رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عدالة معطّلة: انتهاكات غزة ومأزق الجنائية الدولية

المحكمة الجنائية
المحكمة الجنائية الدولية - أرشيفية

خلال الاجتماعات السابقة للجمعية العامة للأمم المتحدة أبدت دول الساحل الإفريقي بوركينافاسو  ومالي والنيجر نية بلادهم الحقيقية في الانسحاب التام من النظام الأساسي (نظام روما) للمحكمة الجنائية الدولية، تحت اعتبارات انتهاج المحكمة مبدأ العدالة الانتقائية، والازدواج المعاييري وعدم قدرتها علي فرض القانون ومنع الانتهاكات الانسانية.

تأتي الخطوة الإفريقية في وقت تتزايد فيه المطالبات بضرورة التحقيق في الجرائم الانسانية التي ارتكبها النظام الإسرائيلي في قطاع غزة خلال الفترة من 7 أكتوبر 2023 وإلى اليوم، ورغم اصدار المحكمة مذكرات توقيف بشأن مسئولين إسرائيليين، إلا أن دور المحكمة في وقف الانتهاكات يشوبه الضعف الشديد ويضعف صورة المحكمة في الرأي العام الدولي والانساني.

المحكمة الجنائية الدولية - أرشيفية 
المحكمة الجنائية الدولية - أرشيفية 

محاكمات تاريخية

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انطلقت محاكمات "نورمبرغ" التي تعد أكبر سلسلة محاكمات عقدت لمسألة ومعاقبة قادة الحروب النازية الألمانية، عما اقترفوه من جرائم ضد الانسانية خلال فترة الحرب العالمية.

ظلت فكرة تلك المحاكمات حاضرة في أذهان الشعوب والأمم وعادة ما يتم استدعاؤها عقب انتهاء الحروب والصراعات الدامية مثلما حدث مع المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا التي انطلقت عقب انتهاء "الحرب الأهلية اليوغوسلافية"، وأفضت المحكمة إلى توجيه إدانات متنوعة بارتكاب جرائم ضد الانسانية لقادة الصرب مثل راتكو ملاديتش، ورادوفان كاراديتش، عما ارتكبوه من جرائم في مدينة سبرينيتشا عاصمة البوسنة والهرسك.

وعلى مستوى الشرق الأوسط وإفريقيا، عقدت المحكمة الجنائية الدولية لروندا في نوفمبر 1994والتي أفضت إلى إدانة مسئولين رواندين بارتكابهم جرائم ضد الانسانية خلال حرب الإبادة الجماعية التي شهدتها البلاد في إبريل 1994.

 وفي العراق عقب سقوط نظام البعث بقيادة الرئيس الراحل "صدام حسين" عقدت سلسلة محاكمات محلية الطابع أدانت فيها رموز نظام البعث العراقي، بتهم ارتكاب جرائم ضد الانسانية وحكمت بإعدام أبرز رموز النظام مثل صدام حسين ونوابه.

وبلغت الأمر ذروته حين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني السابق "عمر البشير" في عام 2008 حينما كان في السلطة وذلك بسبب جرائم تم ارتكابها في حرب دارفور.

قصاة المحكمة الجنائية الدولية- أرشيفية 
قصاة المحكمة الجنائية الدولية- أرشيفية 

عجز أمام الانتهاكات الإسرائيلية

رغم الاستعراض السريع لجهود المحاكم الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، إلا أننا نجد العدالة الدولية الخاصة بحماية حقوق الانسان ومنع الإبادة تقف عاجزة أمام الانتهاكات التي ترتكب حاليًا في قطاع غزة، فعلى الرغم من إبادة أكثر من 66 ألف انسان وتشريد ما يقارب مليوني مواطن فإن المحكمة الجنائية الدولية تقف عاجزة أمام تلك الجرائم رغم اصدارها قرارين في نوفمبر  2024 بتوقيف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يواف غالانت، كما تم رفض الطعون المقدمة من إسرائيل.

اتهمت المحكمة كل من نتنياهو وغالانت بارتكاب جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب خلال الفترة من 8 أكتوبر 2023 وحتى 18 مايو 2024 وهو اليوم الذي قدم فيه المدعى العام للمحكمة بطلب إصدار أوامر التوقيف، إذ حمل كل منهما مسئولية المشاركة في ارتكاب جرائم ضد الانسانية متمثلة في القتل والاضطهاد وحرمان السكان المدنيين عمدًا من مواد لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة مثل الغذاء والماء والمواد الطبية والوقود والكهرباء وتقصيرهما في وصول مواد الإغاثة الدولية إلى السكان المحاصرين.

نتنياهو
نتنياهو

رغم افتقار المحكمة الجنائية الدولية للأليات الضبط والانفاذ لجميع قراراتها تواجه أيضا مزيد من الضغوط الدولية على قرارتها ففور إصدارها قرارات اعتقال نتنياهو وغالانت، مارست الولايات المتحدة ضغوطًا شديدة في فبراير 2025 على المحكمة بفرض عقوبات اقتصادية وحظر سفر على الأفراد المشاركين في تحقيقات المحكمة إذ اتهم ترامب المحكمة بإساءة استخدام سلطاتها ويأتي قرار ترامب تحت ضغوط اللوبي الصهيوني وتحديدا الرئيس التنفيذي للجنة اليهودية الأمريكية "تيد دويتش" الذي اتهم المحكمة بالتحريف المتعمد للعدالة والقانون الدولي.

وزير الدفاع الإسرائيلي السابق- يوآف غالانت
وزير الدفاع الإسرائيلي السابق- يوآف غالانت

وعلى الجانب الأوروبي انبرت دولة المجر بإعلان انسحابها من النظام الأساسي للمحكمة وتوجيه الدعوة لرئيس الوزراء الاسرائيلي بزيارة بودابست في إبريل 2025 لكسر قرار المحكمة، إذ أوضح رئيس الوزراء المجري "فيكتور أوربان" بأن المذكرة لن يكون لها تأثير في بلاده، وأن بلاده ستكون أول دولة بالاتحاد الأوروبي تنسحب من المحكمة.

تحذيرات العدل الدولية

ومن ضمن معضلات المحاكم الدولية إلى افتقارها للآليات التنفيذ والضبط كغيرها من المحاكم المحلية التي تمتلك سلطة وسطوة القانون والتي تعد تنفيذ أحكامها جزء من أجزاء تطبيق السيادة القومية لأي دولة.

وازاء تلك المعضلات تواجه المحكمة الجنائية الدولية وكافة المؤسسات الدولية العديد التداعيات التي من المحتمل أن تؤثر على بقاؤها في الفترة المقبلة، فعلى سبيل المثال في 22 سبتمبر الماضي أعلنت كل من بوركينافاسو ومالي والنيجر انسحابهم الرسمي من المحكمة ويأتي انسحابهم أيضا بعد 7 أشهر تقريبا من انسحابهم من "الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "الإيكواس" ومحكمتها للعدل.

في هذا الإطار الملغم بالعدالة الانتقائية وحالات الافلات من العقاب كما هو الحال في حالة نتنياهو وغالانت، سبق أن حذرت منظمة العفو الدولية في عام 2022 من المعايير المزدوجة خاصة في ظل عاصفة الانسحابات الدولية والأفريقية من النظام الأساسي للمحكمة.

إذ لعبت الدول الإفريقية على سبيل المثال دور الحسم في إخراج نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلي النور في عام 1998 حينما صوتت معظم الدول الأفريقية لصالح انشاء المحكمة.

وأخيرًا.. تبدو المحكمة الجنائية الدولية في مفترق طرق يلزمها أن تمارس أولًا مزيدًا من الضغوط على الدول الموقعة على نظامها الأساسي لأجل تدشين قوة أو آلية قانونية تساعدها في تنفيذ قراراتها بعيد عن التوجهات السياسية لدي الدول الأعضاء كما حدث مع المجر، وثانيا يجب أن تحافظ على تماسكها المالي وحماية أعضاؤها من الملاحقات السياسية والعقوبات الدولية كما حدث من الولايات المتحدة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء