرب، لكن لايزال الحصار مستمر.   

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراة متخصصة في الشأن الإفريقي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء