قمة شرم الشيخ ومأزق التسوية بين المقاومة والوصاية الدولية
تشهد مدينة شرم الشيخ المصرية يوم الاثنين الموافق 13 أكتوبر 2025 قمة دولية تاريخية للتوقيع على "اتفاقية سلام" جديدة في غزة، وذلك بعد التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية في 9 أكتوبر 2025 خلال مفاوضات شرم الشيخ.
تُعقد القمة برئاسة مشتركة ما بين الرئيس عبد الفتاح السيسي، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن المفترض أن تناقش القمة خطة الرئيس ترامب للسلام والتوقيع عليها، وتحظى القمة بتمثيل دبلوماسي على أعلى مستوى، إذ تم توجيه دعوة حضور القمة لأكثر من 20 زعيمًا ورئيسًا لحضور القمة.
ومن بين أبرز الحاضرين في القمة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسا وزراء إيطاليا وإسبانيا، كما تم توجيه الدعوة للمستشار الألماني "فريدريش ميرتس".
وعلى الجانب الإقليمي ستشهد القمة حضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى، كما تم دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لحضور القمة، فيما لن تشارك حركة "حماس" في القمة، ولا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

آفاق القمة
تأتي القمة في جو مفعم بالآمال المتزايدة من أجل إنهاء الحرب في قطاع غزة والتوصل إلى تسوية شاملة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال صيغة سياسية توافق عليها كافة الأطراف المعنية.
ويأمل المشاركون في القمة أن تحظى خطة الرئيس ترامب بتوافق من جانبي الصراع، إذ من المفترض مناقشة "مستقبل القطاع"، ودور الهيئة المنوط بها إدارته بعد وقف الحرب، وسبل تشكيل قوة شرطية عربية إقليمية، يكون هدفها مساعدة الإدارة الجديدة في تنفيذ مهامها، والأهم من ذلك إزالة كافة مظاهر التسلح في القطاع، وأخيرًا مسألة إعادة الإعمار وإنهاء المعاناة الإنسانية لأهل غزة.
التحديات الراهنة أمام قمة شرم الشيخ
تواجه القمة مجموعة من التحديات الكبرى التي من شأنها تهديد مخرجات القمة المرتقبة، ومن أبرز تلك التحديات:
أولًا: الإدارة المنوط بها الإشراف على القطاع
تُصر حركة "حماس" على أن تكون الجهة المنوط بها إدارة القطاع هي إدارة تكنوقراط فلسطينية يتم تشكيلها بعد تحقيق توافق فلسطيني-فلسطيني، في حين أن تسريبات "خطة ترامب" غير مرحبة بمسألة التكنوقراط الفلسطينيين، وترى ضرورة تشكيل لجنة إقليمية عربية تكون مهمتها إدارة القطاع تحت إشراف دولي، ويعاونها قوة عسكرية شرطية مُشكلة من الدول الضامنة لاتفاق غزة.

ثانيًا: آلية التمويل وإعادة الإعمار
دُمر قطاع غزة تمامًا خلال الحرب الأخيرة، الأمر الذي يستوجب إعادة إعماره بشكل كامل، وهو ما يترتب عليه وجود تمويل مناسب قادر على عملية إعادة الإعمار. لذا، يبرز تساؤل حول قدرة المؤتمر على إيجاد التمويل المناسب لإعادة الإعمار، أم سيكون مجرد تمويل رمزي؟ وفي حال وجود التمويل، هل سيتحول لاحقًا إلى عقوبة أو إجراء ضاغط على الإدارة الجديدة لقطاع غزة لأجل تمرير سياسات بعينها؟
ونقطة أخيرة متعلقة بمواد الإعمار وموقف الحكومة الإسرائيلية منها، فسبق أن تعنتت تل أبيب حول العديد من المواد المستخدمة في إعادة الإعمار، كالحديد والمركبات وغيرها، إذ تخشى أن تقع تلك المواد في أيدي فصائل المقاومة وتُعاد استخدامها في إنتاج السلاح.

ثالثًا: معضلة سلاح حماس وعقدة التسوية
استبقت "حماس" انعقاد القمة عبر تصريحات غير مباشرة على لسان القيادي حسام بدران، الذي أكد أن الحركة لن تغادر القطاع ولن تُسلم سلاحها، وهو ما يعد مؤشرًا على انهيار الاتفاق القائم، إذ إن الغرض الرئيسي يتمثل في نزع سلاح حماس، وإذا لم يحدث ذلك فسيكون أمام أمريكا وإسرائيل المبرر الكافي لعودة الحرب من جديد، وستكون تلك المرة أكثر عنفًا وتدميرًا، وقد يعود سيناريو التهجير مرة أخرى وبصورة أكثر جدية.

رابعًا: موقف الدول الضامنة
استنادًا إلى التحدي السابق، قد تجد الدول الضامنة (مصر ـ تركيا ـ قطر) نفسها في وضع مرتبك ومحرج للغاية في حال إصرار "خطة ترامب" على نزع سلاح حركة "حماس" وإخراج مقاتليها من القطاع، وفي المقابل رفض الحركة لتلك المخرجات. فهل ترفع تلك الدول يدها عما يحدث في القطاع، أم ستتدخل لتقريب وجهات النظر بين الطرفين؟ أم سيكون لها دور عملياتي في القطاع هدفه وضع خطة ترامب موضع النفاذ؟

خامسًا: الموقف الصيني الروسي
تشكل نقطة عدم دعوة روسيا والصين للمشاركة في المؤتمر تحديًا أمام القمة، رغم كونهما قوتين عالميتين مؤثرتين بشكل كبير في معظم الأحداث الجارية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. لذا، يعد عدم مشاركة هاتين القوتين أمرًا غير مفهوم، خاصة موسكو التي تترأس حاليًا مجلس الأمن.
وقد يبدو في الأمر أنه محاولة أمريكية إسرائيلية لاستبعادهما من الملف، تمهيدًا لإقرار خطة ترامب دون أية عوائق سياسية قد تبذلها الصين وروسيا أمام الخطة الأمريكية. وفي رد غير مباشر على عدم دعوة بلاده لقمة شرم الشيخ، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته لطاجيكستان تأجيل القمة العربية الروسية لعدم عرقلة التسوية الجارية في الشرق الأوسط.
غياب نتنياهو: دلالات سياسية عميقة
يُثار الجدل حاليًا حول عدم مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر شرم الشيخ، وتعلو تفسيرات تتعلق بحالة الضعف السياسي التي باتت عليها الحكومة الإسرائيلية نظرًا لرفض أجنحة الحكومة، خاصة اليمين المتشدد، لاتفاقية وقف إطلاق النار، كما أن نتنياهو بات شخصية غير مرغوب فيها إقليميًا ودوليًا.
ختامًا: بين قوس الأمل وحد السلاح
تُعد قمة شرم الشيخ اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف الدولية والإقليمية على تحويل اتفاق وقف النار إلى تسوية سياسية مستدامة. لكن، وسط تضارب المواقف، وتناقض المصالح، وتعقيدات الميدان، يبدو أن سلام غزة لا يزال رهين معادلة دقيقة: "نزع السلاح مقابل الإعمار"، وهي معادلة لم تُثبت نجاحها في أي صراع من قبل.



