رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أولياء الله في تل أبيب: التصوف اليهودي وبناء الهوية الصهيونية 

الصوفية اليهودية
الصوفية اليهودية - أرشيفية

تلجأ إسرائيل في لحظات الانقسام والأزمات الكبرى إلى أدوات غير سياسية في ظاهرها، لكنها شديدة الفعالية في ضبط المزاج العام، وعلى رأسها إحياء الطقوس الصوفية اليهودية، وإطلاق مهرجانات دينية مثل "الموالد" أو "الهيلولا"، وهي احتفالات جماهيرية تمتزج فيها الرموز الدينية بالشعبية، في محاولة لتكريس وحدة وجدانية بين اليهود المتباينين ثقافيًا وأيديولوجيًا.

أولًا: الصوفية اليهودية.. من الهامش الروحي إلى مركز الهوية الوطنية

الصوفية اليهودية -أرشيفية
الصوفية اليهودية -أرشيفية

تُعرف الصوفية اليهودية بـ"القبّالة" (Kabbalah)، وهي منظومة روحية ظهرت في العصور الوسطى، ثم تفرعت عنها الحركة الحسيدية في أوروبا الشرقية خلال القرن الثامن عشر. وتمزج هذه التيارات بين الممارسات التعبدية العاطفية والبحث الباطني عن "القرب من الإله"، وتشجع على الفرح الجماعي والموسيقى والرقص في الطقوس الدينية.

 

مع الإعلان عن قيام دولة الاحتلال عام 1948، ظلت هذه الصوفية محصورة في أوساط اليهود الشرقيين أو السفارديم، لكنها عادت للواجهة في العقود الأخيرة مع صعود التيارات الدينية القومية التي رأت في "التجربة الصوفية" أداة لإحياء الروح اليهودية الجامعة، في مقابل الانقسام المتزايد بين المتدينين والعلمانيين.

تحوّلت "القبّالة" من تراث روحاني محدود إلى وسيلة لبناء هوية قومية عاطفية، حيث يجري تصويرها في الخطاب الرسمي كجسر يربط بين اليهود الغربيين والشرقيين، وبين سكان المدن الحديثة ومجتمعات الأطراف المهمشة.

ثانيًا: الموالد اليهودية.. طقوس جماعية لتسكين التوترات الاجتماعية

تُقام في إسرائيل سنويًا عشرات "الموالد" أو "الهيلولا"، أبرزها "هيلولا الحاخام شمعون بار يوحاي" في جبل ميرون شمال فلسطين المحتلة، والذي يجذب مئات الآلاف من الزوار من مختلف التيارات الدينية والاجتماعية. عادة تختفي في هذه الاحتفالات– ولو مؤقتًا – الفوارق بين الحريديم والعلمانيين، وبين الأشكناز والسفارديم، ويتحول المكان إلى فضاء احتفالي يوحي بوحدة مصطنعة تتجاوز الخلافات السياسية.

تُدار هذه الموالد عادةً برعاية مؤسسات حكومية ووزارات كالشؤون الدينية والسياحة، وتُضخ فيها أموال ضخمة لتوفير النقل المجاني، والخدمات الأمنية والطبية، في رسالة واضحة مفادها أن الدين الشعبي يمكن أن يكون أداة لاحتواء الانقسام الاجتماعي أكثر مما هو عبادة خالصة.

الصوفية اليهودية -أرشيفية
الصوفية اليهودية -أرشيفية

تعمل الحكومة عبر هذه المناسبات على بناء ما يمكن تسميته بـ"الروح القومية الجامعة"، بحيث يجد المواطن في الطقس الديني الجماعي تعويضًا نفسيًا عن الانقسام السياسي الحاد، كما حدث عقب احتجاجات 2023 ضد تعديل النظام القضائي، حين أعادت الحكومة تفعيل "الموالد الجماهيرية" باعتبارها مساحة لتفريغ التوتر وإعادة إنتاج الشعور بالانتماء.

ثالثًا: البعد النفسي.. من القلق الجماعي إلى الطمأنينة الروحية

في مجتمع يعيش حالة قلق وجودي دائم بسبب الصراعات الإقليمية والانقسامات الداخلية، تبدو الصوفية اليهودية حلاً نفسيًا أكثر منها دينيًا، إذ تمنح هذه الطقوس شعورًا بالطمأنينة والاتصال بالقوة الإلهية، وتعيد للمجتمع إحساسه بالتفوق الروحي في مواجهة التهديدات الخارجية.ويعتمد علماء النفس الاجتماعي في إسرائيل على مفهوم "الانتماء الروحي المشترك" كآلية لتقليل التوتر الجمعي، خصوصًا في فترات الحروب أو الأزمات الاقتصادية.

ففي أثناء الحرب على غزة، تُشجَّع المدارس الدينية والبلديات على تنظيم حلقات ذكر وصلوات صوفية مشتركة تُبث عبر القنوات التلفزيونية، تُصوَّر فيها مشاهد الجنود والطلاب يرقصون على الأناشيد الدينية في انسجام رمزي يوحي بأن الأمة واحدة في الروح وإن انقسمت في السياسة.

رابعًا: الصوفية كأداة سياسية لاحتواء الانقسام الداخلي

منذ تولّي اليمين الإسرائيلي الحكم بشكل متواصل تقريبًا خلال العقدين الأخيرين، أدركت النخب السياسية – وعلى رأسها بنيامين نتنياهو – أن المجتمع الإسرائيلي يعاني من انقسام حاد بين تيارات دينية متشددة وعلمانية متحررة، وبين طبقات اقتصادية متباينة، ولذلك جرى الاستثمار في الدين الشعبي لتخفيف هذا التصدع.

يرى باحثون في علم الاجتماع الديني أن الحسيدية المعاصرة أصبحت "ذراعًا ناعمة" للسلطة السياسية، إذ يتم تشجيعها على التمدد في الفضاء العام، مع ربطها بالرموز الوطنية كالعلم والجيش والقدس. في المقابل، تحظى المؤسسات الحسيدية بدعم مالي رسمي، وتُمنح امتيازات خاصة، مقابل ولاء سياسي واضح في الانتخابات، خاصة في أوساط اليهود الشرقيين.بهذا المعنى، تحوّل "التدين الصوفي اليهودي" إلى رأسمال اجتماعي تستخدمه الدولة لخلق توازنات جديدة بين الفئات المتنازعة، ولبناء شرعية بديلة عن الخطاب العلماني.

الصوفية اليهودية -أرشيفية 
الصوفية اليهودية -أرشيفية 

خامسًا: تديين المجال العام وصناعة الإجماع الوطني

تشير دراسات إسرائيلية إلى أن نحو 40% من السكان يشاركون في فعاليات دينية جماهيرية سنويًا، أغلبها في إطار "الهيلولا"، وأن هذه المشاركة تتزايد في فترات الأزمات السياسية أو الأمنية.ففي أعقاب كارثة جبل ميرون عام 2021، حين قُتل 45 شخصًا في تدافع جماهيري، لم تتراجع الظاهرة، بل أعادت الحكومة تنظيم الاحتفالات بشكل أكبر "لتكريم الضحايا"، في محاولة لتحويل المأساة إلى مناسبة رمزية تعزز التماسك الاجتماعي.

كما عمدت المؤسسة العسكرية إلى استثمار الرموز الصوفية في الخطاب القومي، إذ بات بعض قادة الجيش يزورون مقامات دينية يهودية قبل العمليات الكبرى، في مشاهد مصوَّرة تُبث عبر وسائل الإعلام لتغذية الشعور الجمعي بأن الحرب "مقدسة" وذات بعد روحي، وهو ما يخلق حالة من التطهير النفسي الجماعي، تُخفي وراءها أزمات الهوية والانقسام.

سادسًا: المقارنة مع النموذج الإسلامي

تُشبه "الموالد اليهودية" إلى حد بعيد الممارسات الصوفية الإسلامية في بلدان الشرق الأوسط، خصوصًا في مصر والمغرب، من حيث الطابع الشعبي والتعبير الجسدي عن الفرح الديني.لكن الفارق أن إسرائيل استخدمتها بوعي سياسي منظم كأداة للتماسك الوطني، في حين بقيت الموالد الإسلامية – في أغلبها – ممارسة روحية أو ثقافية ذات طابع محلي. اللافت أن بعض الباحثين الإسرائيليين يدرسون الآن تجربة الموالد الإسلامية في العالم العربي كمصدر إلهام لما يسمونه "التديّن الجماهيري الموحّد"، القادر على دمج الفئات الاجتماعية المختلفة في خطاب وطني واحد.

الصوفية اليهودية -أرشيفية
الصوفية اليهودية -أرشيفية

سابعًا: أثر هذه السياسة على الهوية الصهيونية

رغم أن الصوفية اليهودية قد تبدو ظاهرة روحانية، إلا أنها في جوهرها تعبّر عن بحث الإسرائيليين عن معنى جماعي في ظل الحداثة الصلبة والعنف المستمر، فالموالد والطقوس الجماعية لا توحد المجتمع سياسيًا بقدر ما تمنحه متنفسًا رمزيًا من القلق، وتعيد صياغة سردية "الشعب المختار" بلغة وجدانية عابرة للسياسة. ومع ذلك، هناك انتقادات داخل إسرائيل ترى أن هذا "التديّن الشعبي المُوجّه" لا يعالج جذور الانقسام، بل يؤجله، لأنه يخلق وهمًا بالوحدة دون إصلاح حقيقي في بنية العدالة الاجتماعية أو التمثيل السياسي. كما يحذر التيار العلماني من أن يتحول الدين الشعبي إلى أداة للدولة ما قد يهدد الطابع الديمقراطي لإسرائيل ويعزز سلطة المؤسسة الدينية اليمينة.

ثامنًا: ما بعد الرمزية.. نحو مجتمع "مُوَحَّد بالعاطفة"

في نهاية المطاف، يتضح أن إسرائيل توظف الصوفية اليهودية والموالد كآلية لإدارة التناقضات لا لحلّها،  فهي تمنح الجماهير شعورًا بالتماسك النفسي والروحي، بينما تتيح للنظام السياسي هامشًا أوسع للمناورة وسط الانقسامات، إنه توحيد بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالرمز لا بالمؤسسة، ويُعيد إنتاج التضامن الجمعي كلما اهتزّت الثقة بالدولة أو النخب السياسية.ومن ثم، يمكن القول إن "الروح الصوفية" في إسرائيل لم تعد ملاذًا للمتدينين فقط، بل أداة استراتيجية في يد السلطة لتهدئة المجتمع وإعادة تعريف الوطنية الإسرائيلية بلغة وجدانية جامعة.

اليهود المغاربة خلال الطقوس الدينية
اليهود المغاربة خلال الطقوس الدينية

ختامًا:

استخدام إسرائيل للصوفية اليهودية والموالد يعكس إدراكها لأهمية العامل النفسي-الروحي في بقاء المجتمع منسجمًا رغم الانقسام السياسي الحاد. فبينما تبدو هذه الطقوس تعبيرًا عن تدين بسيط، فإنها في الواقع تُمارس كأداة دولة تهدف إلى صناعة الإجماع العاطفي المؤقت، وتُحوِّل الدين الشعبي إلى صمام لتوحيد وتماسك الجبهة الداخلية.

 عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء